الطيب مصطفى : أين تكمن المشكلة؟!

الطيب مصطفى : أين تكمن المشكلة؟!

(فضيحة) البرلمان الناشئة مؤخراً عن (مرمطته) في قضية رفع سعر الغاز تحتاج إلى نظر جديد يتجاوز الحديث المعلوم عن دوره كديكور أو كومبارس يجمل النظام الحاكم ويمنحه توصيفاً لا يختلف كثيراً عن إضافة ألمانيا الشيوعية قديماً صفة (الديمقراطية) إلى اسمها بالرغم من أنها تعبر عن أبشع النظم الديكتاتورية في العالم!.
دعونا نتجاوز ما حدث لننفذ إلى العلة الحقيقية محاولين أن نفكك جزئياتها لنصل إلى العلاج المعلوم للكافة، والذي ظللنا ندندن حوله ونحن نخوض غمار الحوار الوطني الذي يواجه من المطبات والعوائق (الجبلية) ما يحتاج إلى كل آليات الكسر والتسوية التي انتجها العقل البشري.
مشكلة المشاكل تتمثل في أن معظم نواب البرلمان ينتمون إلى الحزب الحاكم، ويعلمون عاقبة التمرد على قرارات الحكومة من خلال النظر الثاقب المصحوب بالخوف على فرص الترشح للدورة البرلمانية القادمة، فكم من (مشاغبين) خلال الدورة الماضية اقصوا جزاءً وفاقا لعدم انضباطهم تنظيمياً.
الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار الذي ساد مسيرتنا السياسية منذ الاستقلال والمتمثل في قصر فترات الحكم الديمقراطي وطول بقاء أنظمة الحكم العسكري، بدون الدخول في الأسباب التي أدت إلى ذلك، يعتبر العامل الأساسي في هذا السلوك غير الرشيد، سواء من الدولة أو من الأفراد، ولا أبرئ الأحزاب السياسية من تلك الكبوات التي أجهضت فترات الحكم الديمقراطي، فكما أن حزب الأمة تسبب في فتح شهية العسكر للانقضاض على الديمقراطية مما صعب من فطامهم بعد ذلك كان للجبهة الإسلامية القومية دور أعظم في الاجهاز على الديمقراطية بتوهم ساذج وخطأ تاريخي أن ذلك لا يعدو أن يكون محطة تصحيحية قصيرة تعود البلاد بعدها إلى المسار الديمقراطي بعد أن عولت على افتراض سطحي ساذج بأن الولاء والالتزام التنظيمي (المدني) يعلو ويسود على الولاء الشخصي أو (العسكري)!.
الأمانة تقتضي أن أشهد هنا أن مشكلة الجنوب كان كذلك لها دور كبير في الاضطراب الذي اكتنف مسيرة السودان السياسية، ولا أشك لحظة في أن الإنجليز ما زرعوا شوكة الجنوب في خاصرة السودان إلا ليعطلوا انطلاقه سيما وأن التمرد انفجر عام 1955 قبل أن يخرجوا من السودان، واستمر خلال فترات الحكم الديمقراطي والعسكري وحتى الفترة التي أعقبت إبرام اتفاقية أديس أبابا عام 1972 والتي امتدت حتى عام 1983 حين اندلع تمرد قرنق لم تخل من المناوشات المستمرة والتي وثقها اللواء صديق البنا في كتابه (الجنوب.. معضلة الأمن القومي السوداني).
أقول إن (جليطة) البرلمان الأخيرة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وكما أنه من المستحيل أن تجني من الشوك العنب، فإن البرلمان الحالي لن يكون رقيباً على الجهاز التنفيذي في ظل الوضع السياسي القائم الآن، ولا ينبغي من الآن فصاعداً أن نعوّل عليه أو نوليه اهتماماً، فقد سقط في نظري إلى القاع (والفيهو انعرفت) ولا نحتاج إلى مزيد من البينات!.
يحمد لفضيحة البرلمان الأخيرة أنها كشفت تحت الأضواء الساطعة عمق أزمة الوطن التي احترنا ورب الكعبة في كيفية التعامل معها، فها هو الحوار يتمخض عن فار مريض بعد أن (كنكشت) الحكومة في خياراتها التي تعلم يقيناً أنها لن تحدث تغييراً حقيقياً مهما تطاول الزمن ما لم تقدم على التعامل بجدية مع القوى والأحزاب السياسية الحقيقية والحركات المسلحة المعروفة محلياً وخارجياً، وأعجب أن (تعصلج وتوحل وتغرق في شبر موية) برفضها اللقاء التحضيري الممهد للحوار الداخلي، وكان من الممكن أن تتجاوز تلك العقبة الصغيرة لتحقق الاختراق المطلوب، فو الله لن تجدنا داخل اللقاء التحضيري وفي الحوار الداخلي اللاحق أقرب إلى الحركات المسلحة من قربنا إليها، فمم تخاف وتعطل خطوة كان من الممكن أن تنقل البلاد إلى مربع جديد ينهي حالة البؤس التي تهيمن على وطننا المأزوم؟
لا ينبغي للحكومة أن تتوهم أن الكرة في مرمى المعارضة مهما بلغ ضعفها، وتتجاهل أنها في الحقيقة في مرماها كونها هي المواجهة بالأزمات الاقتصادية المتزايدة والمتصاعدة التي تخصم كل يوم من رصيدها في الشارع، كما أن رصيدها الخارجي من حيث علاقاتها الدولية مع أمريكا وما يسمى بالمجتمع الدولي في حالة بائسة وليتها تعلم أن الشارع آخذ في الغليان الذي يتزايد كل يوم، فهل تستمر في العناد كما فعل السابقون الذين ما عضوا أصابع الندم إلا بعد فوات الأوان؟!.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *