حكاية سوق «معتقل» بالصالحة

حكاية سوق «معتقل» بالصالحة

منذ أكثر من أربع سنوات ومواطني الريف الجنوبي بأم درمان ينتظرون ذلك الحلم والآمال الكبيرة والمستقبل الموعود بإطلاق سراح أحد أهم مواعين وأذرع التنمية والخدمات بمنطقة الريف الجنوبي والمتمثلة في «سوق هجيليجة» والذي بات الآن كالأساطير والخرافات القديمة بالريف الجنوبي لمحلية أم درمان رغم أنه مشروع خدمي إنساني تنموي قوامه أكثر من 1300 مواطن من التجار الصغار الذي تقف خلفه المئات من الاسر الفقيرة الباحثة عن معاشات آمنة وكريمة ورزق حلال.

ويعتبر سوق هجيليجة فكرة قديمة منذ العام 1992 ليخدم مطلوبات وأهدافاً نبيلة غايتها ومنطلقاتها إرساء ركائز الحكم الفيدرالي الذي لم تكن فكرته إلا طي المسافات وإنزال السلطات التي أرهقت المواطنين كثيرا في سبيل بحثهم عنها، فكان العشم ان تسارع الجهات الرسمية لاستكمال هذا الحق خدمة للمواطنين وتطبيقاً للخيار الفيدرالي. لكن يبدو ان أصحاب سوق هجيليجة وبكل أطيافهم الاجتماعية والفئوية ومستوياتهم الاقتصادية مازالوا في محطة الانتظار لمشروع تجاري ومعاشي قوامه أكثر من 45 ملياراً من الجنيهات هي حجة تكلفة التأسيس، من غير الصرف الذي قدمه أصحاب الدكاكين لبناء قسم خاص لشرطة السوق وتحمل نفقات ونثريات ومعاش التيم المرابط لحفظ الأمن بالسوق، بل سعى هؤلاء المنتظرون للصرف على خدمات الكهرباء وتوفير «العدادات»، كل ذلك تحملوه على حساب فقرهم وعطالتهم دون ان تكافئهم اية جهة رسمية بهذا الوفاء.
أربع سنوات من عمر الفكرة انقضت قبل ان تصبح واقعاً، فكم من اللجان وفرق المراجعة التي تم تشكيلها؟ وكم من القرارات والتوجيهات التي صدرت بحق هذا السوق؟ ثم كم من المراجعات والمتابعات التي أجريت، ولكن ظلت القضية هكذا في مربعها الأول وبقيت الأزمة يلازمها الفشل والعجز والهوان دون أن تتكرم الجهات المعنية بقرار يحسم سنوات العذاب الذي تطاولت والعناء والانتظار القاتل، تلك هي فصول وقصص وحكاوي مؤلمة حول حقيقة «سوق هجيليجة». ابتدأت من لدن المعتمد الأسبق لمحلية أم درمان الفريق أحمد إمام التهامي، ولم تنته مع المعتمد الحالي مجدي عبد العزيز، وهو الذي ربما يستأثر تماماً بالكرة في ملعبه الخاص. حاولت «الإنتباهة» وعبر هذه الوجبة الصحفية «الثانية» تجميع كل خيوط الحكاية من كل الجهات ذات الاختصاص، وتقديمها للقارئ في قالب مهني، وهي لا تبتغي من ذلك سوى تفكيك تعقيدات هذه القضية حتى يعود الحق لكل صاحب حق، فكانت مبادرة الصحيفة أن زارت قبل يومين موقع السوق بمنطقة هجيليجة بالصالحة، والتقت بعدد من أصحاب هذه «الدكاكين» الموقوفة من نشاطها التجاري بأمر المحلية. فقد تبدت على ملامح هؤلاء سمات من اليأس والإحباط والبؤس، لم يبدده شيء سوى قرار بسيط لا يحتاج إلى كثير عناء يصدره السيد معتمد ام درمان يعلن عبره إطلاق سراح السوق وتدشينه بشكل رسمي. حينها ستنحر الذبائح ومن ثم تعود الحياة ليس لأهالي الصالحة فقط، وإنما لكل مواطني الريف الجنوبي لام درمان .«الإنتباهة» حرصت وفي هذه الوجبة تجميع ما تبقى من أطراف القضية.
حقائق مؤلمة
ويواصل الأخ عبد الباقي رئيس لجنة السوق، سرد كل افاداته لـ«الإنتباهة» وكشف الحقائق غير المنظورة للكثيرين خاصة فيما يختص بموقف المحلية التي تتحجج بأن ناس الأراضي لم يصدقوا لهم السوق، وهي في ذات الوقت استلمت مبالغ كبيرة من هؤلاء المواطنين وتم توريد هذه المبالغ الى خزينة المحلية وبإيصالات رسمية.
ونحن نعتقد ان الضرر الذي لحق بهؤلاء المنتظرين كبير جداً لا يمكن قياسه بالمال فقط فهناك ضرر نفسي بالغ سببه ضياع المال والإحباط والعطالة لأكثر من «1243» من المواطنين الذين ينتظرون افتتاح السوق ومن الإحباطات التي نشعر بها الآن ان قسم بسط الامن الشامل تم تشييده باكثر من 50 مليوناً من إسهامات اصحاب السوق دون ان يساعدهم فيه أحد لا محلية ولا شرطة، وحتى تكاليف الإنارة التي طالبنا بها المحلية لكنها للأسف الشديد رفضت، ورغم ان المدير التنفيذي للمحلية أكد انه مسؤول من الناحية الأمنية فقط، وهذا ما لم يحدث حيث أصبح السوق مرتعاً للرذيلة والمخدرات، وتعرضت الكثير من الدكاكين لسرقة أبوابها وشبابيكها وظللنا نحن كأصحاب لهذه الدكاكين نصرخ وننادي ونلاحق المحلية لكن لا حياة لمن تنادي.
مطالب عاجلة
وأضاف رئيس اللجنة: الذي نرجوه الآن ونطالب به الجهات الرسمية، هو فتح السوق فوراً، فالمواطن لا يهمه المساحة زائدة أو ناقصة وهو الآن جاهز تماما للافتتاح ولو ان المحلية لديها أي التزامات او أي مطالب اخرى تجاه السوق، فنحن على استعداد، ولكننا لن نتحمل أي خيارات اخرى بخلاف فتح السوق.
أما الأستاذ عبد المحمود السني أحمد عضو اللجنة الشعبية بمنطقة هجيليجة، فأبدى امتعاضه وغضبه الشديد لضعف وغياب الخدمات الأساسية المقدمة للمواطن في منطقة الريف الجنوبي عموماً وبالأخص هجيليجة. وهذه المساحة التي يوجد فيها السوق الآن تم استقطاعها من المواطن لتخصص للخدمات ومن ضمنها السوق، لكن للأسف الشديد أصبح هذا السوق اكبر مهدد امني للمنطقة قبل بناء بسط الأمن الشامل الذي تكفل به أصحاب السوق حفظاً للأمن، وتمت فيه عدة ليالي للرباط.
ومضى الأستاذ السني في سرد تفاصيل حكايتهم مع سوق هجيليجة لـ«الإنتباهة» ويقول إنهم في اشد الحاجة لهذا السوق. فالمواطن هنا بالريف الجنوبي اذا أراد شراء أبسط الاشياء «شبشب مثلاً» فلابد له ان يقطع كل هذه الفيافي والمسافات حتى يصل سوق ام درمان لشراء حاجته من هناك، بل نحن الآن نعاني بشكل حاد من ارتفاع الأسعار وبالاخص في اللحوم والخضروات نتيجة لعدم وجود سوق خاص.
وحتى السوق الموجود الآن في الناحية الغربية اصبح ايضاً من اكبر المهددات الأمنية للأحياء السكنية، فهو مبني من الرواكيب وبشكل تقليدي وعشوائي داخل حرم «الصهريج» مما ادى الى تردي صحة البيئة فيه وبالتالي اصبح مبعثاً للأمراض والأوساخ، ولذلك لا خيار للمنطقة غير سوق هجيليجة، وحتى مدير الوحدة الإدارية بالصالحة الأخ فيصل سليمان، ظل يتردد علينا كثيراً ويبلغنا في كل مرة ان سوق هجيليجة قائم ويصدر توجيهاته باستكمال البناء ثم يأتي حيناً ويقول أوقفوا البناء، ويكتب هذا التوجيه في تقارير ودفاتر الأحوال اليومية، في حين ان مدير الاستثمار يؤكد ان السوق قائم وان افتتاحه مسألة زمن فقط.
فقر في الخدمات الأساسية
ويعتقد الاخ السني أنهم يملكون الحلول اللازمة والميسورة فقط نطالب السيد المعتمد للجلوس معنا ونحن علي استعداد لتحمل أعباء تشييد المدارس وسنعالج مشكلة السوق ونوفر الخدمات للمنطقة، ولكن للاسف المعتمد الحالي لم يقدم لنا أية خدمات ولا حتى الأساسية، فلا يعقل ان يكون هناك فصل دراسي فيه «140» طالباً ولدينا مركز صحي واحد تكفلت بتشييده إحدي المنظمات وشبكة المياه خربة وليس لدينا كهرباء، أما النفايات فهي تسد الطرق والأزقة ولا أحد يهتم بمعالجتها، ولذلك لا خيار لنا في سبيل البحث عن خدمات إلا بافتتاح هذا السوق والذي يمكن ان يكون مورداً مهماً وكبيراً لتوفير المال والخدمات وتحسين الحالة المعيشية للمواطنين. أما الهدف الاستراتيجي لهذا السوق هو دوره وفعاليته في معالجة الفقر، وهذا خلاف العائدات المالية الكبيرة التي ستعود على الدولة من رسوم وعوائد ورخص وتصديقات، فيمكن للحكومة ان تجني منه المليارات كل سنة لكن يبدو ان المحلية لا تريد سوقاً منظماً.
ويقول الأخ عبد الباقي إن رسالتنا التي يجب ان يسمعها من بيده السلطة والقرار، ونطلب من الجهات الرسمية والأمنية ان ينظروا بعين الرأفة لان من بين أصحاب هذا السوق، اليتيم والمسكين والفقير. فهذه مليارات من الجنيهات والحقوق لمواطنين مجمدة الآن في شكل اسمنت وطوب بلك، وهذا فيه هدر لاقتصاد السودان، ولذلك نطالب باستعجال حل المشكلة بأسرع ما يمكن، وما نرجوه ان يتم الإبقاء على السوق بوضعه الحالي كمؤقت.
غياب برلماني
يبدو ان هذه الاشكالية التي عانى منها أصحاب السوق على مدى اربع سنوات، لم تفقدهم الأمل في السلطة فقط، ولكنها افقدتهم ايضاً الأمل والعشم في نوابهم وممثليهم في البرلمان الولائي والقومي.فكان ان حضر إليهم نائب الدائرة حسن عبد الوهاب وبشرهم بان هذه المشكلة تمت معالجتها تماماً وانه قريباً سيتم افتتاح السوق. ولكننا منذ ذلك اليوم وحتى الآن لم نشاهد حسن عبد الوهاب ولم يحضر الينا ولم تأتينا الحلول المنتظرة، فتوقف السوق وضاعت معه أكثر من 45 مليار جنيه هي تكلفة السوق خلال الأربع سنوات وتوقف ايضاً وتلاشت المظلات الصغيرة التي تكفل بتصميمها بعض الأفراد من اصحاب السوق لإعانة بعض اليتامى والنساء الأرامل والفقيرات لممارسة بعض الأنشطة التجارية الصغيرة داخل السوق لان التوقف عن العمل لمثل هؤلاء يعني التشرد والضياع للمزيد من الأسر.
الإفقار المتعمد
ويرى الأخ عبد الواحد سعيد محمد طه رئيس اللجنة الأمنية بسوق هجيليجة، ان الحكومة منشغلة تماماً بالأراضي وأهملت الخدمات. وقال: أعتقد ان الريف الجنوبي لام درمان يعاني من سياسة الإفقار المتعمد وما زالت الحكومة تمارس الهدم والتكسير لأراضي المواطنين كما حدث في منطقة التكامل. فكان من الأجدى للحكومة ان توفق أوضاع هؤلاء بدلاً من ان تقوم بهدم منازلهم. وأنا هنا أقولها بصريح العبارة ان التكسير في العالم موجود في دولتين فقط «السودان وفلسطين»، ونحن الأن كأصحاب حق في هذه الدكاكين أمام خيارين فقط لا ثالث لهما: «إما أن تعوضونا كاملاً، وإما أن تتركونا نشتغل» فلن نقبل التهميش ولا الإفقار.
رؤية الاستثمار
وحتى تتضح الرؤية اتصلت «الصحيفة» بالأخ موسى مكي مدير ادارة الاستثمار بمحلية ام درمان، والذي أكد ان ملف سوق هجيليجة تم حسمه من جانب المحلية وتم رفعه الى وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم في انتظار إعلان تدشينه. مشيراً الى أن السوق تمت المصادقة عليه، وإضافة مساحة اخرى للسوق وتبقت فقط بعض الإجراءات الفنية والهندسية. وأبلغ الصحيفة أنهم توصلوا الى حلول ومعالجات في اجتماع مشترك مع التخطيط العمراني عقد مؤخراً. وأوضح مدير الاستثمار ان هذا السوق يشكل اولوية وأهمية كبرى للمحلية، خصوصاً ان منطقة الريف الجنوبي عموماً في أشد الحاجة لخدمات هذا السوق، وان الكثافة السكانية كبيرة وتتسارع فيها مستويات النمو بشكل لافت تستدعي التعجيل بهذا السوق. وذهب الأستاذ محمد خير المدير السابق لادارة الاستثمار بمحلية ام درمان في ذات الاتجاه حيث اكد على اهمية السوق وجدواه وتأثيره على التنمية وعلى خدمات المواطنين. مبيناً ان السوق مشكلته بسيطة جداً خاصة ان كل مقوماته متوفرة ونحن كنا بصدد معالجتها حيث وضعنا عدة معالجات ومقترحات، لكن دائماً ما تتجدد الدماء. وقال محمد خير ان حملات التكسير التي طالت العديد من الأسواق بالمحلية تصب في صالح سوق هجيليجة.
وفي منحى آخر حاولت «الإنتباهة» الاتصال بمدير الوحدة الإدارية بالصالحة فيصل سليمان، لمعرفة إفاداته ومرافعاته بشأن قضية هذا السوق، خصوصاً ان البعض يحمل الوحدة الإدارية مسؤولية هذا السوق، والمخالفات التي جرت فيه، وكانت هناك عدة مواعيد مسبقة مع مدير الوحدة إلا أن الرجل يبدو أنه منشغل بالعديد من الملفات الأخرى، وما زلنا في انتظار مرافعته.
من المحرر
«تلك هي بعض المرافعات، لكنها لم تكتمل بعد.. وما زالت الحلول والمعالجات غائبة عن واقع القضية، وربما ينفجر الوضع في اية لحظة وربما ايضاً تهدأ الأنفاس وتضع الحرب أوزارها وترفع الراية البيضاء على سارية سوق هجيليجة، وربما نعود مرة أخرى وتتصل الحلقات».

 

صحيفة الإنتباهة

تقرير: هاشم عبد الفتاح-

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *