كل خميس.. الهروب إلى الروح

كل خميس.. الهروب إلى الروح

بكته لسنوات قبل أن يرغمها ذووها لتتزوج بآخر لم يكن في حسبان ذاكرة المدينة الصغيرة وتوقعاتها بعد أن شغلت الناس بجمالها وكريم خصالها وهي تصد في كل مساء شاب من شباب القرية زارها خلسة ليخطبها دون أن تفضح محاولته الخاسرة ومنهم من يكرر الزيارة من حين لآخر ولكنها وبلطفها المعهود تمهد له لينسحب بهدوء ويجمع خطاه المبعثرة التي أنفقها جيئة وذهاباً ما بين داره ودارها قبل أن يعود من جديد ويرسل خطواته نحوها كلما استدرجه جمالها وإنتابه الأمل فجأة وتوقع استجابتها.
> زواجها أحدث دوياً هائلاً بعد أن يئس الجميع من قبولها حتى فكرة الزواج ناهيك من أن يتزوجها هذا الشاب تحديداً ويزداد المشهد تعقيداً كلما انضم لقائمة الرفض شاب لا ترفضه النساء أبداً والهمس في كل مرة يضيف رائع جديد من داخل العبارة الأكثر ترديداً في تلك الأيام (فلان قالوا كان دايرها وأبتو) فتتسع الأفواه فاغرة فيهها وهي ترمي بتلك العبارة.
> همس المدينة الصغيرة يصنع جهراً يصنع رأياً عاماً عنوانه الدهشة التي تبديء اعتراضاً مغلفاً حتى لا يتجاوز خصوصية السيدة الجميلة وخصوصية عائلتها في قراراتهم واختياراتهم.. الرأي العام المعترض يدور حول دار السيدة الجميلة دون أن يتقدم ليطرق بابها.
> بدأت التفسيرات تغزو أحاديث الناس داخل المدينة الصغيرة بعد أن أعجزهم الوصول إلى إجابة قاطعة من السيدة الجميلة تقطع فضولهم والتفسيرات تهرب إلى كل الاحتمالات لترجح من بينها احتمال راجح وهناك من يجتهد ليملأ الفراغ وهو ينسب بعض حديثه لأحد ذويها دون أن يتجرأ وينسب لها فالناس يعرفون جيداً أنها لا تصرح ولا تلمح.
> زوجها السعيد يحاصره الناس بأسئلة لا تنتهي دون أن يجد إجابة هو يعلمها ليجيب بها عليهم فهو نفسه لا يعرف لماذا تزوجته السيدة الجميلة ويشغل فكره ليل نهار في البحث عن الإجابة المفقودة ولكنه يعلم أنه طرق بابها أكثر من مائة مرة حتى قبلت به بعد المرة التاسعة والتسعين وأنه لم يكن يخشى صدودها ولا ما يتناقله الناس في مثل هذه الحالات وهو يعلم أنهم يشمتون وقد سمع همسهم يحمل أخبار غيره ممن يطرقون باب السيدة الجميلة.
> سنوات ما بعد رحيل زوجها وحبيبها وروحها وعشقها بجانب بكائها عليه اكتسبت مهارات فريدة من وحي صمتها الجميل الذي كانت تمارسه بلطف أمام الناس من حولها وإلا هربت حتى لا ينقطع الصمت الذي من ورائه سر حياتها الجديدة.. حياة ما بعد الراحل المقيم.. كانت من وراء الصمت تمارس الهروب إلى نفسها.. تتحدث إليها.. تحاورها.. تهربان معاً إلى معاذ.. الرجل الذي أفرغت فيه وله كل طاقتها من الحب .. هربت إليه في عالم الذكرى الجميلة التي كانت تجمعهما ومنها تستعيد عالمها.. تستعيد معاذ بكامل هيئته وصوته ونفسه وروحه.. هي في الحقيقة كانت تستعيد روحها.. تستعيد حياتها..
> مارست الهروب في اتجاهين مختلفين.. مارسته بروحها صوب معاذ وبجسدها صوب الزوج الجديد.. منحت هذا الأخير جسدها لتسكت حملة الناس داخل مدينتها الصغيرة وحملة ذويها داخل دارهم الصغيرة المتواضعة..
> عاشت هكذا…

 

صحيفة الإنتباهة

– الشاذلي حامد المادح

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *