بدء مناورات رعد الشمال

بدء مناورات رعد الشمال

وجدت المملكة العربية السعودية التي تقود تحالفاً عربياً وإسلامياً في حربها باليمن لإعادة الشرعية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، في مواجهة جماعة الحوثيين المدعومة من ايران، وجدت نفسها بعد ان دخلت روسيا بثقلها في سوريا لمنع سقوط الرئيس السوري حافظ الاسد، مضطرة للإعلان عن عزمها الدخول في حرب برية بسوريا، واعلنت عن ذلك من خلال حلف الإسلامي الذي يضم «35» دولة عربية واسلامية، ودشنت تلك الدول يوم السبت الماضي مناورات رعد الشمال العسكرية بالسعودية بمشاركة «20» دولة، تشمل دول مجلس التعاون الخليجي وباكستان والسودان وتركيا وماليزيا والمغرب ومصر.
الإعلان عن التحالف الاسلامي في منتصف ديسمبر الماضي، اوضح انه من المقرر تأسيس مركز عمليات مشترك في العاصمة السعودية الرياض، ومن بين الدول المشاركة في التحالف تركيا والاردن وتونس وليبيا ومصر والسودان وباكستان واندونيسيا، وبحسب وزير الدفاع السعودي محمد ابن سلمان فإن من بين مهام التحالف الجديد تنسيق الجهود ضد المتطرفين في العراق وسوريا وليبيا ومصر.
وتبدو السعودية مصممة على خطوة الحرب البرية في سوريا، فقد سبق أن صرح مستشار وزير الدفاع السعودي والناطق الرسمي باسم تحالف عاصفة الحزم العميد احمد عسيري في مؤتمر صحفي ببروكسل في الحادي عشر من فبراير الجاري، بأن اعلان السعودية المشاركة بقوات برية على الارض لا رجعة فيه، وسيتم تنفيذه وفقاً للآليات التي تم الإعلان عنها، موضحاً انهم جاهزون لإرسال قوات برية بمجرد اتخاذ التحالف قراراً بذلك، وفي تفسيره للإقدام على هذه الخطوة يقول إنه لا يوجد اي طرف خارجي يحارب داعش في سوريا على الارض حالياً، متهما ايران التي لها قوات على الارض في سوريا بأنها تدعم مليشيات ارهابية بسوريا والعراق، وأكد عسيري الانتهاء من الجهود الدبلوماسية لتشكيل التحالف الإسلامي، وقال إن دخول التحالف الاسلامي ضد الإرهاب سيكون في حيز التنفيذ خلال شهرين.

تحالف ضخم
يعتبر التحالف هو الاول من نوعه في المنطقة، فهو يمتلك مقومات بشرية وعسكرية ضخمة، اذ يشمل وفق المعلومات بالمواقع الاسيفرية مليار و «31» مليون نسمة من «35» دولة، بينهم اكثر من اربعة ملايين عسكري، ويضم دولة نووية هي باكستان، ويمكنه استخدام اكثر من «2500» طائرة حربية تتضمن مقاتلات وقاذفات صواريخ والطائرات الاعتراضية، اضافة الى ما يقرب من «21» الف دبابة و «461» مروحية واكثر من «44» الف مركبة قتالية، وتعتبر تدريبات رعد الشمال التي بدأت في السعودية في «14» فبراير وتنتهي في العاشر من مارس المقبل أخيراً، أكبر تدريبات عسكرية على الاطلاق في الشرق الاوسط، فهي تضم اكثر من «150» الف جندي، من دول الخليج والسودان ومصر والمغرب وباكستان وبنغلاديش والاردن والسنغال.
ورغم مرور العلاقات التركية السعودية بشيء من الفتور إثر تأييد السعودية الاطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي الأمر الذي تنتقده تركيا بشدة، ولكن المصائب يجمعن المصابين في سوريا، فقد تحسنت العلاقات بين البلدين لدرجة المشاركة في حلف واحد، وعلى خلفية ذلك وصلت الطائرات السعودية والإماراتية لقاعدة «انجرليك»العسكرية بتركيا، وقد نفذ البلدان الشهر الماضي مناورات طيران مشتركة، فالسعودية تخشى من التمدد الايراني فهي تحاربها في سوريا، بينما تخشي تركيا من اقامة دولة كردية في سوريا، مما قد يدفع اكراد تركيا إلى السعي للانضمام اليها.
ارتباك
التحالف الذي اعلنت عنه السعودية اربك حسابات الاطراف التي تخوض الحرب في سوريا، وفي مقدمتها روسيا التي تدعم الأسد عبر الحرب الجوية بقوة بذريعة الحرب على داعش، وان كانت طائراتها لا تضرب الا مواقع المعارضة التي تحارب الأسد، وكذلك الولايات المتحدة التي تقود حلفاً دولياً لمحاربة داعش في العراق وسوريا، فموسكو لاول مرة تتقبل الحديث عن هدنة في سوريا، وسعت بالاتفاق مع واشنطون لتقديم المشروع لمجلس الامن الدولي الذي اجاز المشروع ليلة الجمعة الفائتة ليبدأ سريانه صبيحة السبت الماضي، ويستثني تنظيم الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، وكان الرئيس الروسي قبل عرض مشروع الهدنة على مجلس الامن قد اتصل بخادم الحرمين سلمان.
فالعنوان الرئيس للتحالف هو محاربة الارهاب، وان كانت السعودية تضع نصب عينيها تحقيق هدفها الذي تسعى اليه، الا وهو رحيل بشار الأسد عن سدة الحكم في سوريا، فانتصار الاسد على المعارضة المعتدلة التي تدعمها السعودية مفاده انتصار ايراني روسي محض، فإيران التي القت بثقلها في سوريا نصرة لحليفها الاسد وكذلك حليفها في لبنان حزب الله بقيادة حسن نصر الله، وقد اختبرت السعودية السيطرة الايرانية من قبل في العراق الذي صار المحافظة الثانية والثلاثين لايران، وتالياً محاولة ايران عبر ذراعها الحوثيين بقيادة عبد الملك الحوثي السيطرة على اليمن، مما دفع السعودية لقيادة حلف عاصفة الحزم بمشاركة دول الخليج والسودان ومصر لاعادة الشرعية للرئيس اليمني هادي الذي انقلب على حكمه الحوثيون، فايران التي تسعى لتطويق السعودية جنوباً عبر اليمن وغرباً من خلال البحرين والكويت التي بها كتلة مقدرة من الشيعة وشمالاً من العراق، تدعم وبقوة الشيعة في مملكة البحرين الذين يقودون معارضة قوية من الشيعة بقيادة عدد من كيانات الشيعة أبرزها «جمعية الوفاق»، ويلاحظ ان للسعودية حدوداً مباشرة مع العراق واليمن والبحرين.
ردود الأفعال
بطبيعة الحال فإن التحالف لم يرض ايران وحلفاءها، فحزب الله اصدر بياناً اتهم فيه التحالف بالمشبوه، واعرب عن شكوكه العميقة في الخلفيات والاهداف من وراء التحالف، وانتقد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تشكيل التحالف دون استشارة بلاده، وعد ذلك خطأً جوهرياً، اما ايران فقد وصفت التحالف بانه غير جاد في ما ذهب اليه من حرب برية بسوريا.
وفي مقابلة مع صحيفة «البايس» الاسبانية وفقاً لـ «سي. سي. ان» العربية نقلتها وكالة الانباء السورية الرسمية رداً على السؤال: كيف ستردون اذا تدخلت سوريا وتركيا، قال: إن ذلك مجرد زعم، لكن اذا حدث ذلك فإننا سنتعامل معهم كما نتعامل مع الارهابيين، وسندافع عن بلادنا.. انهم لا يملكون حق للتدخل في سوريا لا عسكريا ولا سياسيا، فهذا انتهاك للقانون الدولي. ووزير الخارجية السوري وليد المعلم صرح بأن الجنود السعوديين سيعودون في صناديق خشبية اذا دخلوا سوريا دون اذن حكومتها.
محاذير
الصحافي عبد الباري عطوان في احدى مقالاته قال: هناك نظريتان حول الدفع السعودي المتصاعد باتجاه الحرب في سوريا، الاول ان القيادة السعودية تلوح بالحرب البرية كورقة ضغط للوصول لحل سياسي يجبر روسيا على التنازل عن موضوع مستقبل الاسد، لأنه من الصعب على السعودية ان تخوض حرباً ثانية دون حسم حربها في اليمن، والنظرية الثانية ان السعودية جادة في تفجير حرب مواجهة ميدانية في سوريا، لأنها لا تستطيع بعد مرور خمسة اعوام من التدخل والتسليح للمعارضة التي تحارب الأسد وتعبئة الرأي العام العربي اعلامياً التراجع، فالتراجع يعني خسارتها لهيبتها وربما نظام حكمها ايضاً، وقال إن ترؤس الأمير محمد بن سلمان الوفد السعودي الى بروكسل تمهيد لإعلان الحرب البرية في سوريا.
واشار الى تسريبات في مواقع استراتيجية قريبة من موسكو مفادها اتفاق بين القيادتين الروسية والسورية يقضي بدعم الاولى للثانية بالتصدي لأية قوات تخترق السيادة السورية فوراً وبقوة ودون الرجوع للقيادات العليا، يذكر أن تركيا وهي من اقوى اعضاء التحالف قد صرح وزير خارجيتها مولود تشاووش اوغلو بأن خيار الحرب البرية في سوريا ليس موضوعاً على الطاولة الآن، فهل يتأتى للسعودية خوض تلك الحرب دون المشاركة التركية؟
حظر السلاح
يوم الخميس الماضي صوت نواب البرلمان الأوروبي بأغلبية «449» صوتاً لصالح فرض حظر أوروبي على تصدير السلاح إلى السعودية، وحض قرار البرلمان الأوروبي مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد فيديريكا موغيريني، على إطلاق مبادرة تهدف إلى فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى المملكة العربية، بزعم مخاوفهم من أن تسبب عاصفة الحزم في آلاف الوفيات باليمن.
وتشير «بي. بي. سي» الى ان السعودية تشتري معظم أسلحتها من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن لديها عشرات العقود الكبرى تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات مع الدول الأوروبية الكبرى وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، فهل لقرار البرلمان الاوربي صلة بقرار الحرب البرية الذي أعلنته السعودية؟
سباق
يبقى ان الحرب البرية بسوريا امر معقد من عدة زوايا، منها الكلفة البشرية الباهظة على الأرض، والتي لا محالة ستصطدم بالدب الروسي مما يؤثر على العلاقات الدبلوماسية، فالسودان على سبيل المثال يجد نفسه في مأزق بين السعودية والدول العربية التي اخذت علاقاته في التحسن معها إثر مشاركته في عاصفة الحزم، وذلك بعد قطيعة مطولة، وروسيا التي تسانده في مجلس الأمن الذي يدبج القرارات ضده من فترة طويلة، احدثها مشروع القرار الأمريكي الذي دعا لحظر تصدير الذهب السوداني ضمن سلسلة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليه منذ عام 1997م، وقد بدا تردد السودان واضحاً من خلال تصريحات وزير الخارجية ابراهيم غندور، إذ قال ان خيار المشاركة في حرب برية بسوريا غير وارد، ولكنه عاد وبعد زيارة خاطفة لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير للخرطوم ولقائه بالرئيس عمر البشير، لينتقل من خانة التردد الى التأييد من خلال تصريحه الذي يقول ان المشاركة في الحربية ممكنة!
فضلاً عن وجود محاذير من اندلاع حرب مباشرة مع روسيا كما في الحالة التركية، وسبق لموغيريني ان اعربت عن خشيتها من اندلاع حرب بين تركيا وروسيا، خاصة بعد تدهور علاقات البلدين إثر إسقاط تركيا إحدى الطائرات الروسية التي دخلت مجالها الجوي في نوفمبر الماضي.
والآن ومنذ بدء سريان الهدنة بالسبت الفائت تتذمر الرياض وانقرة من الخرق السوري الروسي للهدنة، بينما تتحدث واشنطون عن دراستها لمزاعم الاختراقات، ويبقى أن مسوغات خوض السعودية الحرب البرية متوافرة وكذلك مسوغات الامتناع، فإلى أي من الاثنين تستند السعودية وحلفاؤها في قرار الحرب البرية؟!

 

صحيفة الإنتباهة

ندى محمد احمد

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *