ذكرى الإمبراطور وردي..يانور العين انت وينك وين!!

في الثامن عشر من شهر فبراير، قبل أربع سنوات، وفي أمسية شتويّة كئيبة وماسخة انتهت حكاية محمد وردي الإنسان ورحل عن (دنيانا) بغير رجعة، لكن ظلت قصته حاضرة فينا، إنها قصة رجل بقامة وطن، رجل محنك عميق الدروس مجيد المهابة مديد القوام، وهكذا ظلت قصته باقية للتاريخ وحكايته راسخة لكل الأجيال القادمة، لقد كانت البداية حينما جاء هذا العملاق من قرية صواردة ليخترق كل أفريقيا ويملأها فنا عذبا وعبقرية ليس لها من مثيل، جاء إلينا هدية من السماء وظل لأكثر من خمسين عاما يخرج إلينا في كل الدروب ومن صحية جروف النيل مع الغيمة الصباحية ومن وسط اللمة، كان هو معشوقنا الأول طوال هذه العقود، لذلك ظللنا لسنوات نجلس أمام صورة هذا الشامخ نحتفي بها ونغني له مثل ما غنى لنا يا نسمة في عز الصيف هبت، ياروح الروح يا آمالها.

كاريزما متفردة
ظل الموسيقار الكبير محمد وردي فنانا له شخصية وكاريزما فريدة من نوعها، فنان متفرد له عزيمة لا تعرف الانهزام، وله إصرار بدون حدود وطموح جامح وكبرياء الرجال فيه كان حاضرا طوال مسيرته الحافلة، فهو من علمنا كيف نمشي بين الشعوب مرفوعي الرأس شامخين كشموخه، علمنا كيف نحول الانكسارات إلى انتصارات عظيمة وعلمنا أيضا كيف نتخطى الحواجز، ونتحرر من القيود، ونتطلع إلى الحرية، تعلمنا منه في أزمان مضت أن نبني مكان السجن مستشفى، ومكان المنفى كلية، هو من علمنا الطريقة المثلى لحب هذا الوطن، وكيف نعشق ترابه، علمنا متى نجلس له ونتهذب أمامه، ومتى نستنهض الهمم للذود عنه ضد الظالمين والمتسلطين. وردي هو فنان الثورات الأول، خرج في مقدمة هذا الشعب في أكتوبر حاملا تطلعات هذه الأمة وآمالها العراض، فكان أن حمل راية أكتوبر إلى أن صارت وعدا أخضر وأمسك بالراية ولم تسقط، وهو يزرع كل دروب الثورة وعدا وقمحا وتمني، وردي الذي كان لا يعرف المستحيل وبين جدران السجون والمعتقلات كان يحمل هموم الوطن وهموم الفن والإبداع، وفي الزنزانة التي وضعوه فيها لقهره، ولدت أغنيات عظيمة لتكون هذه الأغنيات أقوى رسالة مفادها أن هذا الفنان ما من قوة في الأرض ستثنيه عن الإبداع والنضال ما دام قلبه لا زال ينبض، وفي أبريل حطم وردي جدران كل السجون، وهو يغني لهذا الشعب (ماك هوين سهل قيادك) هذا هو فنان أفريقيا الأول الذي علمنا أشياء لا تحصى ولا تعد، ومن ضمن هذه الأشياء أيضا علمنا أن المقدر ما بنجيب ليه بديل، وهذا هو قدرنا أن يرتحل عن سمائنا هذا الطائر العملاق، وهذا النجم الساطع، وبعد رحيله ضاع الكلام وماتت حروف اللقيا وهام ذاك النهر العظيم، لكن عزاءنا الوحيد هو ذلك الفن الضخم والألحان الشجية والقيم الرفيعة التي تركها وردي تتحدث عن سيرته لكل الأجيال القادمة.

نحتاج مبادرةً
أربع سنوات مضت على رحيل أمير الحسن وليس هناك تأبين واحد يليق بقامة هذا العملاق، كلها محاولات رغم تقديرنا لها لكنها تظل باهتة أمام ما قدمه وردي، وردي يستحق تكريما مختلفا يستحق أفكارا جديدة على شاكلة تمثال ضخم للراحل في قلب الخرطوم وغيرها من أفكار خلاقة تخلد ذكراه، لا أعلم حتى الآن لماذا ظل تأبينه عصيًا على كل المؤسسات وذكراه تمر بما لا يليق به، ننتظر مثلا أن تتبنى مجموعة دال مبادرة لتأبين هذا العملاق وتكريم أسرته وتقديم أمسية ضخمة، تعبر عن قيمة هذا المبدع الحقيقية، نتمناها أمسيّة كتلك الأمسيات التي تبنتها المجموعة حينما عاد وردي إلى أرض الوطن، وهي قادرة على صناعة الفارق وتقديم كل ما هو جميل.

مدثر عمر قرجاج
صحيفة اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *