هاشم كرار : نظرت إليها وأشعلتها!

هاشم كرار : نظرت إليها وأشعلتها!

بين اصبعىّ النار، فمتى أطفيها، وقد حاولتُ مرارا: امتنعت في كل مرة، غير أنها لا تلبث ان تراود اصبعي وفمي، ورئتي بالنيكوتين والقطران القاتل!

السيجارة، وسيمة: رشيقة. ملساء. لها نكهة وطعم ورائحة، فمن؟ من ينجيني منها، هذه الغوّاية، التي تقد مع كل نفس منها، قميص صدري من دبر؟

صديقي حاتم غانم، مثلي: يحاول. يمتنع لشهور عن التدخين، ويعود يدخن..

في كل مرة يقول إنه لن يعود إليها، إطلاقا.

أضحك عليه. اتكئ على جملة تجاربه الفاشلة، وأقول له: أنت مثلي، من العناصر الهشة!

يضحك: يازلمة.. والله تعبت.. تعبت، شو بدي أعمل غير هيك!

يقولون ان من يمتنع عن السيجارة، لمدة ستة أشهر كاملة، لن يعود إليها، لأن جسده يتخلص نهائيا- في كل ذرة من ذراته- من نداءات النيكوتين الملحة.

امتنعت عنها لأكثر من ستة أشهر، لكن لا النداءات خفت، ولا تلاشت، ولا صارت صدى!

حاولت اللبان، مثل أوباما، غير أني فشلت. ضحكت السيجارة المطموسة، وهي تقول لي: أوباما ياساذج وراءه أميركا، الدولة الأقوى في العالم، فمن وراءك أنت أيها السوداني الميتان الكحيان الذي انقسم وطنه، وتهاوت عملته، وتكثرت بطالته، وارتفعت فيه أسعار كل شيء، ونزلت فيه قيمة البني آدم!

في تلك اللحظة، انتابتني الغيرة على وطني، أشعلتها، اخذت منها نفسا واحدا، ورميتها، وأنا أدوس عليها بالجزمة:

– تاني أوعك تتكلمي عن السودان!

لكن الرئيس البشير، في تلك الليلة تكلّم. قال لشعبه: نحن علمناكم تأكلوا الهوت دوغ ، فشعرت بنوع من القرف الخرافي، وأشعلتها، واحدة وراء الثانية، في البيت.. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يدخن فيها عيالي، سلبيا، أمام عينىّ هاتين!

أرخيت أذني، لشيخ ملتح: قال إن السيجارة حرام، من باب لا ضر ولا ضرار، لأنها تضر بالصحة. رميتها، واوشكت أن أدوس عليها في ( الطفاية) غير ان دخانها رفع ( فيتو): ياشيخ.. إذن على ذلك قس: الملح حرام، لأنه ضار بالصحة.. والسكر حرام لأنه ضار بالصحة، و..و..

لم أتركها تسترسل. قلت لها: معك حق.. إنني أبغض الكيل بمكيالين في القضية الواحدة!. حكيت لها حكاية الشيخ فرح ود تكتوك، وكان من العارفين، في غابر تاريخ السودان. سألوه: ياشيخنا السيجارة حلال ام حرام؟

لم يرد ان يدخل نفسه في هذا الأمر الضيق، قال: لا أعرف حلالها من حرامها، لكني أعرف ان الذي في يده سيجارة بقول عايز النار.. عايز النار!

ضحكت السيجارة. قالت: ناري جنة!

نظرتّ إليها، سال لعاب رئتي و…. أشعلتها!.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *