د. محمد عبد الله الريح .. السودانيون ينتظرون قراراً رحيماً من السعودية

د. محمد عبد الله الريح .. السودانيون ينتظرون قراراً رحيماً من السعودية

العلاقات السودانية السعودية تشهد هذه الأيام تحسناً كبيراً لم يشهد له مثيل في الآونة الأخيرة. وكل ذلك حدث بتوفيق من الله سبحانه وتعالى بعد أن توحدت رؤية القطرين الشقيقين على جميع الأصعدة، وأصبحت المصالح المشتركة هي البساط الأحمدي الذي تمشي عليه الأحداث. لقد عانى السودان من القرارات المجحفة من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة بفرض حصار جائر تأذى منه الصغير والكبير والنساء والشيوخ قبل أن تتأذى منه الحكومة السودانية. وأكثرها إيلاماً هو الحصار المالي من قبل البنوك والإدارات المالية الأمريكية التي أجبرت جميع البلدان على أن تنصاع لقوانينها، مما أثر على حركة التجارة الحرة وعلى المستثمرين في السودان وعلى الأخص الإخوة السعوديين. كما أن المملكة العربية السعودية عانت من الكيل بمليون مكيال في تسيير أمورها الداخلية، وقد وضح ذلك في المقابلة التي أجرتها المذيعة الأمريكية المشهورة كريستيان أمانبور مع معالي وزير الخارجية السعودي عادل بن أحمد الجبير بأسئلتها المفخخة التي تصر بها على ما تسميه أحكام الإعدام وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولكن وزير الخارجية السعودي رد عليها ردوداً شافية كافية مستخدماً لغة دبلوماسية رصينة مفخرة لكل الأمة العربية وهي تتصدى للمؤامرات والدس والوقيعة. لقد استطاع السيد وزير الخارجية السعودي أن يعري الخطوط التحتية Bottom Lines لما وراء أسئلة أمانبور عن قصف المدنيين في اليمن، متناسية المآسي الفظيعة وسياسة التجويع التي يقوم بها بشار الأسد وحلفاؤه الروس في سوريا.
وتحت ظل تلك المتحركات والتحرشات الدولية كان لا بد للسودان والمملكة العربية السعودية من التقاء وجهات النظر في مواجهة ما يدبر للقطرين الشقيقين بصفة خاصة وما يدبر للأمة العربية والاسلامية بصفة خاصة. ونحن إذ نثير موضوعاً في غاية من الأهمية نثق في تقدير إخوتنا في المملكة العربية السعودية بقدرتهم على استيعاب وتقدير كل الظروف المحيطة به واتخاذ القرارات الإنسانية الصائبة التي تعيد البسمة لعدد كبير من إخوتنا وأسرهم ألقى بهم حظهم العاثر في أتون ظروف لم تكن من صنعهم.
ففي خلال الفترة 2012 ــ 2015م تم توقيف عدد كبير من أفراد الجالية السودانية بتهمة غسل الأموال. ومازال عدد من السودانيين موقوفين في انتظار المحاكمة. وعدد السودانيين الموقوفين بهذه التهم يعتبر كبيراً عند مقارنته بأعداد الموقوفين بسببها من أفراد الجاليات الأخرى. ويلاحظ في معظم الأحوال أن الاشخاص المنسوب إليهم القيام بالأعمال محل الاتهام هم أفراد من الجالية السودانية مقيمون في السعودية أو سعوديون يديرون استثمارات في السودان . والسبب وراء وقوع السودانيين دون غيرهم في المصيدة هو الحصار البنكي المفروض على السودان. فمن المعلوم أنه اعتباراً من عام 2012م تمّ تشديد الحصار البنكي المفروض أحادياً على السودان من الولايات المتحدة. وفي أعقاب قيام الإدارة الأمريكية اعتباراً من النصف الثاني من 2012م بفرض غرامات باهظة على بنك «اتش. أس. بي. سي» وبعض البنوك الدولية والأمريكية لأسباب من بينها التعامل مع السودان أو التعامل مع بنوك تتعامل مع السودان، توقفت جميع البنوك عن استقبال أو إرسال أية عمليات مصرفية مع السودان، وذلك من تلقاء نفسها دون توجيه حكومي سعودي يأمرها بذلك. وقد اتخذت البنوك هذا الإجراء خشية قيام الإدارة الأمريكية بإغلاق حساباتها لدى البنوك الأمريكية. وفي ظل ذلك الحصار لم يستطع السودانيون المقيمون في المملكة استخدام القنوات المصرفية لتحويل مرتباتهم ومصاريف الإعاشة لأسرهم المقيمة في السودان. كما أن السعوديين المستثمرين في السودان لم يعودوا قادرين على استخدام القنوات المصرفية لتمويل مشروعاتهم في السودان أو تحويل عائدات استثماراتهم إلى السعودية. وفي ظل ذلك حتمت الضرورة على السودانيين المقيمين إرسال مصاريف الإعاشة والنفقة الشرعية لأسرهم عن طريق الدفع بالريال السعودي لجهة سعودية أو مقيمة لتقوم أسرهم باستلام المقابل بالعملة السودانية في السودان. وقد استفادت فائدة مشروعة من هذه التحويلات أيضاً بعض الشركات والمؤسسات المستثمرة في السودان، لأنها يسرت لها التخلص من العملة السودانية المكدسة لديها في السودان من عائد استثماراتها هناك، وذلك عن طريق دفعها في السودان لسودانيين مقابل ما تم الحصول عليه من معادل لها بالريال السعودي في السعودية. وهذه العملية لا تنطوي على نقل أو تحويل أموال، بل يبقى الريال السعودي في السعودية ويبقى الجنيه السوداني في السودان. وهي في حقيقتها تبديل عملة وليس تحويل أو نقل أموال. والأموال المبدّلة هي في أغلبها أجور ومرتبات مكتسبة مقابل العمل الشريف في حال أفراد الجالية السودانية أو مكتسبة من عائد الاستثمارات المشروعة في حال الشركات والمؤسسات المستثمرة في السودان. وهذا التبديل يخدم مصلحة خاصة للسودانيين المقيمين وللشركات والمؤسسات المستثمرة في السودان، ويخدم المصلحة العامة ببقاء الريال السعودي داخل السعودية دون حاجة لتحويله أو نقله إلى الخارج. والأهم من ذلك كله أن ذلك التبديل الأثيري مستشر إلى اليوم ولا توجد وسيلة سواه لتوصيل مرتبات الإعاشة والنفقة الشرعية من أفرد الجالية السودانية إلى ذويهم في السودان. كما لا يوجد تعامل مصرفي مع السودان يستطيع من خلاله المستثمرون تمويل مشروعاتهم في السودان أو نقل عائد استثمار المشروعات إلى السعودية. ولو طالت تهمة غسل الأموال كل من يقوم بتوصيل راتبه بهذه الطريقة لما بقي أحد من أفراد الجالية السودانية طليقاً من التوقيف. ويثور السؤال عن سبب إدراك الإجراءات للبعض دون الآخر. والإجابة عن ذلك أن ادعاءات غسل الأموال في حق المتهمين دائماً ما تبدأ ليس بمبادرة من السلطات الأمنية والقضائية، بل بمبادرة من صديقهم المفترض وهو البنك الذي يمسك حساباتهم إذا ساوره الشك في حركة حساب عميلة. وبعض أسباب الشك حجم المبالغ المتحركة في الحساب ووجود معاملات على الحساب من السودانيين باعتبارهم يتبعون لدولة محظور معها التعامل المصرفي. والمستثمرون في السودان يكونون صيداً سهلاً للبنوك لأنهم يملكون مؤسسات وأعمالاً كبرى، وحساباتهم المصرفية الأصل فيها أن تكون مليئة. فإذا اجتمعت الملاءة مع وجود أطراف سودانية «وهو أمر حتمي بسبب وجود بعض أعمالهم في السودان»، خامر الشك البنوك وقامت خيفة على نفسها من العقوبات الأمريكية بإخطار الجهات المختصة بوجود اشتباه غسل الأموال في حق المستثمرين والسودانيين ذوي العلاقة. ورغم أن هنالك بوادر انفراج للحصار المصرفي على السودان اعتباراً من بداية عام 2016م، فإن ضحايا تشديد الحصار الأمريكي فيما بين 2012 ــ 2015م لم يستفيدوا بعد من هذا التغير الإيجابي، ولن يستفيدوا ما لم تتم معالجة أوضاعهم بقرارات تتفق عليها الجهات المختصة في البلدين. والله من وراء القصد.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *