جعفر عباس : نفعكم الله بعلمي يا بريطان (3)

أواصل نثر درر خبراتي كعربي «بتاع كله»، ليلتقطها البريطانيون، ويستفيدوا منها «لينصلح» حالهم ويصبحوا مثلنا فائقين ورائقين، يضحكون بلا سبب، ويقضون معظم الوقت مع واتساب، بدلا من إضاعة العمر في الهرولة وحساب كل خطوة بدقة ووضع الميزانيات لكل مشروع ابتداء من تكاليف وجبة الفطور، وليس انتهاء بإقامة الجسور ومازلت إلى يومنا هذا لا أفهم كيف تسنى لهؤلاء القوم أن يكونوا سادة البحار، وأن يحكموها ويتحكّموا فينا، وأن يكتشفوا ويخترعوا مختلف «البلاوي» التي نستوردها. لا أفهم أن يفعلوا كل ذلك على الرغم من «قلة العقل» التي تتمثل في أنهم يعملون من الحبة قبة بينما نحن نحول القبة إلى حبة، بأن نجعلها تتآكل من الإهمال والتعرض للتشليح.
الجبال عندنا ظلت عذراء منذ أن فطر الله السموات والأرض، لا تطأها قدم بشر، إلا إذا كان هذا البشر رجلاً أو امرأة من المعتوهين البيض الذين لا يرون كهفاً إلا فكروا في الدخول فيه، نقول لهم: هذا الكهف «مسكون» وبه من الجن نصف مليون، ولكن لا فائدة، فقد ابتلاهم الله بنوع غريب من الفضول و«حشر الأنوف». مغارة جعيتا في لبنان ظلت في الحال التي كانت عليها طوال ملايين السنين، إلى أن جاء رجل أمريكي معتوه و«اكتشفها» خلال القرن الماضي، فلما بدأت الحرب الأهلية في لبنان أصبحت المغارة مستودعاً للذخائر، وبعد الحرب كان لا بدَّ من «تطهير» المغارة من الألغام، واستوجب ذلك بالضرورة نسف أجزاء منها، وهكذا جنى ذلك الأمريكي المعتوه على المغارة، فلو لم يجره فضوله إلى تجاويفها لظلت على تلك الحال الذي كانت عليه منذ طوفان نوح.
قد يقول البعض إن فضول ذلك الأمريكي عاد بالفائدة على لبنان؛ لأنّ السياح تدفقوا عليه لرؤية المغارة حاملين معهم عملات «محترمة» من ذلك النوع الذي تراق في سبيله مياه الوجوه، قد يكون هذا صحيحاً، ولكني لست معنياً هنا بمصلحة لبنان، بل بتقديم النصح للشعب البريطاني «الشقيق»!
ما الفائدة من زيارة مغارة جعيتا أو الأهرامات أو قصور غرناطة؟ أقصد ما معنى إنفاق المبالغ الطائلة لرؤية أي شيء على نحو عابر؟ هل حدث مكروه للذين لم يزوروا تلك الأشياء؟ ثم إن هذه المزارات السياحية والتاريخية موجودة في السينما وأشرطة الفيديو، فلماذا يتكبد هؤلاء القوم المشاق والنفقات الباهظة لرؤيتها بالعين المجردة؟
وطالما أننا نتحدث عن المال والإنفاق فلا بدَّ من التطرق إلى جانب آخر من جوانب الهوس البريطاني، ألا وهو هوس «التبرع». لا تتقدم خطوة في أي شارع في لندن من دون أن توقفك عجوز للتبرع لحماية الغابات في ليبيا، أو مكافحة البعوض في فنلندا، أو لصالح برنامج أبحاث السرطان في أم درمان. بينما عندنا، الحكومات هي المسؤولة عن كل شيء. الحكومة هي التي تكافح البعوض، فإذا عجزت عن ذلك استنجدت بالغرب ولا دخل للمواطن بكل ذلك، ثم مالكم أنتم والغابات؟ «إن شاء الله حريقة تأخذها عن بكرة أبيها وأمها». لماذا تضيعون أموالكم في أمور لا تعنيكم، وأعجب الأشياء أن في بريطانيا وحدها نحو عشر منظمات لمكافحة المجاعة وتقديم العون الإنساني لمختلف البلدان!
إذا قررت حكوماتنا أن يكون هناك جوع ومجاعة فلا بدَّ أن يكون ذلك لـ «حكمة»! فحكوماتنا بعيدة النظر ولا تضيع فلوسها «في الفاضي». الأمن القومي عندنا مستتب ولا يوجد لدينا صعاليك يخرجون في مظاهرات؛ لأنّ الشرطة اعتقلت شخصا بريئا، أو لأنّ أدخنة المصانع تسبب السرطان. الأولوية عندنا للأمن والاستقرار. وقواتنا مدججة بالسلاح مثل رامبو، فإذا أدى الإنفاق على الجيش والأمن إلى شح في الأغذية فليس معنى ذلك أن «تشيلوا حالنا».. وتجمعوا التبرعات لإطعامنا. دعوا نقودكم في جيوبكم، أو أعطونا بدلاً منها سلاحاً نرهب به أعداء الشعب.

[email protected]

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *