حكاية «روزا» من اليابان حتى مثواها الأخير بالإسكان

والعربة مثل الإنسان
> تمر بمراحل الصبا والشباب، كما تمر بمراحل الكبر والشيخوخة والغياب
> حافلة «روزا» ولدت باليابان، جنسيتها
(Made in Japan) وتاريخ ميلادها حسبما ما هو مشاع بين العالمين بأسرار التسويق «العداد في الصفر».
> يحسب لها عمرها أنها ما مشت «تاتي» ولا حبت في الزلط ولا البلاط.. والسبب لأنها صنعت لبلدان أخرى، فكان حظها أن تتعلم المشي في بداية عمرها بالدول الغنية «المشرشحة» بالخليج أو السعودية، هناك حيث لا تمكث في الخدمة سوى عام.. تظل بعدها بلغتنا «استعمال بره» أو جديدة أورنيك. أو كرت.
> وإذا ما أراد لها الحظ أن تأتي إلى بلادنا الحبيبة فإنها بالتأكيد سينطبق عليها ما يحدث للظباء والغزلان التي تزور عرين الأسد.. طريق لاتجاه واحد لا خروج بعده مهما كان.
> أما دخولها لبلدان أخرى من منشأ صناعتها، فذلك يشبه حال فريقنا القومي الذي يسافر ليعسكر ويتدرب بالخارج ثم يعود للبلاد في رحلة الهزائم والتعادلات.
> ومندوب شركتها التي صنعتها قبل أكثر من عشر سنوات إذا جاء ليتعرف عليها في موقف صابرين، أكيد سيصاب بوجع في المصارين.
> وربما يكون الخواجه منتشياً ومبسوطاً لأنه سيجد أن «روزته» أصبحت صديقة الغلابى والمساكين.
> و «الروزا» حينما تصل ميناء بورتسودان بعد أن تكون أكملت رحلة كرحلات فريقنا القومي يبدأ بعد ذلك التطلع إليها من قبل المستثمرين والسماسرة والمقتدرين.
> تأتي «الروزا» ورأسها في العلالي.. ويا دنيا ما فيك إلا أنا، ذلك في البدء وسعرها غالٍ، ولا تعمل إلا في السفريات بين الولايات أو الخدمات الخصوصية لأولاد الذوات والشركات، فيستخرج لها «كرت امتياز»، لم لا فهي الجميلة والمستحيلة الساحرة البديعة، الفرفارة السريعة، وقد اختاروا لها أقيف وأحرف سواق، وكتب على مقدمتها وظهرها أحلى العبارات مثل «زينة وعاجباني».
> ثم يحلونها بالزينة والكشب وغيارات الزيوت والعفريتة برنامج مرتب، وما أبهى واجهتها وما أفخم الفرش والكراسي والكنب.. أما المسجل والساعة والاستريو والتلفزيون و..و.. و… تدي ربك العجب.
> وكما أسلفنا فإن العربة مثل الإنسان.
> وبعد أن كانوا يغنون لها وللسائق «سواقنا زينة وحالف ما يدلينا».. تتحول «الروزا» الحنينة بعد ذلك إلى مرحلة أخرى.. مسكينة.
> تصاب بعد ذلك بأمراض في البلالي والركب ووجع رأس في المكنة، والجربكس يكون انتهى تب.. أما المقاعد والفرش فهي أقرب للبرش.
> وتتدحرج «الروزا» بعد ذلك للمستوى قبل الأخير.. فهي مثل لاعب الكرة الخطير.. في بداية شهرته يكون محط إعجاب الجماهير، فهو يلعب على الحبلين بين الهلال والمريخ.. حتى ما إذا أصيب في المفاصل والركب أو قل أداؤه وأصيب في العصب.. أصبح بعد ذلك من مدمني كنبة الاحتياطي.. وتدحرج إلى الأندية الأقل قبل أن يغادر عالم المجنونة.
> تأتي «الروزا» أخيراً للمواقف الطرفية.. وفي موقف صابرين مثلاً تبحث عن أخت لها مخفية، كان لها مجد سابق وهي تجري في شبابها في الإمارات أو السعودية.. وهي في رحلتها من صابرين للحارات الطرفية في الإسكان تنسى الروزا الشقية أنها كانت ذات يوم في اليابان، فحالها يمر من دقداق لدقداق، أما دخان العادم فإنه يعانق الغبار عند كل زقاق، وهي من غبارها الكثيف لا تنفعها والحال هكذا العفريتة والتنظيف.
> إن أهم ما ينبغي أن تقوم به في هذه المرحلة هو أن توصل الركاب.. فهم يشاطرونها التهميش والعذاب.. والفرق بينهم وبينها أنهم سودانيون بالميلاد من زمان، وهي يابانية كتبت لها الأقدار أن تهاجر لمثواها الأخير في الإسكان وتشاطرهم الأحزان.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *