بروفيسور محمود حسن أحمد .. منصب رئيس الوزراء

منذ استقلال السودان تم إنشاء منصب رئيس وزراء فى تسع مرات، حيث تبوأ هذا المنصب كل من: اسماعيل الأزهرى وعبد الله خليل فى التعددية الحزبية الأولى، وسر الختم الخليفة فى المرحلة الانتقالية الثانية التى أعقبت ثورة أكتوبر، ثم محمد أحمد محجوب والصادق المهدى فى التعددية الحزبية الثانية، وبابكر عوض الله والرشيد الطاهر بكر فى عهد مايو، والدكتور الجزولى دفع الله فى الفترة الانتقالية الثالثة التى أعقبت انتفاضة ابريل، ثم الصادق المهدى فى التعددية الحزبية الثالثة. ويلاحظ أن هذا المنصب كان موجوداً فى جميع فترات التعدديات الحزبية خلال الأحد عشر عاماً، أي بمتوسط عمرى تقريبى قدره سنة وشهران، وفى عهد مايو مرتان لمدة عام ونيف، وثلاث مرات لدى الحكومات الانتقالية. وبهذا يبلغ عدد السنوات التى كان فيها رئيس للوزراء حوالى ثلاثة عشر عاماً وبدونه خمسين عاماً «منذ الحكم الانتقالى فى سنة 1953م». وفى التعدديات الحزبية كان ملء المنصب وفق نظام الحكم البرلمانى«كان الاختيار من مجلس السيادة، ثم من مجلس الوزراء ثم من رأس الدولة»، وفى عهد مايو بنظام حكم رئاسي جمهوري «رئيس الجمهورية يعين ويعفى رئيس الوزراء»، وفى عهد الانقاذ لم يرد منصب رئيس للوزراء فى كلا الدستورين «أى دستور 1998 و 2005»، حيث أن رئيس الجمهورية هو الذى يرأس مجلس الوزراء. وعليه يتضح أن تعيين رئيس مجلس الوزراء، فى الفترة الانتقالية الأولى، كان من قبل الحاكم العام، وفى الفترة الانتقالية الثانية من مجلس السيادة، وفى الفترة الانتقالية الثالثة من رئيس الجمهورية مباشرة. ففى الدستور المؤقت لسنة 1956م كان تعيينه من مجلس السيادة من بين أعضاء البرلمان «المادة 23»، وأتاحت المادة «23» من الدستور المؤقت لسنة 1964م «عقب انتفاضة أكتوبر» تعيين رئيس للوزراء ينتخبه مجلس الوزراء من بين أعضائه، ويعين رأس الدولة بناءً على نصيحة رئيس الوزراء عدداً من الوزراء لا يقل عن عشرة ولا يزيد على خمسة عشر. ثم صار تعيين رئيس للوزراء جوازياً فى دستور 1973م وفق المادة «89»، حيث يجوز لرئيس الجمهورية تعيينه في ما يوكل اليه من مهام بقرار جمهورى يصدره، وله حق عزله أو قبول استقالته. وبعد انتفاضة ابريل ووفق الدستور الانتقالى لسنة 1985م أوضحت المادة «89» أن رأس الدولة يعين رئيساً للوزراء الشخص الذى تنتخبه الجمعية التأسيسية من وقت لآخر من بين أعضائها. أما فى دستور سنة 1998 فقد صار رئيس الجمهورية هو رئيس الوزراء «المادة 43/ب»، ونفس الوضع فى دستور 2005«المادة 57/د». وتلك المواد الدستورية الخاصة برئيس الوزراء كانت تحتم مسؤوليته لدى الجهة التى اختارته ومدها بالقرارات التى يتخذها مجلسه باستثناء القرارات الاجرائية الشكلية.. فحسب المادة «38» من الدستور المؤقت لسنة 1956م «من واجب رئيس الوزراء أن يبلغ مجلس السيادة جميع قرارات مجلس الوزراء في ما يتعلق بادارة السودان أو بأية تشريع مقترح، عدا القرارات الخاصة بالمسائل الشكلية البحتة والمسائل العادية. ومن واجبه كذلك أن يقدم الى مجلس السيادة جميع المعلومات التى يطلبها من وقت الى آخر عن المسائل الخاصة بادارة السودان أو بالتشريع المقترح». ونفس النص اللغوى تم نقله فى المادة «36» من الدستور المؤقت لسنة 1964م، أما دستور سنة 1973 فلم يحدد لرئيس الوزراء أية مسؤوليات خاصة به، وترك الشأن جوازياً لرئيس الجمهورية، ليعينه في ما يوكله «المادة 89»، بينما توسع الدستور الانتقالى لسنة 1985م فى اختصاصاته التى أجملها فى عبارة أعمال الحكومة التنفيذية والادارية «المادة 92/1». أما فى الدستورين اللاحقين «1998م و 2005م» فقد كانا بدون منصب لرئيس الوزراء، كما سبق القول، وبالتالى لم تكن هناك اختصاصات له.
والجدير بالذكر أن فترات وجود هذا المنصب شهدت خلافات ونزاعات بين رئيس مجلس الوزراء ومؤسسة الرئاسة، خاصة مع مجلس السيادة، وحتى مع السلطة القضائية فى عام 1965م. وعموماً فإن نظم الحكم ليست جامدة، وخاضعة للتطور الذى تمليه الظروف الواقعية، وتختلف من بلد الى آخر. وما يصلح هنا قد لا يصلح هناك، طالما لكل مجتمع حيثياته، ففى النظام الرئاسى الجمهورى الأمريكى يتولى الرئيس السلطة التنفيذية، ويساعده الوزراء كمستشارين، بحكم أنه المخول كلياً ممثلاً الشعب، والبرلمان يمثل الإرادة الجمعية المجسدة فى النيابات الجزئية. أما النظام الرئاسى الجمهورى المختلط فأنموذجه فرنسا منذ الجمهورية الخامسة. ولكل من النظامين سمات تؤخذ فى الاعتبار حسب كثير من المعطيات. ونحسب أن تشعب الحياة اليومية فى الدول النامية فى حاجة الى رئيس للوزراء، تحت رقابة مباشرة من الرئيس والبرلمان، ثم من السلطة الرابعة «الإعلام» والأحزاب وتنظيمات المجتمع المدنى. ودلت الممارسة السودانية للنظام الرئاسى البرلمانى على كثير من النزاعات بين مؤسسات الرئاسة، اذ أن كلاً منها ادعت الأولوية حتى فى شؤون بسيطة كالتمثيل فى المؤتمرات والتمادى فى المعارضة والخلاف بحكم أنها مفوضة من الشعب وليست معينة من قبل الطرف الآخر، كما حدث أيضاً لدى نظام الحكم الفلسطيني بين الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، وما حدث فى العراق. وعليه فإن الأوفق الآن للسودان أن يتولى رئيس الجمهورية تعيين وإعفاء رئيس الوزراء مباشرة، من عضوية البرلمان أو من خارجه، وحق رئيس الوزراء فى تشكيل الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وحق البرلمان فى محاسبة رئيس الوزراء وحكومته ورفع التوصية بإعفائه، كما هو الحال الآن مع الولاة والوزراء.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *