أهم مسببات الحرب: الظلم الإقتصادي، والغبن الإجتماعي ، والإقصاء السياسي

لم يكن مؤتمر الحوار الوطني (المفتوح) الذي عقد بقاعة الصداقة أمس (الأحد)، بمستوى تلك الهالة والزخم الإعلامي ،الذي راج عنه ، عبر نشرة وزعت رقاعها على جميع الصحف والقنوات لنقله وتغطيته.
ومع ذلك فقد حرص الجميع على تلبية الدعوة وسارعوا بالتوجه الى قاعة الصداقة للوقوف على مخرجات عمل اللجان، بعد مضي أربعة أشهر من الحوار مع الأحزاب وبعض المنشقين من الحركات المسلحة، بهدف رأب الصدع بين الفرقاء، والعمل على وحدة السودان.  لكن القائمين على أمر (الحوار الوطني المفتوح) ، غاب عنهم تمليك وسائل الإعلام المزيد من الإيضاح ،حول حقيقة ،المؤتمر الصحفي، لعمل لجان الحوار الست، وتخصيص يوم لكل منها توضح عبره، كل لجنة  ما توصلت إليه، دون تمليك الرأي العام هذه التوصيات، لحين رفعها جميعاً، للجمعية العامة لاجازتها . لذلك كانت ضربة البداية (أمس) بلجنة السلام والوحدة ،التي بدا رئيسها الدكتور(محمد الأمين خليفة) وأعضاؤها أكثر حرصاً وتكتماً على أهم التوصيات ، التي خرجوا بها، رغم أن هناك عدداً من التساؤلات الملتهبة  المطروحة من قبل الصحفيين.
مؤتمر صحفي للجنة واحدة
في الثانية عشرة تماماً، اكتمل الحضور بإحدى القاعات الصغرى بالقاعة الرئاسية، فجلس د.”محمد الأمين خليفة” يتوسط نائبه بروفيسور “إبراهيم حجر”، ووزير الحكم المحلي “إسماعيل حسن” الذي أدار الحوار بطريقة عميقة مازجاً بين الوزارة والصحافة، فقدم الحضور وصوب جزءاً كبيراً من الأسئلة للمنصة بكل شفافية وخفة روح، حيث ابتدر حديثه متسائلاً ،عن الكيفية التي من شأنها أن تجعل لهذا الحوار قدمين يمشي بهما بين الناس، فما كان من (د.محمد الأمين) الا أن أجابه، قائلاً: ليس نجعل له قدمين فقط ،ولكن لساناً وشفتين.
بدأ رئيس لجنة السلام والوحدة حديثه مشيراً إلى أنهم خلال أكثر من (144) ساعة اجتماعات ، تطرقوا إلى قضايا جوهرية وهي القضايا الخلافية ،والمتمثلة في الأرض والديار والحواكير والإدارة الأهلية ومحكمة الجنايات الدولية، كما كشف عن مناقشتهم لـ(78) ورقة من مختلف مناديب الأحزاب السياسية والحركات المسلحة والشخصيات القومية المشاركة في الحوار، بجانب استعانة اللجنة بآراء وإفادات العلماء والمفكرين في جانب السلام، منهم (محمد محجوب هارون) و(آدم الزين) و(محمد الطيب التوم) و(نور الدين ساتي) والفريق (الطيب مختار)
اللجنة تتحرر من القبلية والجهوية :
نائب رئيس لجنة السلام والوحدة بروفيسور “إبراهيم حجر” أكد أن اللجنة في عملها أولاً تخلصت من القبلية والجهوية واتجهت نحو قضايا السلام والوحدة، وتناولت السودان كونه يرتكز على محوري السلام والوحدة، ونظرت إلى كل مهدد لهما وفرغت إلى الاتفاق على ثوابت وحدة البلاد، أهمها أن لا مركزية في الحكم والعدل والشورى ليكون الحوار هو الأوحد لحل المشاكل، ثم دلفها إلى حلول هذه المهددات وطرحها في شكل مصفوفة أثناء الحوار وهي عبارة عن مظالم في السلام والوحدة، أبرزها إزالة الحرب والمحافظة على السلام وكيفية الحفاظ على الوحدة الوطنية وممسكاتها.
وفي معرض رده على سؤال الوزير “حسن إسماعيل” حول مدى إمكانية إبراء الجروح التي خلفتها الحرب عبر توصيات اللجنة وما إذا كانت الوحدة مهددة، أجاب (د.محمد الأمين) أنهم تطرقوا بعمق لقضيتي الحرب والسلام لأن الحروب الأهلية تعد من أبشع الحروب التي يدفع فاتورتها المواطن مرتين، مرة للتدمير وأخرى للتعمير، وأضاف: إذا كانت الحرب خارجية فلا غضاضة فيها ولكن المشكلة تكمن في أن الحرب داخلية، وقال: نحن بكل شجاعة درسنا وواجهنا هذه القضية التي أرقت الناس في الشرق والغرب والشمال.
ثلاثة مسببات للحرب
أرجع رئيس لجنة السلام والوحدة، مسببات الحرب إلى ثلاثة عوامل أجملها في الظلم الاقتصادي الذي وقع على السودان وخاصة أطرافه، والغبن الاجتماعي والإقصاء السياسي، ولفت إلى أنهم بحثوا كيفية إيقاف الحرب وإزالة آثارها، كما أكد نائبه “إبراهيم حجر” أنهم عكفوا علي دراسة الأسباب وعملوا على تشخيصها، ولم يتبقَ سوى أن يقوم الصيدلاني بصرف الدواء، وأن يعمل الجراح على استئصال ما يلزم استئصاله بحد تعبيره، مشيراً إلى المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق المسؤولين، وأن اللجنة سعت إلى استدامة السلام، مبيناً وقوفها على نتائج الحرب وإيقافها إن كان لها مبررات أم لم تكن، ومن بينها الإجراءات الأمنية والعسكرية والملفات الأمنية الأكثر إلحاحاً.
طمأن “حجر” بوجود الإرادة السياسية الكافية لإيقاف الحرب وهدر الأموال فيها في كيفية وضع بدائل ناجعة لها، وصنع نهاية لها، وقال: كرامتنا أهدرت بسببها.
تحفظ وتكتم على المخرجات
رغم الحصار الذي طوق به الصحفيون أعضاء اللجنة بضرورة تمليك التوصيات التي خرجت بها لجنتهم، إلا أن جميع الأعضاء بدوا أكثر تحفظاً وتكتماً من عدم الإفصاح عنها، فذهب رئيس اللجنة يؤكد على أن المخرجات لا يمكن إخراجها إلا بمخرجات اللجان الأخرى المتداخلة مع بعضها، وبتضييق الحصار عليه في عدم تمليك (144) ساعة من الحوار المتواصل، وأن المؤتمر يأتي بوصفه سردياً أكثر منه لتمليك الحقائق والمعلومات، قال: أنتم تحاكمونا بما ليس لنا يد فيه، وجهوا هذا السؤال للمسؤولين، واستطرد متسائلاً: اسألوا أنفسكم أنتم الصحفيون لماذا لم تكونوا تكتبون كل كبيرة وشاردة عن اجتماعات لجان الحوار، وأضاف: المخرجات ليست سراً، وعبر توصياتنا هدفنا إلى إنشاء جسم قومي للسلام يكون ذراعاً للتقصي، ينفذ عبر الحكومة القادمة التي تنفذ مخرجات الحوار.
وراهن (د.محمد الأمين خليفة) على أن تنفيذ (50%) فقط من التوصيات من شأنه أن يخرجنا إلى بر السلام، وعلى المجتمع أن يقود الدولة، وعلى الشعب أن يختار، وأشار إلى أن الوظائف ستكون بالكفاءة في الخدمة المدنية والمناصب ستأتي بالانتخابات والتفويض.
شفافية وجرأة وسمت عملية الحوار
عضو لجنة السلام والوحدة وهو أحد متمردي العدل والمساواة المنضوين للحوار الوطني، “يزيد دفع الله رشاش”  لفت إلى أن الطريقة التي أدير بها الحوار اتسمت بالموضوعية والشفافية والجرأة، وكانت كفيلة بإقناع أي سوداني بجديته، وأشار إلى أن تنفيذ التوصيات سيعمل على حل مسببات المشاكل قبل وبعد حمل السلاح، مبيناً أن هدفهم لحمله كان لإبراز مظالمهم للفت المجتمع الدولي والدولة ومن ثم الجلوس للتحاور لحل هذه المشكلات، للوصول إلى اتفاقات ووقف الحرب وبناء الثقة وإطلاق سراح المعتقلين، ولفت إلى أن توصيات اللجنة خرجت قوية جداً.
السلام بحاجة لسند حقيقي:
عضو لجنة السلام والوحدة من حزب الشرق الديمقراطي “محمود إسماعيل أزهري” قال إن الجنائية مسيسة وانتقاص لسيادة الرئيس “البشير” تطارد الحكام الأفارقة وليتها تطارد المجرمين، لم أسمع بإسرائيلي تم القبض عليه.
السلام لا بد من أن يجد منا السند الحقيقي نحن أحزاب وحركات كانت حاملة للسلام وكنا في حروب مع المؤتمر الوطني، ونضمن الآن أن مخرجات السلام بوجود الرئيس في السلطة ودون مطاردة الجنائية أضمن للشعب السوداني حتى لا تحدث فوضى خلاقة بحد قوله، مشيراً إلى أنها إحدى معوقات السلام، مبيناً رفضهم للحروب الأهلية.
وقال إنه صاحب تجربة في حمل السلاح والسلام ويرى أن السلام أفضل بملايين المرات عن الحرب، مبيناً أن من محاور عمل اللجنة مناقشة السلام مع دول الجوار، وتوطين السلام ما بعد الحرب، كاشفاً عن معاناة أهل الشرق وكسلا تحديداً الآن من ظاهرة إتجار البشر، مشيراً إلى رفضهم الحرب الأهلية ومطالبتهم بالتنمية.
وقال إن أهل الشرق لهم رأي في قيام سد ستيت كونهم أصحاب المصلحة الحقيقية والفقر هو سبب أزمتهم، ونادوا بتمليكهم سد ستيت ونهر عطبرة.
وكشف عن خطورة التهريب، مبيناً في ذات الوقت أن قوات مكافحة التهريب بالشرق تقوم بدور كبير رغم تعرضها لمؤامرات من بعض مراكز القوة في كسلا، مشيراً إلى دورها في فترة وجيزة خلال عامين لإفشال عمليات المهربين آخرها القبض على ألف بندقية من بينها صاروخ (سام 7) ، مؤكداً أن القوة تتعرض حالياً لبعض التشويش من بعض أصحاب الغرض للأسف الشديد على حد قوله، مبيناً وقوفهم كأبناء الشرق مع قوات مكافحة التهريب والجمارك ومساندتهم لها، وأبدى استعدادهم للتجنيد من أجل منع تهديد مجتمعهم من خطر التهريب والاتجار بالبشر وشر الفتن فيه، موضحاً أن ظاهرة الاتجار بالبشر تؤدي إلى تفكك الدول، ونبه وزير الداخلية ومدير عام الشرطة ومدير عام جهاز الأمن “محمد عطا” التحرك لكسلا والوقوف مع قوات مكافحة التهريب.

باب الحوار مازال مفتوحاً
أكملت لجنة السلام والوحدة عملها وخرجت بتوصيات حجبت عن وسائل الإعلام، لحين إشعار آخر، ولكن أياً كانت هذه التوصيات إلا أن الملاحظ هو غياب غالبية الحركات المتمردة الحاملة للسلاح والمعنية من هذا العرس السوداني فجاءت الصورة أشبه بـ (العرس دون وجود عريس)، سيما أن هذه الحركات هي المقصود محاورتها كي تضع سلاحها أرضاً وتعمل على تعمير الوطن.
وفي هذا السياق أكد رئيس اللجنة د. “محمد الأمين خليفة” في تصريح لـ(المجهر) أن الباب سيظل مفتوحاً وليس هنالك أي نوع من المكابرة على أنهم قد قاموا بأي شيء أو أنهم هم الصواب، مشيراً إلى أنهم ما زالوا ينتظرون من الإخوة الذين لم يضعوا السلاح بعد، الحضور وقراءة هذه المخرجات جيداً، ومطابقتها برغباتهم وتصوراتهم وآمالهم كلها، والنظر فيما إذا كانت أي ـ هذه المخرجات ـ  تغني أم أن هناك إضافة، وقال: نحن نرحب بأي إضافة لهم وعلى أتم الاستعداد بالجلوس مرة أخرى وتقبل توصياتهم وأن نفتح أبوابنا وصدورنا لهم حتى يعم السلام السودان كله، وأضاف: من خلال الإشارات التي استمعنا إليها منهم علمنا بأنهم يريدون دراسة المخرجات جيداً والنظر فيها.

 

صحيفة المجهر السياسي

تقرير – هبة محمود ـ نهلة مجذوب

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *