أمين بشير فلين في حوار مازج بين الماضي واليوم (2-2)

“أمين بشير فلين” عضو الجمعية التأسيسية ووزير السياحة والفنادق في حقبة الديمقراطية الثالثة، تدرج في الوظائف وعمل ضابطاً في الشرطة ثم جهاز الأمن بعد فصله، تخرج في جامعة ولاية نيويورك (بفلا)، كان من الأعضاء اللامعين في الحزب (القومي السوداني) الذي جاء ترتيبه الرابع في الانتخابات البرلمانية، وقد كانت له مواقف مثيرة في تلك الحقبة أبرزها معارضته للحكومة من داخل البرلمان في التصويت ضد اتفاق (الميرغني قرنق) بعد خروج (الاتحادي) من الحكومة، بجانب استقالته الشهيرة والوحيدة في تلك الحقبة، حيث كان أصغر وزير وقتها.
ضيفنا جاء تلبية لنداء الوطن في العام 2012م بعد أن هاجر إلى “أمريكا” ماداً يده للعمل من أجل البلد، ولبى في هذه المرة نداء الحوار الوطني والتحق به محاوراً، طرحنا في حوار مازج ما بين الماضي والحاضر، طرحنا عليه أسئلة مثيرة عن انطباعات الحوار الجاري الآن بـ(قاعة الصداقة) وما إذا كان هناك حوار فعلي أم لا، بجانب أسئلة أخرى عن حقبة الديمقراطية الثالثة والتي نركز عليها في هذا الجزء الثاني والأخير.
{ حديثك يعني أن الإنقاذ ليست الوحيدة التي تتحمل وزر التوترات التي وجدت بمناطق الهامش؟
– أشبه الإنقاذ بالمنزل الذي يتعرض للسرقة كل يوم ولم يقبض على الحرامي، وفي يوم ما قبض على طفل بداخل هذا المنزل يأكل فألقوا القبض عليه على أساس أنه الحرامي وهو متلبس، وهكذا فالإنقاذ ليست أسوأ من غيرها وأصلاً التجاوزات موجودة في الحكومات والأحزاب السابقة، ولكن الإنقاذ قبض عليها متلبسة، ويكفي أنه في الديمقراطية السابقة في (جبال النوبة) يدفع ضريبة (دقنية) لمن أصبح راشداً من الشباب وله شوارب وتسمى (الدقنية) لم تلغ إلا في عهد أكتوبر وهي كانت مأساة، وكثير من الأعمال الهامشية الحكومات السابقة لم تضع لها حداً وكانت أشياء مؤسفة، وهذا يعني إذا كنت في الحكومة (ديكتاتوري)، والآن عندما أصبحت معارضاً نتحدث عن الديمقراطية.. كيف يفعل ذلك، ولذلك فالإنقاذ لها محاسنها مثلما لها مساويها كذلك الأحزاب الأخرى تكاد تساوي المساوئ، وبالنسبة لنا لا خير في هذا أو ذاك والخير لمن يقدم الخير للمواطن السوداني.
{ التجاوزات التي تحدثتم عنها.. هل كنتم تنقلونها للسيد “الصادق المهدي” في موقعك كوزير؟
– لم أكن وزيراً لمنطقة كنت وزيراً للسودان كله أتحدث عن قضايا البلد.
{ هل كان هنالك صقور من جانب “الصادق” سيما وأنه هو من يقود الدفة؟
– لا أعتقد أن “الصادق” وجه بتسلح القبائل، لكن كان هناك أكثر من صقر إلى جانبه يحاولون أن يصطادوا، لكن لا أجزم أن يكون لـ”الصادق” دور فيما يحدث في ذلك الوقت.
{ هل تعتقد أن “الصادق” فشل في قيادة الجهاز التنفيذي؟
– بل فشلت الأحزاب لأنها لم تكن تمارس الديمقراطية، وكان كل حزب يحاول الوصول إلى السلطة، لذلك كانت تكثر المكايدات والخصومات وكان لا بد أن يسقط.
{ هل كنت تتوقع أن تنقض الجبهة الإسلامية على النظام الديمقراطي؟
–    لم أكن أتوقع ذلك، ما توقعته أن هناك كانت خارجية لها مصلحة في بعض الاتفاقيات التي كانت على وشك أن تنتهي كاتفاقية مياه النيل، أعتقد أنه كان يمكن أن تأتي الخطورة من هذه الجهات، ولكن لم أتوقع من الجبهة الإسلامية لأنها كانت من أكثر الأحزاب التي تبشر وتدعو للديمقراطية.
{ هل كان هنالك تنسيق بينكم وبعض الأحزاب ككتلة برلمانية؟
–    نعم بدليل عندما وقع السيد “عثمان الميرغني” اتفاقية للسلام مع “جون قرنق” صوتنا معه لصالح الاتفاقية رغم أنه كان معارضاً، وأنا قدمت استقالتي مباشرة بعد التصويت لأني وقعت ضد حكومتي، وصوتنا مع المعارضة وضد الحكومة، ولكن “الصادق” رفض الاستقالة وقدر موقفي وتحدث إليَّ بعبارات معبرة مازالت عالقة بذاكرتي.
{ المعارضة السياسية والمسلحة بالخارج.. كيف هي؟
–    الحركة الشعبية في (جبال النوبة) هي القوة الرئيسية والأخرى تأثيرها أصبح أقل بكثير، الأحزاب ما عندها سبب ما تتحاور لان مهمتها سياسية ووسيلتها هي الحوار، واستغرب في ذلك ماذا تريد أن تفعل، إذا كانت تريد إسقاط النظام، فإن الأنسب لها حضور الحوار.
نحن لا نستهين بالقوى الأخرى قد يكون لها تأثير عند غيابها، نعم الذين يحملون السلاح لديهم قضية، لكن آن الأوان أن يجلسوا في المفاوضات خاصة وأن الدولة دعت للتحاور بحرية وكل يقول ما يريد، ويكفي أن البعض من القوى المسلحة موجود الآن ولا أحد يسألهم.
{ تجربة الحزب (القومي السوداني) برئاسة “فيليب غبوش”؟
–    الحزب (القومي السوداني) في فترة الديمقراطية الثالثة ورغم أن الفترة كانت قصيرة فتجربتنا في البرلمان كانت ناجحة بكل المقاييس، وكان هناك عمل سياسي كبير يمضي، وكنا نتفاعل مع كل الفعاليات السياسية في توازن غير مخلٍ، بأهدافنا وقناعاتنا نتعامل مع الشورى بنفس القدر مع (الجبهة الإسلامية) وحزب (الأمة) و(الاتحادي الديمقراطي) والأحزاب الجنوبية، واستطعنا أن نجتهد في أن تكون هناك إصلاحات رغم الخلافات البسيطة، الحزب عاد قوياً عندما دخلنا التجمع الديمقراطي المعارض في الخارج وقدم إسهامات معتبرة لكنها كانت دون الطموح في معالجة قضايا الوطن والمواطن، لذلك تركنا (التجمع الديمقراطي) أيضاً.
في السودان لم يكن في يوم من الأيام ديمقراطية حقيقية، ولذلك لا نتوقع ديمقراطية في العهود العسكرية، وأحسب أن فترة مايو كانت في بعض فتراتها أكثر إشراقاً في خدمة الوطن والمواطن ووضع السودان في مواقع تليق به في المحافل الدولية والإقليمية.
{ تمرير القرارات في البرلمان؟
–    الأحزاب التقليدية الأساسية مثل (الاتحادي الديمقراطي) و(الأمة) و(الجبهة الإسلامية) في كثير من الأحيان كانوا يطبخوا الأمور وبقية الأحزاب تأكل ما هو جاهز أو يبصموا.
{ الجبهة الإسلامية رغم أنهم كانوا معارضة دخلوا السلطة؟ – الاختلافات كانت على المقاعد وكل يحاول يقصي الآخر.
{ من يتحمل فشل الديمقراطية الثالثة؟
–    مؤكد هي الأحزاب بخلافاتها وخصوماتها، وكان لهذه الأحزاب صقور، الحزب (الاتحادي) إلى حد ما كان وديعاً، لذلك كانت الأمور توصل الأسوأ وكل ذلك أدى إلى عدم حدوث استقرار سياسي.
{ إهمال للجيش في فترة الديمقراطية؟
–    كان هناك تدافع من بعض الأحزاب إلى المؤسسة العسكرية للتقوى به.
{ موقف في البرلمان؟
–    كان لدينا عضو يدعى “هارون إدريس كافي” تم اعتقاله في فترة تولي “مبارك الفاضل” لوزارة الداخلية، سافرنا مع الفريق “عبد الماجد حامد خليل” إلى “كادقلي” لبحث الأمر، ولكن لم يتم إطلاق سراحه، وكانت واحدة من النقاط السوداء فيما سمي بالعهد الديمقراطي ولم يتم إطلاق سراحه إلا في الإنقاذ وهنا نتساءل أين الديمقراطية؟.
أيضاً من المأخذ أن عملية تسليح لبعض القبائل في “كردفان” تمت في ذلك الوقت بطريقة حزبية وبواسطة مسؤولين متنفذين في السلطة.
{ “علي عثمان” زعيم معارضة في البرلمان؟
–    عبر عن آراء حزبه وأهدافه بتلك القوة التي كان يدافع بها ويمارس حقه الديمقراطي.
{ تتحدثون عن حزب قومي ولكن ملمح حزبكم موغل في الجهوية؟
–    غير صحيح حزبنا الحزب الوحيد الذي يضم كل القبائل، سكرتير الحزب من “الكاملين” بولاية الجزيرة “السمؤال الخير بشير”، من القيادات البارزة أيضاً “هارون آدم هارون” من دارفور، وكذلك “أدوارد لينو” عضو المكتب السياسي وهو من جنوب السودان، وكان بالمكتب السياسي أحد أبناء الرشايدة في شرق السودان، فكيف تقول إنه حزب قبلي بعد كل هذا وهو لكل السودان، ثم هل القبيله مذمة، في أحزاب أخرى مثلاً الأحزاب الجنوبية ما فيها شماليون، حتى (الجبهة الإسلامية) عندما ظهرت على أنها حزب قومي لم تجد القبول الكافي ولا النجاح الكبير ولولا دوائر الخريجين لما وجدوا مقاعد في البرلمان، “عز الدين علي عامر” فاز عند أهله، والراحل “نقد” أيضاً وفي الجنوب “مديست”، فالذين يدعون لإنهاء القبلية هؤلاء ليست لديهم قبائل فقط يريدون أن يعملوا على تكسير القبائل.
عندما كان للقبيلة سطوتها وقوتها لم تكن هناك مشاكل وذلك لأن السيطرة على مجريات الأمور لديها تكون سهلة خاصة وأن القبائل تحترم زعاماتها، وعندما ضعفت القبيلة اختلت الموازين.
“أمين فلين” وزير؟
–    أكيد أنا أمثل حزبي وأرفض أي املاءات لا أفرق بين هذا من الحزب الكذا أو الكذا، عينت ناس في مواقع قيادية، المدير العام كان من “شندي” باعتبار أن الموقع بتاع الكل وما بتاع وزير معين في حين أن الكثير من الوزراء كانوا يعينوا أقرباءهم .
{ ظاهرة نواب بالكفالة؟
–    هدفنا لوقف تصدير النواب البرلمانيين أو استيرادهم من مناطق أخرى، وكان هناك اتفاق تام بأن يحدث تغيير، وأن أبناء المنطقة يمثلوا أنفسهم، لذلك جاء شباب طموح وتوقفت حكاية النواب المستوردين إلى مناطق أخرى، ودي كانت النهاية لاستيراد النواب البرلمانيين لانو بعد ذلك سقط عدد كبير من المترشحين في غير مناطقهم خاصة في (النيل الأزرق) و(كردفان) و(جبال النوبة).
{ سابقة استقالتك من حكومة الديمقراطية وكانت الأولى على ما أظن؟
–    بعد اتفاق (الميرغني قرنق) للسلام حصل تصويت داخل البرلمان، وأنا نائب برلماني وفي نفس الوقت وزير، ورغم هذه الصفة الأخيرة، إلا أنني صوت لصالح الاتفاق الذي تم، وطبعاً كان هذا عكس قرار الحكومة والتي أنا جزء منها، وموقفنا كان أنه لا بد أن نقف موقفاً مع قواعدنا وجماهيرنا في البحث عن السلام بأي ثمن، وهنا موقف المعارضة كان صحيحاً وكان لا بد أن نقف معهم احتراما لأنفسنا، وبالتالي كان لا بد أن أقدم استقالتي، وقد حدث ذلك بعد الجلسة مباشرة، حيث ذهبت إلى مكتب رئيس الوزراء في البرلمان، لكنه رفضها وهذه من المواقف التي نحمدها للسيد “الصادق المهدي”.
{ كيف تعاملت الصحافة مع هذه الاستقالة المثيرة للجدل؟
–    للأسف تعاملت مع الحدث بسلبية وجابوا لي صورة مضخمة من قريب في التلفزيون للاستخفاف، طبعاً صحافة الحكومة ما قصرت، جابوا كاركاتيرات عني وحاولي تناسي موقف تقديم الاستقالة.
{ وبعد رفض الاستقالة؟
–    طبعاً واصلت عملي عادي، وبالمناسبة موقفي كان موقفاً حزبياً.
{ هؤلاء في أسطر وأنت عملت معهم.. نبدأ بالراحل “نقد”؟
–    كان نائباً مثالياً في الجمعية التأسيسية، وكان قيادياً مميزاً، وبفقده افتقد الحزب (الشيوعي) البوصلة التي توصلهم للأهداف وباتوا يتخبطون يمنة ويسرى، ورغم أنني لم أكن شيوعياً في يوم من الأيام أستطيع أن أقول أنه أكثر حزب تعاملت معه.
{ علي عثمان محمد طه؟
–    أدى دوره كزعيم معارضة على أكمل وجه، في الجمعية التأسيسية كان لنا مواقف مع حزبه وهم يحاولون إرضاء الشعب ونلتقي عند هذه النقطة، اتفق بأن هناك أخطاء كان يجب أن تعالج في ذلك الوقت.
{ رئيس الوزراء السيد “الصادق”؟
–    ليس في إمكانه أن يكون أفضل مما كان نسبة للظروف المحيطة به وداخل وخارج حزب (الأمة)، كان محاطاً ببعض من يسبحون عكس التيار، وهذا ما أدخله في مشاكل خاصة في “كردفان” و”دارفور”، ولم يجد فرصة كافية.
{ الأب “فيليب غبوش”؟
–    زعيم قومي سوداني يصعب أن يتكرر بسهولة، وقد أفلح في أن يجمع كافة الألوان والأديان.
{ الترابي؟
–    رجل شخصية وهو عالم ومفكر لديه قدرات سياسية عالية إذا أحسن استغلالها يمكن أن تؤدي لخير كثير للسودان.
{ الشريف زين العابدين؟
–    كان هو الأقرب إلينا كحزب قومي سوداني وجماهيري على الأقل أن حزبه لم يسهموا في سفك الدماء بصورة مباشرة في مناطق الهامش ولم نعرف عنهم القيام بتسليح أو تحريض قبلي، لذلك التعاون بيننا كان موجوداً وخاصة فترة المعارضة التجمع الوطني الديمقراطي فقد وفقوا معنا كثيراً وتقديرنا لقياداتهم الموجودة وعلى رأسهم السيد “محمد عثمان الميرغني”.
{ الرئيس الأسبق “جعفر نميري”؟
–    من القادة العظام وهو شخصية قوية وسوداني أصيل وهو أول من أعطى بعض الحقوق لأهل الهامش والأقاليم.
{ الرئيس “البشير”؟
–    رجل وطني غيور ومخلص لهذا البلد، وأعتقد أن موقفه الحالي والدعوة لحوار جاد ومخلص وحر لكل أهل السودان خير دليل على حبه لوطنه ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فعل بعض الأيادي التي خربت البلد.

 

صحيفة المجهر السياسي

نجل الدين آدم – نجدة بشارة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *