د. “راشد دياب” .. رحلة التشرد والنجومية من “ود أزرق” إلى “مدريد” (1-3)

بعد عودته للبلاد من أوروبا التي درس بجامعاتها الفلسفة ونال منها درجة الدكتوراه بالإضافة إلى ذيوعه كفنان تشكيلي تعرض لوحاته الفنية في كبريات المتاحف الأوروبية، ظل د. “راشد دياب” مهموماً بحركة إصحاح الفكر البيئي والثقافي كثيراً، ودائماً ما يوجه خطاباً شديد اللهجة لكثير من السلوكيات المحلية المرتبطة بالعقل الجمعي وبالسياسات الحكومية المتعلقة بالفكر الثقافي، بالإضافة إلى أنه يقوم بدوره كفنان يقوم بمسؤوليته في ترقية الأذواق وتهذيبها.
ذاك ما يعرفه الناس عن د. “راشد دياب” الذي يتخير مساحة صغيرة للغاية في مركزه بالجريف غرب، وحرص على أن يضع فيه لمساته الخاصة، فهو مكتب يخلو تماماً من أي أجهزة إنارة، ومع ذلك، فحال تجول ببصرك داخل المكتب تجد ألوان الطيف تملأ الأرجاء في لوحة تشكيلية باهرة الحسن، وعندما سألناه عن ذلك رد بقوله إن أشعة الشمس بالإضافة إلى تلك الألوان على الزجاج تتكفل بإعطائه هذه المتعة البصرية، أما ما حرصنا على أن نتجول فيه مع د. “راشد” فهي تفاصيل دقيقة من حياته الخاصة، وكيف كان طفلاً قلقاً يرفض الذهاب إلى المدرسة وصار فناناً تشكيلياً تعرض لوحاته في كبريات العواصم الأوروبية، وتقاسمنا معه لحظات الشهد والدموع والانكسارات والخيبات والانتصارات.

{ بداية نتحدث عن النشأة والناس وتفاصيل تلمس أسباب الحياة الأولى؟
_ أولاً ذاكرتي أسميها الذاكرة الفهمية وهي ذاكرة مربوطة ربطاً محكماً بأشياء هي التي تكونها بمعنى ليست أشياء موجودة قبلها، مثلاً عندما أتكلم عن الطبيعة تتراءى صور كثيرة جداً للطبيعة لا أستطيع أن أحصرها، وكل إنسان تحدث له نفس هذه الفكرة، وفكرة أن الإنسان يكون لديه وعي خاص به من خلال الذاكرة أنا حاولت مرات أن أضبطها وأدخلها في إطار الحفظ، وأنا منذ أن كنت صغيراً لا أحب الحفظ، لأن الحفظ عايز رغبة قوية أو الخوف هو ما يجعلك تلجأ إلى الحفظ مثل الآيات القصائد وغيرها، حتى الحكمة أسعى إلى فهمها وليس حفظها.
{ لكن هذا الأمر قد يضعك في كثير من المواقف الحرجة خاصة في حالة نسيان أسماء وملامح الناس؟
_ نعم.. هناك بعض الناس حتى لو قابلتهم قبل يومين فقط أحس أنه ليس غريباً لكن لا أتذكر الاسم في تلك اللحظة الحرجة، والناس تنزعج جداً لأن أي شخص يعتقد أنه واحد في الدنيا مفروض (يتعرف طوالي) حتى ولو بعد عشرات السنين.
{ رأيت أنك تستنكر كثيراً من المواقف كأن يأتي إليك أحدهم ليسألك: (ما عرفتني)؟
_ نعم أعرف أن وجود الشخص معي كفاية ومهم جداً.. لكن لماذا يمتحنني.. عشان شنو يعني؟! أنا ليست لي معه تجارة أو حسابات والموضوع كلو علاقة إنسانية.
{ لكن ألا تعتقد أن هذا الأمر محرج جداً في المجتمع وإحراج لك؟
_ أنا بتضايق في أوقات كثيرة جداً لضيق الآخرين من أنني لم أعرفهم، لكن لو ما عرفت أي زول معناها العقل في الوقت داك شغال بحاجة تانية أو مشغول بحاجة سابقة، ولا تنعكس الصورة كاملة في الذهن حتى أعرف الاسم.. العقل عبارة عن مخزن.. فيه ناس عندهم المخزن مرتب شديد جداً ويخرجون الصور في الوقت الذي يريدونه.. ولكن البعض (مخزنهم ملخبط) غير مرتب.
{ إذن ننتقل إلى الحديث عن تفاصيل الأشياء في منطقة (ود أزرق) وارتباطها بحسك الإبداعي؟
_ ده كلام ظهر في كتاب أخوي الكبير “برعى” اللي هو شغال فيه الآن عن تجربتي وأنا صغير ورآني من زاوية أستاذ مربٍ، والكتاب بعنوان (شيء من لابد) عن تجربتي الشخصية وأنا طفل، وهو يسرد   المجتمع الذي عايش معي التجربة من خلال الرسم وعندما نتكلم عن أفريقيا ودول العالم الثالث وعلاقتها بالفنون والثقافة نجد أن العلاقة كانت عالية وكبيرة، وكل إنسان مدني بالذات لديه علاقة متواصلة ورهيبة مع كل أشكال الفنون في الرقص والذكر والأزياء والموضات، وكلها كانت أشياء داخل مجتمع حي يحترم الفن، تشاهده في الحياة اليومية في الملابس والحلي والطواقي والعمل والفن يكون موجوداً في جزء يسمى الفنون التطبيقية النفعية.
{ منها بدأت مرحلة التأمل؟
_ الانتقال إلى مرحلة التأمل مثل مشاهدة لوحة كانت تحتاج إلى تدريب آخر لأنها تتعلق بوجود الحضارات، والمدن الكبيرة التي تحوي علاقات مختلفة دائماً أكبر من القرى، والتأمل دائماً يكون في الاستمرار المستقبلي للعلاقة بين الناس.. كلما تتأمل في الآخر تبتعد عنه لأنه يتفكر فيه بنظرية مختلفة، فالمجتمع البدائي ليس جزءاً من تكوينه.. لأنه لا يريد منك أن تفهم أكثر من اللازم، لأن طبيعة حياتهم قائمة على أشياء بسيطة أكثر حتى لو زول قال رأي تجد الرد (ما تتفلسف فينا)، حتى لو سكت ساي يقولوا ليك الزول ده مالو ساكت كده.
{ نشأت إذن بفكرة عدم التأمل؟
_ نشأت بها.. بالإعجاب أو الاستحسان، وهما شيئان مختلفان تماماً ولا علاقة لهما بالتأمل.
{ معروف عنك شخصيتك المتمردة.. هل كان هذا التمرد في طفولتك الباكرة؟
_ أنا لست متمرداً.
{ ولا حتى المدرسة؟
_ أصلاً ما كنت عايز المدرسة ذاتو.
{ كيف؟
_ الفكرة ليس التمرد بمعنى الخروج عن العادات.. لكن لا أحب أن تكون الأشياء ثابتة.. أنا ضد الثبات.. وضد المفهوم الواحد للأشياء وضد التركيز على نمط معين من الحياة.
{ كأنك تقصد أنك ضد العادات والتقاليد؟
_ أنا سوداني في النهاية والعادات والتقاليد دي عاداتي وتقاليدي لكنها ما جات فجأة كلها مرة واحدة.. بل جاءت بالتدريج ونمت حتى وصلت مرحلة مفروض تستمر تنمو للأفضل لكن عندنا عادات وتقاليد مزعجة جداً.
{ زي شنو مثلاً؟
_ في التركيبة العقلية للشعب السوداني هناك مشكلة وعي بإدراكه هو لنفسه والناس ما بتعرف نفسها في السودان.. أي زول مفتكر الآخر  هو المشكلة وكل زول (متكل) على الآخر.. إذن هناك مشكلة في التركيبة العقلية السودانية.
{ متين بديت ترسم؟
_ الفن ده موضوع تاني.. أنا ما متذكر بديت أرسم متين.. لكن من ما يدي قبضت على فرشاة أو على طين بديت اشتغل، وده تكويني الطبيعي الوجودي الحضاري اللي مفروض أساهم بيهو في هذا البلد الذي أحبه جداً.. عشان كده بتكون عندي شجاعة مستمدها من ناحية كونية، وليس لأنني شجاع أو بطل.
{ ذكرت قبل شوية إنو ما كنت عايز تمشي المدرسة؟
_ نعم ما كنت عايز أمشي المدرسة لأنني كنت بفتكر إنو المدرسة خدعة كبيرة جداً.. وهو إنو بيجيبوا ناس عشان يعلموهم حاجات ما ح يستفيدوا منها عشان يشتغلوا بعدين.. وأنا كنت مفتكر إني لقيت الشغل بتاعي (رسام)، وما عايز أشتغل في أي حاجة تانية.. وما كنت عارف إنو فيه حاجة اسمها احتراف الفن.. لكن كنت عارف إنو دي الحاجة اللي بتمتعني وما دام تمتعني معناها ده شغلي.
{ هل تغيرت فكرتك عن المدرسة بعد ذلك؟
_ ده كان تفكير بسيط جداً في تلك الفترة لأن الإنسان محتاج إنو يكون عندو معارف في اللغة العربية والإنجليزي والفلسفة والعلوم بصفة عامة حتى يستطيع التعامل مع الناس.
{ كيف قوبل هذا التفكير من المجتمع والمدرسة والبيت؟
_ كانوا بيقولوا لي (قوم أمشي المدرسة) والوالدة تقول لي (يا ولدي الله يرضى عليك أمشي المدرسة)، وكان إصراراً كبيراً جداً من كل المجتمع لكي أذهب إلى المدرسة.
{ أكثر ما كان يزعجك في المدرسة؟
_ إنو نمشي ناس كتار ونقعد قدام زول واحد ملتزمين ليهو مقارنة بوجودي في البيت وما عندي أي حاجة.. وارتباط حريتي الكاملة في البيت والأخرى التي كانت مرتبطة بآخرين في المدرسة.. جرس يضرب وكده وطابور وامتحانات و…
{ كم كان عمرك عندما دخلت المدرسة؟
_ كان عمري (6) سنوات تقريباً.. وأبوي وداني المدرسة لأنو شعر إنو ح أكون أفضل من لو قعدت في البيت.. كان عايز يشغلني بالمدرسة وفعلاً شغلتني المدرسة ومنحتني أشياء كثيرة جداً، لكن أهم حاجة فيها ما لقيتها وهي أن أحس بفردانيتي وحريتي.
{ هل يفسر ذلك جنوح الفنانين إلى الانزواء عن الناس؟
_ الفنان إنسان ذاتي وفردي ووجوده مع الناس لحظي أو وقتي، لأنو لازم يكون معاهم لأن كل تفكيره يدور في دائرة حولهم وليس بالضرورة معهم، عشان كده بيقول ليك الفنان بيسرح كتير، أثناء وجوده مع الناس بيكون مشى حتة تانية مختلفة شاف فيها حاجات تانية وبيجي راجع سريع جداً حسب قراءاته وفكره ورؤيته حتى يتوافق معهم.
{ بالتأكيد حصل صدام بين قلقك والمدرسة؟
_ نعم، لأنو ما كنت قادر أوقف القلم من الرسم.. كنت برسم أي حاجة.. الطباشير.. السبورة.. الكنبة.. المحبرة.. الأستاذ.. برسم أي حاجة تقع فيها عيني.. وكنت في حالة دائمة من التوبيخ لكن الغريبة فيه بعض الأساتذة في السنة الثانية كانوا يسألونني (الليلة رسمت شنو.. وجيب النشوفو) لكن العقاب كان أكبر.. وعندما شعروا برغبتي في الرسم بقيت أرسم الخرائط وده كان بعد تالتة ورابعة، وبديت أعمل صحيفة حائطية اسمها (السنة الأولى) حتى الأساتذة كانوا مستغربين مثل أستاذ “دفع الله” و”السر” و”عيسى”.
{ تتذكرهم رغم قولك إنك كثير النسيان؟
_ لأنو العدد كان بسيط.. لكن كنت أريد أن أحس بتوازن بين البيت والمدرسة وأنها تكون أماكن ممتعة.
{ لم تكن هناك مادة للفنون الجميلة؟
_ كانت هناك مادة اسمها (حصة الأعمال) كانت منظمة جداً وفيها دراسات واضحة جداً حول البيئة والتراث السوداني، وكان بيعلمونا نبني بالطوب ونعمل قطية ونرسم، لكن لم يكن فيها اعتبار لتفكيري لأنني أعتقد أن فيه جانب أساسي للتربية، ويجب أن يمنح الطالب إحساس أنه يفكر ويمكن أن يضيف للشيء الذي يفكر فيه الأستاذ.. لأنو الأستاذ ليس قمة العلم لكنه بداية لكي يمنحك حالة بحث في مجال العلم، ودي كانت نقطة مهمة جداً وأثرت تأثير كبير في تفكير الإنسان السوداني بصورة عامة.
{ كيف؟
_ يعني بيمشي للأستاذ عشان ياخد منه لا ليشاركه في المعرفة، ودي أثرت علينا تأثيراً كبيراً جداً.. حتى الآن المجتمع السوداني لا يشارك في الرأي ولا في المعرفة ولا حتى في الحديث ولا في السياسة بأسلوب معرفي منهجي.. وعدم المشاركة الحقيقية جاء نتيجة لعمل التفاعل في التعليم زمان والتدريب على ذلك.. يجب على الإنسان أن يتواضع ويسمعك وحتى أبلد تلميذ ممكن يضيف لأشطر أستاذ لأنه لا يوجد أستاذ شاطر مية في المية وليس هناك تلميذ بليد مية في المية.
{ كانت المنفذ الوحيد لك هي حصة الأعمال؟
_ كنت بستمتع جداً بحصة الأعمال.. ولما تكون مافي حصة الأعمال دي بكون منزعج جداً.. وبيكون اليوم بايخ وممل وطويل، ومن الوقت داك عهدوا لي بمخزن الألوان، ودي أول مهمة لي وريحة الورق وريحة المخزن وكونو أشوف كمية من الأحبار والأوراق في الوقت داك وكانت تأتي من انجلترا.. ما كنت بنوم بالليل حتى أعود للمخزن واستمتع بتلك الرائحة.
{ كأنك عثرت على كنز؟
_ نعم.. كنت بشوف الألوان ديك في الدكان لكن أن تتجمع كلها في مكان واحد كان أمراً رائعاً وتأتيني رائحتها حتى الآن.. ورغم ذلك كانت هناك مواد ثانية تنغص عليّ عيشتي.
{ زي شنو؟
_ زي العربي والحساب وأي حاجة فيها حفظ.. مثلاً المعلقات السبع حفظتهم جميعاً ونسيتها جميعاً بعد نهاية امتحانات الشهادة السودانية.. ما عندي رغبة أجي أعيد القصيدة تاني وبمناسبة شنو؟
{ هل عدم حبك لتلك المواد أثر سلباً على تحصيلك الأكاديمي وتقييم درجاتك؟
_ طبعاً.. كان عندي درجات متوسطة.
{ كنت شاطر ولّا بليد؟
_ ما كنت شاطر.. ما عندي ذكاء مدرسي.. ما عندي شطارة حصص، والذكاء المدرسي بيجي لناس معينين.
{ كم كان ترتيبك الدائم في المدرسة؟
_ (التلتاشر.. الاربعتاشر).. مرات (الواحد وتلاتين).. تتحدد نتيجي حسب رغبتي في الرسم.. كل ما كنت أرسم كثير كانت تقل درجاتي في النتيجة.. ـخواني كانوا بيشاكلوني (قوم اقرأ وكدا) ما كان عندي رغبة غير إني أرسم.. لما إلقى كتاب عن الرسم أو ألقى منظر يعجبني بكون خلاص وصلت مرحلة إنو الحاجة دي تكون جزء كبير من حياتي، ولكنها تتعارض مع زمن المدرسة.. حتى لما أشوف حاجة في الشارع (غنماية) مثلاً أكون عايز أرسمها، لكن بيكون زمن المدرسة ما بيسمح لي.. أقول أمشي المدرسة أسوي شنو وأنا ممكن أقعد هنا أرسم.

 

صحيفة المجهر السياسي

محمد ابراهيم الحاج

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *