هل فشل الإسلاميون في الحكم ؟!

هل فشل الإسلاميون في الحكم ؟!

ثمة مقولة تسود في الإعلام العربي بشأن فشل الإسلاميين في الحكم ويطرحها البعض وكأنها مسلمة أو أطروحة لا جدال فيها وجوهر الأطروحة ببساطة يتكىء على أن الشعوب العربية اختارت الإسلاميين للحكم عبر الانتخاب لكنهم فشلوا في تجربتهم وعليهم التنحي وفتح الطريق لغيرهم، رغم قصر مدة حكمهم وعدم اكتمال تجربتهم أصلاً واخترع لإثبات ذلك نظرية جديدة هي شرعية الشارع لا شرعية الصندوق ولعل من الدقة القول إن تجربة الإسلاميين في الحكم لم تبدأ بعد بالمعنى الحقيقي وإذا كانت مدة حكمهم تعد بالأشهر فإن غيرهم من القوميين واليساريين أخذوا عقوداً من الزمن في الحكم قبل أن يُحكم على تجاربهم وما زال بعضهم يقصف شعبه حتى الآن بكل أنواع الأسلحة الفتاكة إصراراً على تمسكه بالحكم وهذا لا يعني إطلاقاً أن الإسلاميين لم يخطئوا في فترة حكمهم القصيرة المدى، فقد أخطأوا وأصابوا كما هو شأن غيرهم من القوى السياسية.
مفاصلة الإسلاميين
تظل حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في القرن العشرين في العالم الإسلامي مثار جدل أينما كانت وحيثما حلت الحركة وفقاً لحديث د. محمد أحمد كرار لـ (الإنتباهة) قائلاً: بالعودة إلى كتاب البروفسير حسن مكي وهو أحد بواكير إنتاج الحركة في السبعينيات وأحد المؤسسين عن الانقسام الحاد الذي شهدته صفوف الإسلاميين في الرابع من رمضان وهي المفاصلة الشهيرة لجماعة الاخوان المسلمين في 1999م وعزوف أحد الفريقين عن المشاركة في أي موقع قيادي نظراً لتجربة الشراكة السابقة بينهما والتي حكم عليها بالفشل وتفرد المؤتمر الوطني بالسلطة، المفاصلة الشهيرة وما صاحبها من انفعال وتوتر قسم جماعة الاخوان المسلمين إلى (القصر) و(المنشية) وظلت المواقف تتباعد عاماً تلو الآخر وأصبح الشعبي ألدّ الخصوم والمعارضين للوطني طيلة الفترة الماضية وفشلت كل المحاولات الداخلية والخارجية لرأب الصدع بشأن معالجة الوضع بينهما وتشخيص المشكلة وأسبابها والحلول لاندماج أو وحدة جماعة الإخوان المسلمين سيما أنها تصنف نفسها بأنها إصلاحية شاملة ومن منطلق الوحدة التي سعت لها أكثر من جهة وينبغي إليها أن تتحد تحت حكم واحد في خلافة إسلامية تجمع (المؤتمرين) تحت رآية واحدة سيما بعد الفشل الذي صاحب تجربة الإسلاميين في السودان وما جاورهما من دول، قياس تجربة الفشل يجب أن يترك جانبا سيما بعد فكرة الحوار الوطني الذي قرب الشقة بين فرقاء الأمس ورفقاء اليوم.
مفاصلة المبادئ
لكن اللافت أن أخطاء الإسلاميين تضخم عن عمد ويجري تحويلها في الآونة الأخيرة بشكل ممنهج إلى خطايا عظيمة، ذلك من خلال حديث نائب الأمين العام للشعبي د. ثريا يوسف مقرة بأن حزبها لا يستند إلى شخصية الترابي وحده، وأشارت إلى أن هناك مفكرين آخرين كان لهم دور كبير في تأسيس الحزب وأن انحياز الناس للترابي في المفاصلة بين القصر والمنشية لم يكن من أجل شخصه فحسب وإنما كان من أجل المبادئ التي قامت عليها الحركة الإسلامية، وأقرت د. ثريا بفشل الإسلاميين في الحكم مطالبة بترفيع الصادقين، بدون شك أن سنوات الجبهة الإسلامية في الحكم أحدثت تحولات كبيرة داخل الجسم السياسي الإسلامي حيث عقب نجاح الانقلاب وبدء سياسية التمكين اتجه الدكتور حسن الترابي لحل الحركة الإسلامية في محاولة وصفها البعض بالتصفية لعدم رغبة الرجل في قيام مرجعية سياسية وايدلوجية تكون رقيبة على أداء سير عمل الدولة خاصة أن الانتقال من مقعد المعارضة لسدة الحكم يحتاج لجسم يتجاوز فكرة الحركة الإسلامية إلى أبعاد مرنة تستوعب مكونات أخرى سياسية يسارية ويمينية وحتى دينية (مسيحية) لتمكين نظام الحكم ومنعه من العزلة المجتمعية باعتبار أن ليس كل السودانيين حركة إسلامية.
وحدة الإسلاميين
في حديث سابق للقيادي الإسلامي البارز شيخ أحمد عبد الرحمن لـ (الإنتباهة) قال: منذ مذكرة الـ (1000) شخص التي أثارت الكثير من الجدل وسط الساحة السياسية والمؤتمر الوطني خاصة أنها طالبت بإصلاحات سياسية وجاءت بها إشارات لضرورة أن يتوحد الإسلاميين وأن تعود السيرة الأولى للحركة الإسلامية بإحياء قيم الجهاد والتعبئة وعدم التخلي عن الشريعة الإسلامية، وقد اعتبر البعض أن قيادات الحركة الإسلامية التي لا يعجبها سير أداء المؤتمر الوطني هي من وقفت وراء إعداد المذكرة والدفع بها إلى الأمام ليعود بعدها جدل (المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية) من جديد لدرجة أن البعض قال إنهم يريدون أن يرثوا الوطني باعتبار أنهم المرجعية الحقيقية للحزب مضيفا. أحمد إثر هذا التصعيد سارعت قيادات في المؤتمر الوطني للمجاهرة بنيتها في تذويب الحركة الإسلامية في المؤتمر الوطني وسارعت أيضاً بعض أجهزة المؤتمر الوطني للتقرب من الغاضبين عبر سياسية الدمج الوظيفي حيث جاءت التعديلات الأخيرة في هيكلة الوطني وبعض المصادر تخوفت من تغول الوطني على المشهد قد يأتي بنتائج عكسية إلا أن الأمر حسم تماماً، مشيراً إلى أن الدستور الجديد سيجعل عضوية الحركة الإسلامية هي عضوية المؤتمر الوطني بمعنى سيكون الوطني الواجهة السياسية للحركة.
الخروج من العباءة
نجد أن كل هذه الشواهد تدل على أن هنالك شيئاً يدور في الخفاء يجعل الاختلاف قد ترتفع سقوفه حيث أشار قيادي بالحركة الإسلامية امتنع عن ذكر اسمه أن البعض بات يتهرب من استحقاقات انعقاد المؤتمر العام للحركة الذي ستخرج فيه النقاشات التي تدور في الصالونات للعلن، وأضاف لـ (الإنتباهة) أن البعض لا يريد سماع تلك الأحاديث، وأشار إلى أن هنالك العديد من الأوراق أعدت لوضع خارطة طريق تعيد بها الحركة الإسلامية سيرتها الأولى بعيداً عن تأثيرات السلطة عليها، مضيفاً ونستعد للخروج من العباءة بعد فشل تجربة الإسلاميين، متوقعاً أن تثور بعض الجهات عليهم، إلا أنه أشار لوقوف القيادات العليا معهم في ترتيب الصفوف مستبعداً وجود خطة للصراع مع المؤتمر الوطني باعتبار أن أغلبية الشخصيات التي تقف على ترتيبات إحياء الحركة الإسلامية لديها عضوية داخل المؤتمر الوطني، واستبعد في ذات الوقت الاتصال بقيادات في المؤتمر الشعبي للمشاركة في تنفيذ الخطة المذكورة أعلاه، لكنه لم يستبعد دعوة شخصيات إسلامية ابتعدت عن العمل السياسي عقب المفاصلة أو حتى بعد وصول الحركة الإسلامية للحكم.
الإطار الفكري
فيما يقول القيادي السابق بالحركة الإسلامية والمحلل السياسي البروفسير الطيب زين العادبدين إن الحركة الإسلامية موجودة وغير موجودة في ذات الوقت بمعنى أن الحركة المتواجدة الآن هي حركة تابعة للمؤتمر الوطني وليس لها وجود مؤسسي وليست مسجلة لدى مسجل التنظيمات السياسية وليس لديها أنشطة سياسية وهي فقط تعمل الإطار الفكري والاجتماعي وتقدم الدعم السياسي للمؤتمر الوطني واعتبر زين العابدين في حديثه لـ (الإنتباهة) أن محدودية عمل الحركة الإسلامية يرجع إلى أنها ممنوعة من الحركة بشكل أو بآخر وأن هذا الأمر تم بقصد منذ حل الحركة بعد وصولها للسلطة، نافياً أن يكون هنالك صراع بين الحركة والمؤتمر الوطني، معتبراً أن الاحتكاك الذي خرج للسطح في هذه الفترة يرجع إلى أن قواعد الحركة الإسلامية التي بدأت تشعر بأن الدولة والمؤتمر الوطني فشلا في إدارة البلاد لذلك تطالب بالتحرك والعمل والمشاركة في الحكومة وهذا قد يخيف المؤتمر الوطني، مشيراً إلى أن عضوية الحركة إذا تنظمت وثارت سيستمع إليها في المرحلة القادمة وهذا أكبر دليل وبرهان على فشلهم في إدارة حكم الدولة قياساً بتجارب الإسلاميين أيضاً في كل العالم وثورة الربيع العربي وفشله في البقاء.
طي الصفحة
بالرغم من الترويج الواسع لمقولة فشل الإسلاميين في الحكم إلا أن مشكلة هذه الأطروحة أنها ضعيفة المصداقية من عدة وجوه تجربة الإسلاميين في الحكم لم تكتمل بعد، لأن من يرددها وهم خصوم الإسلاميين وهي تأتي في إطار الصراع السياسي القائم بينهم وبين القوى الأخرى المناوئة لهم في فضاء المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانتفاضات الثورية للربيع العربي لدى الدول العربية بل يُلاحظ أن اللهجة التي تتردد فيها الأطروحة توحي بأن المراد منها الإعلان أن مشروع الإسلاميين قد فشل تمهيداً لطي صفحتهم بالكامل وإزاحتهم من المشهد السياسي.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *