الطيب مصطفى : حول الوجود الأجنبي

أتيح مساحة مقال اليوم لمقال متميز من خبير متميز هو د.عبد الرازق البشير الوكيل السابق لوزارة الزراعة.

المهندس الطيب مصطفى.. بالإشارة إلى مقالتكم الرصينة بجريدة الصيحة الغراء العدد 494 بتاريخ 3 يناير 2016 حول الموضوع أعلاه ودعوتكم إلى معالجة شاملة وإستراتيجية موحدة تحيط بقضية الهجرة، ومخاطبتكم في مقالة لاحقة للسيد رئيس الجمهورية لإعطاء الأمر اهتمامه الشخصي، أشارككم الرأي فيما ذهبتم إليه وأدعو للدراسة المعمقة والتخطيط واتخاذ السياسات والإجراءات المناسبة ليس فقط في المدى القصير بل وفي المديين المتوسط والبعيد أيضاً.

إن النظرة البعيدة لظاهرة الوجود الأجنبي المتنامي بالسودان ينبغي أن تأخذ في الحسبان زيادة السكان المتوقعة في المستقبل، خاصة في القارة الأفريقية، حيث تفيد دراسات الأمم المتحدة أن عدد سكان العالم سيبلغ 9,4 مليار نسمة عام 2050م، منهم 2,4 مليار في أفريقيا . وفي عام 2100 سيبلغ سكان أفريقيا 4,4 مليار نسمة (بنسبة اثنين لكل خمسة أشخاص على ظهر البسيطة). بالمقارنة بسكان أوروبا الذين سيبلغ عددهم 7.9 مليون. هذا الانفجار السكاني المتوقع وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في أفريقيا سيكثف وتيرة الهجرات من الدول ذات الكثافة السكانية العالية والموارد المحدودة إلى الدول ذات الكثافة السكانية الأقل والفرص الأوفر. إن فرص الهجرة إلى أوروبا والتي يتوق إليها المهاجرون من أفريقيا والدول العربية المنكوبة الآن لن تكون متاحة إلا لأعداد محدودة منتقاة وفق احتياجات دول الاتحاد الأوروبي، وذلك في ضوء تشديد إجراءات الهجرة في وجه مواطني الدول النامية، خاصة بعد حوادث الإرهاب في باريس واتهام المهاجرين بالاعتداء على النساء مؤخراً في كولون ومدن أوروبية أخرى، والدعوة للحفاظ على القيم المسيحية في وجه القيم التي يحملها النازحون خاصة القيم الإسلامية .

وفي إطار الهجرة بين الدول الأفريقية أتوقع أن يكون السودان الهدف للكثير من المهاجرين، وذلك لمساحته الشاسعة البالغة 1,86 مليون كيلو متر مربع (الثالث بين الدول الأفريقية )، وامتلاكه 175 مليون فدان قابلة للزراعة يستغل منها حالياً 45 مليون فدان، وأيضاً بسبب الحدود الممتدة مع ثماني دول والتي يصعب ضبطها، وبسبب تقبُّل أهل السودان للهجرات على مر العصور. وأتوقع أن يكون السودان هدفاً بصفة خاصة للمهاجرين من نيجيريا وأثيوبيا وهما ضمن الدول العشر الأكثر سكاناً في العالم في عام 2050، حيث سيبلغ سكانهما 400 مليون و230 مليوناً على التوالي . أما مصر الشقيقة فسيبلغ سكانها في 2050 نحو 150 مليوناً، وبذلك سيكون مجموع سكان هذه البلدان الثلاثة 780 مليوناً ـ أي عشرة أضعاف سكان السودان والذي سيبلغ عندئذٍ 80 مليون نسمة .

وهذه الهجرة غالباً ما تكون تلقائية وليست مخططة من حكومات الدول ذات الكثافة السكانية العالية، ذلك أن قرار الهجرة فردي وستعجز الحكومات عن منع تدفق المهاجرين إلى الدول الأخرى. وسوف يساعد على هذه العملية الفراغ الناشئ عن الهجرة الداخلية من الولايات الطرفية إلى أواسط البلاد، وذلك بسبب تركيز مشاريع التنمية والخدمات الأساسية في وسط شمال البلاد، وبسبب الظروف الأمنية الناشئة عن النزاعات حول الموارد في تلك الولايات .

بناء على ما تقدم، المطلوب إعداد إستراتيجية طويلة المدى تتكون من خطط مرحلية وسياسات تهدف إلى إيجاد توازن بين النمو السكاني من جهة، والاستغلال المستدام للموارد من جهة أخرى، وما قد يتطلبه من سياسات وإجراءات لإعادة توزيع السكان وتشجيع الهجرة المعاكسة إلى الريف، وحسم النزاعات على الحدود مع دول الجوار، والحد من التدفقات غير المرغوبة للمهاجرين مع تحديد عدد ونوع المهاجرين الذين يمكن أن تستوعبهم البلاد وتكون لهم مساهمة إيجابية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

إعداد هذه الإستراتيجية يتطلب تكوين لجنة من خبراء وطنيين مقيمين ومغتربين مشهود لهم بالكفاءة والحرص على مصلحة الوطن، وذلك في قضايا السكان والاقتصاد الكلي والموارد الطبيعية والزراعة والأمن والجوازات والهجرة والبنى التحتية والخدمات والتخطيط الإستراتيجي .

إن إعداد هذه الإستراتيجية وتنفيذها واجب وطني ملح وذلك حتى لا يصبح سكان السودان الحاليون في وقتٍ غير بعيد أقلية في وطنهم و يفقدون تبعاً لذلك هويتهم المميزة التي تكوَّنت عبر القرون .

د.عبد الرازق البشير محمد

وكيل سابق لوزارة الزراعة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *