نبض المجالس .. سؤال الساعة عن أسامة داؤود

نبض المجالس .. سؤال الساعة عن أسامة داؤود

تناقلت مجالس المدينة همساً وجهراً أن رجل الاعمال الشهير اسامة داوؤد عبد اللطيف وصاحب الاستثمارات الكبرى والاستراتيجية في السلع والمنتجات الاستهلاكية في بلادنا، يحزم الآن حقائبه للرحيل «القسري» والخروج تماماً في الفضاء الاقتصادي في السودان تحت وطأة الضغوط وسحب كل التفويضات التي منحت له سابقاً، وربما يجهد نفسه الآن وبخطى متسارعة لوقف مشروعاته الاستثمارية بالسودان ونقلها في ذات الوقت الى الجارة إثيوبيا، وهي الدولة التي تنطلق الآن بخطى واثقة ورؤية ثاقبة في بناء نهضتها الاقتصادية والتنموية والخدمية، تحكمها في ذلك سياسة راشدة ومنهج استثماري جاذب لرؤوس الاموال الاجنبية بكل مستوياتها وبلا ادنى اشتراطات او تقاطعات سياسية او فكرية او حتى اثنية، ولهذا أفلحت الحكومة الإثيوبية وفي مدى زمني وجيز في أن ترسم ملامح نهضة قادمة عبر قانون استثماري راشد ومرن وجاذب هكذا وصفه خبراء الاقتصاد. ولكن تظل خطوة اسامة داؤود بنقل استثماراته الى اثيوبيا فيها كثير من الرسائل والحقائق التي يجب على الحكومة السودانية مواجهتها بكل صدق وشفافية، وعليها كذلك تفكيك مكونات هذا التساؤل الخطير والمثير.. لماذا يرحل اسامة داؤود من الخرطوم ليرسو في اديس ابابا؟ بالتأكيد أن الاجابة على هذا السؤال يجب ان تتكئ على حقائق وخلفيات ان اسامة داؤود ظل والى وقت قريب الابن المدلل للحكومة ونجمها الساطع في المسرح الاقتصادي، وملاذها عند الملمات والأزمات الاقتصادية، وهي كذلك التي منحته تفويضات مالية واقتصادية وتجارية بلا سقوفات، فتناسلت وتمددت امبراطوريته الاقتصادية والاستثمارية، وليس من المنطق تبرير خروج أسامة في سياق التحولات التي طرأت في المعادلات التجارية والاقتصادية والجمركية، كما لا يمكن تبرير ذلك بانفلاتات الدولار وتبختره في السوق المحلي. ويبدو أن خلف الأستار حقائق غير منظورة.. فهل تستدرك الحكومة قبل أن يهرب الآخرون بكل قدراتهم وامكانياتهم الاقتصادية.
نزيف المهاجر
ان كان للآلية «الموحدة» التي اقرتها الحكومة بالأمس عبر مبادرة من مجلس الوزراء للتعامل مع قضية هجرة الاطباء السودانيين دور فاعل او مسؤولية مباشرة لخدمة هؤلاء السودانيين المهاجرين، هو أن تحرص هذه الآلية على ان يكون التوظيف بحسب التخصصات وبالشروط التي تحترم فيها القدرات والكفاءات السودانية المهاجرة، وقد لا يتحقق ذلك من دون اقرار «ملحقية عمالية» خاصة بالسفارات السودانية بكافة المهاجر، خصوصاً تلك البلدان التي يشد السودانيون اليها الرحال بكثافة لافتة، وهو مطلب ظلت العقول السودانية المهاجرة تنشده وتطالب به مراراً وتكراراً، وتضمنته كل توصيات وقرارات وموجهات مؤتمراتها الموسمية والمكرورة، فالواقع يؤكد ان الكفاءات الطبية السودانية بالخارج تعاني كثيراً وتنتهك حقوقها ومكاسبها في ظل استرخاء الحكومة وسفاراتها بالخارج، هوان يضيع معه حصاد السنين الطوال بالمهاجر، لأن الذين توكل اليهم مهمة صون ورعاية هذه الحقوق منشغلون بمتاع المناصب وسباقات السياسة وخلافات الجاليات. صحيح ان الحكومة بادرت بهذه الخطوة لتصحيح هذا الواقع ومعالجة مثالبه، وهي خطوة تأخرت كثيراً ولم تصل الحكومة بعد الى رؤية كلية محددة المعالم والاهداف والمسارات، وحتى يتحقق ذلك من الأجدى للحكومة ان تعيد اولاً النظر في شروط خدمة الاطباء بالمؤسسات والمرافق الصحية والطبية بالداخل، فالأطباء ظلوا في حالة شكوى واحتجاجات مستمرة لاعتقادهم أن هناك قدراً من الاجحاف وقع عليهم واصاب حقوقهم في مقتل، فما يتعاطاه الطبيب السوداني هنا في السودان لا يكافئ ما يقدمه من خدمة طبية، ولهذا تعاني بلادنا نزيفاً حاداً في مؤسساتنا الصحية وبالأخص وزارة الصحة، بسبب هذه الهجرة التي لا خيار سواها، ويستمر النزيف ايضاً في مؤسسات التعليم العالي لأن الثورة التعليمية التي رفعت الإنقاذ شعاراتها باكراً وحسبتها فخراً واعجازاً وانجازاً تبددت كل مخرجاتها وثمارها في المهاجر البعيدة والقريبة، فيما بقيت قطاعات كبيرة من الذين دفعت بهم الجامعات السودانية الى خارج اسوارها بعد انقضاء سنوات التحصيل داخل القاعات، باتوا هائمين على وجوههم يمتهنون «الهامش»، وقطاع آخر من الذين انتجتهم الجامعات تلقفتهم المهاجر وهم عقول متخصصة ومقتدرة واجهت مصيراً قاسياً، فتناثرت وتبعثرت وكابدت ثم هامت على بوابات الموانئ والمطارات والصحارى تبحث عن واقع آخر، وتلك هي المسؤولية الكبيرة التي يجب ان تتحملها الآلية «الموحدة». فالقضية إذن ليست في تنظيم الهجرة لهؤلاء الاطباء بقدر ما انها محاولة يجب ان تمضي بكل قوة في اتجاه تصحيح مسارات الواقع وتبديل السياسات واعمال مبدأ الفكر والمنهج المشترك، والتخطيط السليم من اجل توظيف اجدى وانفع لهذه العقول وللدولة السودانية، ولكن اي منهج يتجاوز هذه المفاهيم ستكون نتجيته المزيد من النزيف والضياع ليس للعقول الطبية، وانما لكل الكوادر الذين يحملون مؤهلات وتوصيفات وتخصصات رفيعة.
استفتاء الحسن الميرغني
كنت أتساءل: كيف للسيد الحسن الميرغني المساعد الرئاسي ونجل مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، وهو يحاول ان يتبين او يستفتئ القاعدة الجماهيرية لحزبه الاتحادي «الاصل» لمعرفة قناعتهم في قضية المشاركة في الحكومة والمحطة التي يتوقفون عندها ازاء هذه القضية؟ كان يجب على الميرغني «الصغير» ان يعيد طرح هذا السؤال الحائر على ذاته، فهو ربما الأعلم بحقيقة هذه المشاركة. قد تكون هذه الفكرة مقبولة نوعاً ما ان كانت هذه القاعدة الجماهيرية هي التي طلبت من قيادة حزبها وتحت ظروف خاصة او مراحل سابقة المشاركة في السلطة، لكن يبدو واضحاً ان الميرغني الابن سلك طريقاً يجافي قناعة الاتحاديين، فركب سفينة القصر وأبحر في غير سكة الاتحاديين، خصوصاً أولئك الذين مازالوا ممسكين بمبادئ تاريخية يعتقدون صدقها ووطنيتها، ولكن الحسن كما يبدو ترك الحزب بكامله ساخطاً يلاحق قادته باللعنات وتصرخ تياراته الشبابية تناهض منهج الشراكة، ولهذا فإن منطق الاستفتاء او الاستبيان الذي يريده الحسن هو باطل من أساسه، بمنطق أن الذين لم يشركوا في قرار القيادة الحزبية لا تحق لهم المشاركة في عملية تقييمها. وإن كان الحسن يائساً او محبطاً او بلا مهام في القصر يعتقد هو في تصريحات سابقة، فعليه ان يترجل من منصبه عاجلاً، فقد اثبتت قرائن الحال والأحوال ومعطياتها ان القصر لم يستفد من مولانا الحسن، كما ليست للاتحادي الاصل ثمار يقطفها من هذه الشراكة السياسة «المضطربة» بين الوطني والميرغني الاب، وأخطر ما في هذه الشراكة ان الحسن اوشك ان يبدد الحزب ويختزله داخل عباءته، ومارس كذلك سياسة العزل والإقصاء باسوأ صورها لقيادات تاريخية لها كسبها في مسيرة الحزب، الأمر الذي احدث واقعاً تنظيمياً جديداً داخل الحزب، فيه كثير من الاحتقانات والبؤر المتهبة والجزر المعزولة، وهو واقع لم ولن ينصلح حاله في ظل مؤتمر عام غائب.

 

صحيفة الإنتباهة

هاشم عباس

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *