جعفر عباس : نفعكـم الله بعلمـي يـا بــريـطـــان (4)

أُنبه القرّاء العرب إلى أن هذه السلسلة من المقالات «للبريطانيين فقط»، ولا تخصهم من قريب أو بعيد، لأنها تهدف إلى تنوير الشعب البريطاني وتبصيره بعيوبه التي نحن منها براء. إذا فلا داعي للتطفل وحشر الأنوف. وإذا كان في القراء العرب خير فعليهم أن يقتدوا بي وأن يقدموا للشعب البريطاني «الشقيق» عصارة خبراتهم في مجال السياسة والاقتصاد والتقدم العلمي والصناعي.
أعود إلى مخاطبة البريطانيين فأقول لهم: إن أس البلاء الذي حولهم من إمبراطورية عظمى إلى جزر صغيرة تتقاذفها الرياح، هو ولعهم بذلك الشيء الذي يسمى «الديمقراطية»، مجرد نطق الكلمة يسبب احتقان الحنجرة والتهاب الأذن الوسطى، حاولوا نطقها ببطء: ديمقراطية.. ديمقراطية، وستكتشفون أن القصبة الهوائية تصاب بالانسداد عند نطق «القاف» وأن اللسان يكاد يلتصق نهائيًا بسقف الفم عند الطاء، وكلمة كهذه لا يمكن أن يأتي من ورائها خير، فباسم هذه الديمقراطية اللعينة يفقد الوزراء مناصبهم، وتسقط الحكومات، ويتعرض ممثلو الشعب للبهدلة، ولا بدَّ لي من انتهاز هذه المناسبة لدعوة العرب والعربان واليعاربة إلى ترقية كلمة «بهدلة» لتصبح فصيحة، فهي كلمة معبرة وموحية، ولا أعرف لها نظيرًا في اللغة الفصحى المتداولة، وإن كان هناك مثل هذا النظير فإنني لا أريد أن أعرف عنه شيئًا، ويطيب لي أن أعرب عبر هذا المنبر عن تمسكي التام بكلمة «بهدلة» وأن هذا الموقف لا صلح فيه أو مفاوضات أو سلام على طعام أو كلام، انظروا عبارة مثل: بهدل المدير الموظفين، إعرابها كما يأتي بحسب المادة التاسعة من قانون سيبويه المعدل بالمادة الثالثة من قانون الخليل بن أحمد الفراهيدي:
* بهدل: فعل ماضٍ مبني على الفتح
* المدير: فاعل مرفوع بقرار وزاري
الموظفين: مفعول بهم ومنصوب عليهم، و«مبهدلين» بالياء والنون لأنهم جمع مذكر سالم «مجازًا»، والدليل الوحيد على ذكورتهم هو غياب تاء التأنيث التي آن الأوان لاجتثاثها من لغتتنا لأنها تعبر عن تمييز ضد المرأة حتى على صعيد قواعد اللغة. وتلتقي في ذلك الهدف المشبوه مع نون النسوة (أي نون الإناث)، تلك النون السخيفة التي تحيل الكلام إلى شيء شبيه بألغاز الأطفال: لتصبرن على ما أصابكن. وتذهبن إلى بيوتكن وأزواجكن، خيط حرير على حيط خليل، ليره ورا ليرا، طبقنا طبق طبقكم.
أعتذر للسادة والسيدات من أصحاب العيون الزرقاوات!! عن تلك النزوة اللغوية وأعود إلى أصل الموضوع، ألا وهو الأضرار الناجمة عن ذلك الفيروس السياسي المسمى «ديمقراطية»، والدليل على صحة ما أقول هو أننا في العالم العربي ننعم بالاستقرار السياسي، بل إن الحكومات عندنا تحتفل باليوبيلات الفضية والذهبية والماسية، بفضل ابتعادها عن ذلك الفيروس، ولأننا ننعم بالاستقرار فإننا نجحنا في إنجاز الكثير، وأصبح لدينا آلاف المخترعين والمكتشفين، ولا ينكر إلا مكابر أن الشاورما والكفتة والكباب اختراعات عربية أصيلة، وهناك من يقول: إن «المحشي» عربي المنشأ، وليس تركيًا كما يزعم بعض المستشرقين المغرضين، الذين في نفوسهم مرض، والذين يزعم بعضهم أن العرب لم يدخلوا الأندلس إطلاقًا، يقولون ذلك برغم الدليل الدامغ على أنهم دخلوا إسبانيا، ألا وهو أن الشعب الإسباني هو الوحيد بين الشعوب الأوروبية الذي يمارس نوم القيلولة، ويسمونها «السيستا». ومن الثابت تاريخيًا أننا ننفرد بين بني البشر بالنوم بعد الغداء والعشاء والسحور، المهم أن السيستا الإسبانية اختراع عربي أصيل، منشؤه راحة البال، وهي نعمة توارثها العرب جيلاً بعد جيل وحافظوا عليها بالبعد عن «الديمقراطية» وتفريعاتها.

jafabbas19@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *