الخرطوم وواشنطن .. كل ما لم يتساو فقد تخالف

الخرطوم وواشنطن .. كل ما لم يتساو فقد تخالف

كل ما لم يتساو فقد تخالف، حتى في العلاقات الدولية والثنائية بين بلدين ما، وترك ذلك الإخفاق في التساوي مسألة بحثية مهمة لتبيان فرضية ذلك الخلاف، هل هو يمتطي جانب العقيدة ليكون بمثابة الحصان الذي يحمل طوابع تلك العلاقة، أم ذاك التساوي تقوقع خلف الآلية الاقتصادية والعسكرية. ومهما كانت درجات اختلاف التساوي هذا بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية فإنها تقترض من بنك العلاقات قروضاً معسرة السداد لجهة تطوير العلاقات بين البلدين. وما يقال عن التطور الإيجابي في العلاقات يحمل جانبين مهمين أولهما هل ذاك التطور يحسب ذراً للرماد في العيون لتغطية الموقف المتشابك والقطعية المخفية بمساحيق التجميل الدبلوماسي، أم أن الجانب الثاني الذي تطل منه تلك النظريات حول التطور الإيجابي في العلاقات هي حقيقة تكتسب بداية «تليين» في مواقف الخرطوم من جهة، وواشنطن من جهة أخرى؟
أخيراً، انقشعت غيمة الأحلام، وارتفعت أشرعة الرحيل نحو موانئ طبيعة العلاقة الآن بين الخرطوم وواشنطن. فالقائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم السفير جيري لانيري، الأقرب لرجال الطرق الصوفية والإدارات الأهلية ورجال الأعمال، وسم ثلاثة شروط على جدران التوصل لتفاهم مع الخرطوم، ونطق آخراً وليس أولاً بتلك الشروط الثلاثة التي شملت إنهاء الحروب ووصول المساعدات الإنسانية وإحلال السلام، كسقف للوصول لتفاهمات مع الحكومة بعد «20» عاماً. وأنهى لانيري بذاك الحديث الذي أطلقه في احتفائية وداعية له بمناسبة انتهاء فترة عمله بمزرعة خاصة لرجل الأعمال عصام الدين الشيخ قبل يومين، أنهى ملامح وبوادر نحو تطبيع العلاقات مع السودان برصفه لتلك الشروط الجديدة.
ثلاثية واضحة
ووضعت الإدارة الأمريكية ثلاثة شروط للوصول لتفاهم مع الحكومة، تشمل إنهاء الحروب ووصول المساعدات الإنسانية وإحلال السلام للتوصل لتفاهم بعد «20» عاماً مع الحكومة. ورأى القائم بالأعمال الأمريكي في كلمة له في الاحتفال، أن تحسن العلاقات مع السودان يحتاج للثقة والمسامحة والفهم. وقال إن مبادرات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، قادت تقدماً في سياسات الولايات المتحدة نحو السودان، وقادت أيضاً إلى طريقة جديدة في العلاقات بين البلدين. ونبه لانيري إلى أن «مع حلول السلام ووصول المساعدات الإنسانية وإنهاء الحروب سنصل لتفاهم بعد «20» عاماً مع الحكومة»، بينما أعرب عن أمله في تغيير حقيقي في العلاقات خلال العام الجاري. وأضاف «أتمنى تطور وتحسن العلاقات وسيتم ذلك».
الرهن العقاري
بالمقابل، وصلت الرسالة للخرطوم بالفعل، ليصف وزير الخارجية المناوب كمال الدين إسماعيل للصحافيين أمس، الشروط الأمريكية لتطبيع العلاقات والوصول لتفاهمات بـ«الأقرب للرهن العقاري». ففيما تمسك بقطعية عدم قبول الشروط والمسبقات، جزم بأن مبدأ الحوار مع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى يخضع لمصالح البلاد، ومن ثم التحاور. وأكد وزير الخارجية المناوب بأن الحكومة «ما قبلت شرطاً سابقاً وستظل لا تقبل الشروط إلا التي تراعي مصالحها». وقال إن مسألة حاجة العلاقات للثقة كما ذكر القائم بالأعمال الأمريكي جيري لانيري، «تحصيل حاصل». ونوه إلى أن الحكومة تتعامل وقف القنوات الرسمية، وإن رأت جهات أن تتعامل وفق الجهات المجتمعية، فإن هذا الأمر يجب أن يمر بالخارجية للنظر والإفادة فيه. وأضاف «مسألة تعامل الولايات المتحدة مع الطرق الصوفية والجهات المجتمعية الأخرى هذا أمر آخر».
وذهب إسماعيل إلى اتجاه آخر لحديث القائم بالأعمال، وأضاف «إن محاولة أي سفير لتسجيل مواقف أو إحراز بطولات تعتبر درجة أدائه أدنى من الوسط». وتابع قائلاً «من ينتهج هكذا سلوك فهو صاحب ذكاء متواضع». ومضى للقول «أي سفير يفهم غير ذلك يجب أن يراجع كفاءته». ونبه إسماعيل إلى ان أي سفير يتحدى الحكومة هو سفير ساذج لأن مهمته تحسين العلاقات.
العدوان المباشر
ويقول مدير إدارة التعاون بالخارجية السفير سراج الدين حامد «نحن الآن نجتهد لتطبيع العلاقات مع أمريكا، وتطبيع العلاقات يعنى ان العلاقات الآن في مستوى غير طبيعي، والأمر غير الطبيعي في العلاقات السودانية الأمريكية هو هذه العقوبات التي وصلت مرحلة العدوان المباشر. وطبعاً ليس هنالك تعريف معين للعدوان، هل هو الفعل الحربي المباشر  باستخدام الصواريخ والحرب، وهذا ما حدث فعلياً في ضرب مصنع الشفاء للأدوية، وأكثر من ذلك إلى درجة أن واشنطون حالياً وصلت في العدوان مرحلة حرمان السودان من خدمات النظام المصرفي، لتصل العقوبات للدرجة التي تمنعنا من الحصول حتى على عائدات صادراتنا، والأمر هنا قد تحول تلقائياً إلى ما يعرف بالحرب الباردة، وإلى هنا فإن الحديث لا يستقيم وأي شكل من أشكال التعاون مع أمريكا، لأننا ما زلنا في مرحلة معالجة المشكلة. ويذكر في حوار مع «الإنتباهة» «هنالك توجيهات صدرت من مجلس الوزراء في إطار برنامج لإصلاح الدولة يدعو إلى استمرار الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية لتطبيع العلاقات معها، ومن ضمن برامج التطبيع العمل على رفع العقوبات الجائرة».
مخرجات التوافق
في نهاية المطاف، وتلك الشروط والرهونات، وجانب قبلوها أو رفضها، هي بالتأكيد مخرجات جديدة وواضحة لجهة الولوج لباب المخرجات التوافقية التي رسمها كل طرف للآخر، وخلال هذا العام ربما تتحرك درجة دوران العلاقة من مكانها إلى التقدم أو الانحدار والتراجع لما هي عليه الآن.

 

هيثم عثمان

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *