منى عبد الفتاح : طريق الحرير السعودي الصيني

لم تغادر عبارة (طريق الحرير) الوصفة التجارية التاريخية بين الصين وبقية دول العالم، محطتها الرومانسية، ذلك أنّ الصين بعكس كل الاقتصادات الدولية الناشئة تعتمد كثيرا في تعاطيها مع العالم من حولها على تراثها الحضاري منذ آلاف السنين.

عندما اكتشف الصينيون صناعة الحرير قبل 3000 سنة، أتقنوا هذه الصناعة التي أذهلت الناس قديما فسعوا إلى اقتنائه بمبادلة وزنه بالأحجار الكريمة، فنشأ طريق الحرير التاريخي وهو الأكثر شهرة في العالم القديم. ولم يقتصر الطريق الذي تكون من مسلكين بري وبحري، على الربط بين أقاصي وأواسط آسيا وشمال أفريقيا ووسط أوروبا على الحرير وحده وإنّما سهّل نقل السلع والأفكار، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلا عن المنتجات الثقافية. كما عرفت آسيا بفضله الإسلام.

وحرص الصين على إحياء تراثها في مجال العلاقات الدولية، هو ما جعلها تعتدّ بخصوصيتها الثقافية بالرغم من موجات العولمة الهادرة، وتحافظ على شكل اقتصادها المتفرد. فبالرغم من انفتاحها على رأسمالية السوق من أوسع أبوابها، إلّا أنّها لم تسلّم مقاليد أمورها إلى قوى اقتصادية عالمية مثل الشركات متعددة الجنسيات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفي نفس الوقت عالجت قواعد الاشتراكية الاقتصادية التي عفا عليها الزمن وأثبتت فشلها بالنتيجة التي أفضت إلى انهيار المعسكر الاشتراكي، فنتج عن ذلك اقتصاد هجين.

في زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى المملكة العربية السعودية وتوقيع 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، توضع حقائق هامة في الاعتبار للتعامل مع هذا التنين الناهض بقوة، وهي أنّ الصين تأتي كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وذلك وفقا لمسجلي النقاط في صندوق النقد الدولي.

وهذه المكانة الجيوسياسية التي تشهدها الصين هي بسبب جهودها الصاعدة جنبا إلى جنب مع قوتها الاقتصادية، مستفيدة من تبديد الولايات المتحدة لزعامتها العالمية بسبب جشع وتعالي نخبها السياسية والاقتصادية ودخولها العديد من الحروب خاصة في الشرق الأوسط. كما أنّ الصين حققت نصرا اقتصاديا آخر وهو إدراج عملتها اليوان الصيني (الرينمنبي) لتأتي في سلة العملات الاحتياطية في العالم، وكواحدة من العملات العالمية: الدولار الأمريكي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو الأوروبي، وذلك بعد أن استوفت الشروط والتي بموجبها أقرها المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي. وليس هذا فحسب وإنّما هي مرشحة لأن تحتل المكانة الاقتصادية الأولى في العالم بحلول عام 2025م.

أما القوالب النمطية فيما يتعلق بالمنتجات الصينية، فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنّ الصين تصدّر للدول الكبرى، والدول النامية معاً ولكن القاعدة التي يعرفها التجار ويغفل عنها المستهلكون هي أنّ للمنتج الصيني الواحد مئات النسخ. فالدولة التي يكون لها شروطها فيما يتعلق بالجودة فإنّها تصنع لها ما يلبي هذه الشروط وبسعر معين، والدولة التي تطلب أي بضاعة تغرق بها أسواقها، فإنّها تصنّع لها حسب طلبها وحسب ما تدفعه أيضا.

تبدو الصين الآن بالرغم من كثافتها السكانية العالية في حاجة ماسة إلى زيادة استهلاك سكانها، بحيث يمكن للبلد أن يتحول من الاستثمار فقط إلى نموذج اقتصادي قائم على الاستهلاك المحلي للتنمية الاقتصادية. وهذه الحاجة يفرضها الانتعاش الكبير في التنمية الاقتصادية، وقيام الصناعات والإنتاج للتصدير. وبالنسبة للاستهلاك فدوما ما ينعتون المستهلك الأمريكي بالمبذّر، ذلك لأنّ السياسات الاقتصادية الصينية بالإضافة إلى ثقافة الفرد وبعض الإرشادات المتعلقة بالحضارة الصينية تحثّ على الاستهلاك حسب الحاجة فقط، ولعلّ هذه عقيدة شرق آسيوية يلمسها العرب في الوافدين من تلك الأنحاء، على مستويات معيشتهم وحياتهم عموما.

النفوذ الدولي الذي تسعى له الصين هو اقتصادي في المقام الأول برهنت عليه نجاحاتها الاقتصادية الكبيرة، وما تهتم به ويترجم سلوكها هو مصلحتها الاقتصادية دون التدخل في الشؤون السياسية للدول إلّا بالقدر الذي يدعم السلام والأمن الدوليين.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *