الطيب مصطفى : لماذا يزور عرمان جوبا؟!

قبل أن يجف مداد قرار فتح الحدود بين السودان ودولة جنوب السودان، وكذلك قرار خفض رسوم عبور نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية إلى ميناء التصدير (بورتسودان)، جاءت الأنباء تترى عن طعنة نجلاء تلقاها السودان من حكومة الجنوب التي ما أوفت بعهد قط ولا التزمت بميثاق منذ أن أطلت بوجهها الكالح على المشهد السياسي، فقد حملت إلينا أخبار الأمس أن عرمان اجتمع ببعض القيادات العسكرية والسياسية للجيش الشعبي والحركة الشعبية (لتحرير السودان) طالباً تزويد قطاع الشمال التابع للحزب الحاكم في دولة الجنوب باسلحة وذخائر لقواته التي تقاتل في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
قبل ذلك بيومين استضافت جوبا المتمرد الدارفوري عبدالواحد محمد نور الذي ما زارها للسياحة إنما في إطار العلاقة التي تربط بين حركته ودولة جنوب السودان.
تحدُث كل تلك الخروقات من حكومة سلفاكير قبل أن يجف غصن الزيتون الذي رفعته حكومة السودان عربون صداقة ورغبة صادقة في تطبيع العلاقة مع دولة الجنوب ودفعها إلى الأمام بالرغم مما يلقيه ذلك من أعباء جسام على السودان الذي يئن تحت وطأة مشكلاته الاقتصادية المتفاقمة.
إذن فإن القرارات التي أصدرها الرئيس سلفاكير بسحب الجيش الشعبي داخل حدود الجنوب مسافة خمسة أميال كنوع من رد الجميل لم تكن حقيقية ولم يقدم عليها إلا على سبيل المخادعة أو ربما لأنه لا يملك من أمره شيئاً بالنظر إلى أن الجنوب لا تحكمه سلطة مركزية واحدة وأنما هناك مراكز متعددة للقرار .
صحيح أن سلفاكير ينطوي على قدر كبير من المكر والغدر القائم على أحقاد تنوء بحملها الجبال تحكي عنها عقود من الحرب التي شنها وجيشه على السودان لكن ما يجعلني لا استبعد الاحتمال الثاني أن الحركة الشعبية ظلت منذ إنشائها تقوم على توجهين أحدهما وحدوي يعبر عنه كل من قرنق وأولاده باقان وعرمان الذين ظلوا جميعا يعملون من أجل إقامة مشروع السودان الجديد المنادي بالوحدة على أسس جديدة هي المعبر عنها في اسم الحزب أو الحركة التي ظلوا يعملون تحت اسمها (الحركة الشعبية لتحرير السودان) أي تحريره من هويته الإسلامية وثقافته العربية وانتمائه إلى محيطه العربي والإسلامي بل وإخضاعه إلى حكم الجنوب وحزبه الحاكم (الحركة الشعبية) التي لم تكن قومية تعبر عن كل السودان إنما كانت جنوبية يسيطر على قيادتها أبناء الجنوب وخاصة من أبناء قبيلة قرنق(الدينكا).
أما التوجه الثاني للحركة الشعبية فإنه انفصالي يعبر عنه سلفاكير ولذلك لا غرو أن يسترضي قرنق الطرفين الوحدوي والانفصالي بصفقة جعلته يخلط بين سيناريو الوحدة الذي يسود في حالة فوز قرنق في الانتخابات مما يؤهلها لإقامة مشروع السودان الجديد، وعندها يصوت الجنوبيون للوحدة أو يصوتون للانفصال في حالة خسارة قرنق والحركة الانتخابات ولذلك صيغت نيفاشا على أساس أن تسبق الانتخابات الاستفتاء.
موت قرنق غلب تيار سلفاكير الانفصالي وجعله يسحب عرمان من المنافسة على انتخابات رئاسة الجمهورية وذلك لحسم الخيار لمصلحة تيار الوحدة.
ظل أولاد قرنق من الشيوعيين يحلمون بعد الانفصال بإقامة مشروع السودان الجديد ولذلك لا غرو أن يصرح كبير أولاد قرنق باقان أموم لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعد أن اختار الجنوبيون الانفصال بأن مشروع السودان الجديد قائم سواء من خلال الوحدة (الخطة أ) أو من خلال الانفصال (الخطة ب).
ذلك ما يفسر أن يظل باقان وعرمان والحلو من الشيوعيين (اولاد قرنق) يعملون من أجل تحقيق ذلك الهدف حتى الآن ويصرون على استخدام اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تحكم دولة الجنوب بعد الانفصال، بل إنهم لا يتورعون من اعتبار أنفسهم قطعة (قطاع) من الحركة الأم في جنوب السودان لا يثنيهم عن ذلك ما ينطوي عليه من ظلال توحي بالعمالة لحزب يحكم دولة أخرى حتى ولو كانت تلك الدولة مهيضة الجناح وتعاني من حالة انهيار جراء الحرب الأهلية والمجاعة والأزمات الاقتصادية والأمنية التي تعصف بها اليوم.
لذلك فإن عرمان وقطاعه العميل ربما لا يزال يجد له موطئ قدم في جنوب السودان على خلفية احتمال أن يكون الجيش الشعبي والقيادة السياسية للحركة الشعبية بهما عدد من العناصر المؤمنة بطرح قرنق للسودان الجديد.
إذن فإن السيناريوهين محتملان ..أن سلفاكير لا يزال يمارس المكر والخداع وبالتالي يساند تابعه عرمان وقطاع الشمال العميل، أو أن ذلك يحدث من وراء ظهره جراء عجزه عن إخضاع بعض النافذين من أولاد قرنق رفاق عرمان لسلطانه.
أقول إن على الحكومة أن تكف عن إهداء أوراقها بالمجان لأن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد سذاجة وقد آن الأوان لأن يقطع دابر تلك العلاقة بين القطاع العميل والجنوب إلى الأبد، وأن تزال العبارة الاستفزازية (تحرير السودان) من اسم الحزب الحاكم في جنوب السودان.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *