حمَّاد حمد محمد : ماذا يريد عارف الركابي من الصوفية؟!

نشر عارف عوض الركابي مقالاً بصحيفة «الإنتباهة» تحت عنوان «مراتب الأولياء عند الصوفية عرض ونقد»، بتاريخ الثلاثاء23/2/2016، ومن المعروف أنه من الوهابية المتشددين، وهذه المرة تطاول «حبتين»!.
أولاً قبل الرد عليه نعرِّفه بالصوفية وماهيتها.
سميت بالصوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها.. وقيل أيضاً لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عزَّ وجلَّ بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم النقية بين يديه. والطرق الصوفية هي مدارس في التزكية والتربية الروحية، وليس عقيدة كما يدعي الركابي، متفرعة من بعضها ومرتبطة بواسطة السند المتصل، وهي معتدلة المذهب، وجميعها تتبنى عقيدة الشرع الرباني القويم.
ولو نظرنا الى دخول الإسلام إلى السودان واندثار الدولة المسيحية، فذلك كان على أيدي العلماء المتصوفة، إذ نجد أنه منذ دخول العرب إلى السودان في القرن التاسع الميلادي -على الأرجح- ضمن حملة عبدالله بن أبي السرح التي وصلت حتى مدينة دنقلا عاصمة دولة المقرة المسيحية، واكتفت هذه الحملة بتوقيع اتفاقية البُقُط الشهيرة بين العرب الغزاة والنوبة في شمال السودان، وكانت أهم بنودها تتمثل في احترام حرية العبادة، فاستطاعوا أن يندمجوا في السكان المحليين من النوبة ويخلقوا فيهم تأثيراً اجتماعياً عميقاً، كانت ثمرته عمليتا التعريب والأسلمة في السودان الشمالي بقيام دولة الفونج وسقوط مملكة علوة بعد تخريب عاصمتها سوبا، وهي آخر مملكة مسيحية بالسودان في العام 1505، فكان السودان مجالاً رحباً لنشر دعوة جديدة، استخدم فيها شيوخ المتصوفة آلة «النوبة» لجمع الناس حولهم، ومن ثم فتح الخلاوى وتقديم الطعام والكساء مجاناً. ورحم الله الشيخ فرح ود تكتوك القائل «لو ما عجيني منو البجيني». إذن.. نور الإسلام الذي انبلج في ربوع السودان عامة ومازال، يرجع الفضل فيه من بعد الله لعلماء وشيوخ الصوفية، بل هؤلاء المتبجحون بالدفاع عن العقيدة والتوحيد تتلمذ شيوخهم على يد مشايخ الصوفية، وقد اعترف بذلك إمامهم «أبوزيد» (عليه الرحمة) في حوار له بهذه الصحيفة إنه تتلمذ على يد الصوفية في الأزهر الشريف.
ونجد أن هجرات علماء الصوفية قد توالت من مصر والحجاز والمغرب عن طريق استدعاء العلماء والفقهاء، فقد تطلع ملوك الفونج منذ البداية للأزهر وعلمائه وخاصة الملك بادي المعروف بسيد القوم.
* ماذا قال علماء الأمة عن الصوفية؟
قال الإمام أحمد الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال): إني علمتُ يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسه من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض ما يستضاء به.
وذكر الإمام تاج الدين السبكي في كتابه(معيد النعم) تحت عنوان: «الصوفية حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم». وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعيباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها، وذكر إنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا معهم.
وقال الأستاذ أبوالقاسم القشيري: جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره.
نعم.. هؤلاء هم الصوفية أهل الحضرات والكرامات، الذين أوصلهم الله بالزهد والتقشف، لأعلى المراتب والدرجات، التي لم يبلغ عارف الركابي معشار ما بلغوه منها.
نقول لعارف الركابي الذي وصف تسمية مراتب علماء الصوفية ومشايخهم بأنها تحمل عقائد شركية، فإن الشرك والكفر الذي تنعتون به أمة محمد «صلى الله عليه وسلم» التي مايزال لسانها رطباً على مدار الأربعة وعشرين ساعة بـ«لا إله إلا الله محمداً رسول الله». وإن نبينا الكريم قال في معنى حديثه بأن الذي ينعت الناس بكلمة الكفر«فقد باء بها أحدهما» ،أي الناعت أو المنعوت. وهي «لا تقع واطاه» فإن هذه المراتب هي مجرد تقسيم للتفاضل بين المشايخ في درجات العلم، كما في خلاوى القرآن، والتفضيل من حيث القرب من الله-كما نحسبهم- إذ هو حادث حتى في زمن الخلفاء الراشدين. وما حديث «يدخل عليكم رجل من أهل الجنة» إلا لقربى من الله نالها سيدنا سعد بن أبي وقاص. وما رواه أنس بن مالك أن رسول الله قال: «كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ».
بل حتى التابعين نجد أن ولي الله أويس القرني كان له فضل لدرجة أن يحث رسول الله أمير المؤمنين سيدنا عمر وسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن يطلبا منه أن يستغفر لهما.
وقدْ أخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب «من فضائل أويس القرني» رضي الله عنه:
«أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ الْقَرَنِيِّينَ ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوْ الدِّرْهَمِ فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».
فهل كل هذه الأدلة ألا تُثبت التفاضل بين العلماء، وكوننا نسميهم بأية تسمية، فهذا لا علاقة له بالشرك ولا بالكفر، ولا بادعاء الغيب ولا منازعة رب الكون في صفة من صفاته. فافتراء الركابي عليهم بنعوت اختلقها من بنات أفكاره وألبسها إيَّاهم، فسيكونون خصماء له أمام الواحد الديان.
وخزة أخيرة:
إن أخطر ما نعت به عارف الركابي علماء الصوفية، وصفهم بفاسدي العقيدة، بل ذهب أكثر من ذلك وشبه عقيدتهم بعقيدة النصارى، وهذا تكفير ضمني للصوفية. ولأن النصارى عقيدتهم «بأن الله ثالث ثلاثة» وقد قال الله فيهم «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة».
في الختام أنصح الركابي، إن كان ناصحاً، فنصحه أولى به جماعته الذين يكفرون أمة محمد، وهناك من يحرمون ويحللون أشياء معلومة من الدين بالضرورة، بل وهناك من لا يعترفون بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كالقرآنيين وغيرهم، من ينقضون عُرى الإسلام، هم أولى بذلك، ونسأل الله لنا ولك الهداية.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *