د. ربيع عبد العاطي .. من أجل الإصلاح ، الكم والكيف معاً

د. ربيع عبد العاطي .. من أجل الإصلاح ، الكم والكيف معاً

لا تحتمل البضاعة الرواج، ودرجة الإقبال عليها من قبل الزبائن، إلا إذا كانت تلك البضاعة ذات جودة عالية، ويستطيع الحصول عليها من يحتاج إليها، بمعنى ألا تكون محتكرة، أو ملقاة في المخازن، وإنما تكون منتشرة في الأسواق ومتاحة بالطريق العادي وليس الملتوي، كما يحدث ذلك بالسوق السوداء لبعض السلع والخدمات.
> وعندما نقول للمواطن بأنه موعود بانفراج اقتصادي، ووفرة للاحتياجات، وراحة بعد ضنك، واستجمام بعد عناء، فإن هذا القول ينبغي أن يكون من حيث النوع، قولاً ينطق بالحق بلسان ذرب، ووضوح يجافي الغموض، واستقامة تبتعد عن المناورة والزيف، ووعد عرقوب.
> والتصريح الذي يحتمل أكثر من تفسير تضره الإزدواجية، وتلفه عدم المصداقية، فإذا تعمق مفهوم الرأي العام عن جهة تبيع حديثاً، وتمارس ابتزازاً، وتختفي وراء الألفاظ، سرعان ما تنصرف الجماهير عن مثل ذلك، إذ أن من يثبت كذبه، يفقد ثقة النّاس به، والثقة عندما تكون مشروطة بقول اللسان، فيزوغ اللسان عن مطلوباتها، تصبح عدماً لا تحيا بعده أبداً كالمسافر الذي لا تُرجى عودته، فيصبح غيباً بعد عين.
> والكم والكيف، عنصران لهما كبير التأثير في الأقوال والأفعال، فالقول ينبغي أن يكون فعلاً، والكلمات يجب أن يحيط بها الإيجاز، ويطغى تأثيرها على الكافة، فالكيف هنا للكلمة، والكم هنا ينعكس على مساحة تأثيرها، وقدرة نفاذها، وسعة اندياحها لتعم البدو والحضر، والريف والمدن وهكذا يكون الإقلال في القول، بتأثيره البالغ الذي يعم فيملك على الناس قلوبهم، ويسيطر على أفهامهم، مما يجعلنا على نحو مؤكد لا نتردد في ضرورة ربط الكم بالكيف، والجودة بكثافة الطلب في كل شأن دون تمييز بين سلعة مادية، وبضاعة فكرية، فالحكم هنا يجعل المقارنة بين هذا وذاك سيان، فى إسقاط المعايير، ومعرفة النتائج، وجدوى المحصلات.
> وعندما نكون قد عقدنا العزم على الإصلاح، فالأمر لا يجدي معه أن نتوجه بأفكار لنخب محدودة، أو شرائح خاصة، فلا تنتصر الأفكار، وتعم ثقافتها إلا إذا صيغت بأسلوب يتناسب مع الصغير والكيبر، والرفيع والوضيع، وغيرهما، ما دام الغرض أن تتجاوز الكلمات الحناجر، لتستقر في أعماق الصدور، ولا فرق بين قلب وقلب، ولكن لكل قلب فصيلة للدم، هي التي تنسجم مع نبضاته.
> والإصلاح الذي يستهدف تشكيل الرأي العام، ينبغي أن يحفر معانيه بياناً عياناً في ضمير النّاس، بكشف الحقائق، وجدية القرارات، فلا يلغي قرار مكتسبات ظنها النّاس ستستمر، ولا يقضي إجراء على ثقة في مؤسسة، فيأتي على رأسها بدلاً عن السابق من يدوس على كرامة المواطنين برجله، ويطأ بقدمه مطالبهم، كما لو أنه قد سجل المؤسسة في اسمه، وهو لا يحس بأن بالإمكان الإطاحة به بقرارٍ في لحظة من ليلٍ ، أو نهار.
> ولديَّ تجربة مريرة مع مديرين كُثر أولتهم القيادة الثقة، فكان اهتمامهم ليس بالجماهير، بقدر ما يحيط بهم من أرزقية ومساعدين يحجبون منهم الواقع ويزورون لهم التقارير، فأصبحوا «متيسين» وليسوا رؤساء كما نص بذلك القرار الذي بموجبه تم التعيين.
> وقد يكون القرار صائباً بتكليف شخص، تنطبق عليه مواصفات الأمانة والنزاهة، ولكنه بغير علم منه قد حبس نزاهته في مكتبه، وظلت الخيانة تعشعش في إدارته، فتفوح رائحتها، إلى درجة سعي الركبان بها في كل مجلس وكل طريق، ويكون هو آخر من يعلم، ويا للحسرة عندما يكون قائد القوم جاهلاً ومغيباً عما يدور في مملكته من فضائح ونقائص، والأولى له عندئذ أن ينفض يده من مؤسسة، سيُلقى وزر فسادها عليه فلا مهرب، ولا نجاة فهو الذي سيغطس في الجرم، بما كسبت يداه من أعلى رأسه وإلى أخمص الأقدام.
> وكثرة القرارات، والاجتماعات، والملتقيات، وتحويل النشاطات إلى غرف مغلقة وغيرها دون أن ينعكس مثل هذا النشاط على واقع الحياة، وسهولة الخدمات، وحل الأزمات، سيجعل النّاس تملّ من قوم يثرثرون ويتحدثون، وينتقلون من احتفال إلى احتفال، ومن مؤتمر إلى مؤتمر، وتؤول الأمور في نهاية المطاف إلى سأم ثم ثورة، وبراكين للغضب تتصاعد ألسنة لهبها، فلا تبقي ولا تذر.
> وصدق شاعر المبادئ الذي قال:
> ومن العواصف ما يكون هبوبها
بعد الهدوء وراحة الربان
وتتابع القطرات ينزل بعده
سيلٌ يليه تدفق الطوفان
إن احتدام النار في جوف الثرى
أمرٌ يثير حفيظة البركان
> واتقاء لمثل ذلك المصير، فإن القيادة لا تنزوي فتنعزل عن جماهيرها، ولابد من الاتصال بين قمة عالية، وقاعدة متسعة.
> والقيادة لا يتسع إشعاعها، وترسل ضوءها الكثيف ليسقط على القاعدة، لينيرها ويجعلها مبصرة، إلا إذا كانت تلك القيادة على نسقٍ مركز، وعلى فكرٍ ثاقب، ورؤية نافذة.
> وما أنفع القيادات التي تمتاز بالفراسة الصادقة، والبصيرة النافذة وتلك هي التي تؤثر، وتجد العون لأنها تصل بلا انفصال، وتشعر برعيتها وإن كانت تسكن في شعاب وكهوف في جبل قصي، او خيام منصوبة في وادٍ ليس فيه زرع، لكن ساكنيها ينتظرون غيثاً يهطل، وقائداً يبرهم بزيارة على نحوٍ خاص.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *