بعد غربة دامت «15» عاماً … د. علي الحاج في الخرطوم

حينما لامست عجلات طائرة الخطوط الجوية التركية القادمة من «استانبول» مدرج مطار الخرطوم، كانت الساعة تشير إلى الثانية وعشرة دقائق من صباح البارحة الإثنين الموافق السابع من مارس الجاري، كان لفيف من الناس يترقب بشوق مشوب بالحزن سلم الطائرة ويتطلعون الى القادمين ممنين النفوس بالتعرف من النظرة الأولى إلى د. علي الحاج محمد، ويتساءلون في صمت.. ترى، هل تغير شكل الرجل الذي فارقهم 15عاماً؟ وحينما ترجل د. علي الحاج القادم من «فرانكفورت» عبر استانبول، من سلم الطائرة تلقته أمواج من المشاعر والهتافات الجياشة تحملها أحضان العديد من إخوته في الحركة الإسلامية وشباب وشيوخ المؤتمر الشعبي بترتيبات من الأمانة العامة. وكان على رأس القائمة الشيخ آدم الطاهر حمدون والحاج آدم يوسف وصلاح عبدالله وآخرون كثر، وكانت المشاعر الطاغية حتى على فرحة أولي القربى بقدوم الغائب هي المصاب الجلل والحزن الدفين والأسى الصامت على رحيل الشيخ حسن عبد الله الترابي، كيف لا وهو السبب الرئيس في تعجيل د. علي الحاج العودة المفاجئة التي كانت بمثابة الترياق الذي يقابل تحديات ومعطيات الرحيل المفاجئ للترابي.. وهكذا هي تصاريف الأقدار التي دائماً ما تفرض خياراتها المحضة.

حضور طاغٍ وشباب دائم
سوى علامات الحزن الدفين المغطى بالصبر الجميل، لم تبد على د. علي الحاج علامات وعثاء السفر، فقد بدا متماسكاً جوهراً ومظهراً يكاد من لا يعرفه يظن انه في الأربعينيات من عمره، ولعل هذا من فضل الله على بعض الناس، يحفظ لهم ربهم قواهم لمجابهة التحديات على مر العقود، وكذا هم شيوخ الإسلاميين ممن لم يستجيبوا لزهرة وفتنة التمكين والسلطة، يتمتعون بالصحة وموفور العافية وحمل الأثقال من المكرمات وتدخرهم الحركة ليوم كريهة وسداد ثغر، ود. علي الحاج يعتبر من أبرز قيادات الصف الأول للإسلاميين، ويحمد له شباب الحركة وهياكلها الفاعلة انحيازه الى جانب الشيخ الترابي في المفاصلة الأولى وخروجه في عزلة مجيدة نحواً من «15» عاماً.
أحاديث في الصالة الرئاسية
قبل مقدم د. علي الحاج واسرته ومرافقيه كانت الصالة الرئاسية بمطار الخرطوم تضج بالحضور بعد ان آذنت السلطات بفتحها تكريماً للعائد الكبير، وكان القيادي التاريخي بالحركة الإسلامية صلاح عبد الله يتحدث عن ايام لها إيقاع حينما تم تجنيده في العام 1958 بواسطة علي الحاج ليصبح احداً من رموز التنظيم المختصين بعالم الطباعة والتصوير الملون وأشياء من هذا القبيل، وقال صلاح عبد الله «د. علي الحاج رجل يتحلى بالحكمة والخبرة وهو عرابي الأول في الدرب الإسلامي وانا سعيد بعودته وجئت لاستقباله وتقديم واجب العزاء له في رحيل الفقد الكبير للأمة السودانية والاسلامية شيخ حسن. وبضيف صلاح: قبل شهرين كنت في رحلة استشفاء بالمانيا وقد زارني علي الحاج في مشفاي وتمنى لي عاجل الشفاء وتجاذبنا أطراف الحديث عن الهموم العامة والخاصة.
حديث علي الحاج
بعد هدوء مشاعر الحزن كان لابد للقادم المحتفى به من إلقاء كلمة مقتضبة تليق ورهبة المناسبة، ولذلك قال د. علي الحاج محمد ان القلب ليحزن وان العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الله، فالموت سبيل الأولين والآخرين وهي محطة سيصلها الجميع حتماً مقضياً. ولكنني اعود اليوم لأعزي نفسي وأعزي اخوتي وكل الذين آلمهم الرحيل المفاجئ للشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي، وأضاف الحاج: أعود ايضاً لاستمع وأرى مسيرة الحوار الوطني الذي تعيشه البلاد، اريد ان اري وأسمع من واقع القرب. واتمنى ان يعود للبلد الامن والاستقرار وان تتوقف الحرب ونزيف الدماء وان نشهد المصالحة العامة الشاملة.
قادمون على متن الحزن
قدم من العاصمة البريطانية «لندن» على متن ذات الخطوط التركية اسرة د. عبدالحليم الترابي وهي تتأبط الحزن والأسى للفقد الجلل، كما قدم من عاصمة الضباب لذات الغرض القيادي الشاب صديق محمد عثمان وكانت السمة البارزة التي طغت على مشهد القدوم هي الحزن ثم الحزن ثم الحزن حتى ان بعضهم طلب ربما لحاجة في نفس يعقوب، التحرك مباشرة من المطار الى مقابر بري الشريف لإلقاء نظرة على القبر الذي ضم رفات الترابي والترحم عليه بعد سكب الدموع السخينة.
تساؤلات تملأ الفضاء
من الطبيعي جداً رغم قسوة المناسبة ان تكثر التساؤلات حول معطيات عودة علي الحاج، وقد سأل بعضهم بالفعل هل عاد د. علي الحاج عودة نهائية كما ظل الحديث عن عودته يتردد في الآونة الاخيرة ؟ ام انه عاد لتقبل وتقديم العزاء وانجاز المشاورات مع اخوته في التنظيم ثم الرجوع الى المهجر؟ ولعل هذه التساؤلات هي ما جعلت علي الحاج يؤكد في كلمته المقتضبة بالصالة الرئاسية بمطار الخرطوم على حقيقة ومغزى ودوافع المجيء، فهو جاء كما أفصح بصريح العبارة ليعزي نفسه ويعزي اسرة الشيخ حسن الترابي الصغيرة والممتدة والكبيرة، ثم انه جاء ايضاً لاستكمال رؤية جوانب الصورة حول الحوار الوطني وما اذا كان فعلاً يمضي باتجاه الحل ولذلك قالها بصريح العبارة «جئت لأسمع وأرى»، باعتبار ان البعيد عن العين بعيد عن القلب، ما لم تحدث المشاهدة العيانية والسماع المباشر لتتضح الصورة ومن ثم يسهل الحكم علي الاشياء، ود. علي الحاج كان بعيداً في مهجرة ومقر اقامته بمدينة «بون» الألمانية، وكان في كثير من الأحيان يزوره بعض أهل السلطة وينقلون له الرسائل حيث زاره بروفيسور ابراهيم غندور وزير الخارجية الحالي ومساعد رئيس الجمهورية لحظة الزيارة ونقل له رسالة من الرئيس، وقام د. علي بدوره بتحميل غندور رسالة الى الرئيس البشير، وجاء آخرون غيره، وكان هذا الملف مطروقاً في الإعلام لانه يتعلق بمسيرة الحوار الوطني ودعوة الرئيس له، وكانت مساهمة علي الحاج في الحوار بناءة وذات صدى واسع.
نهاية مطاف الحوار
ومن الملفات المطروقة آنياً والمتعلقة بمعطيات عودة د. علي الحاج هو كيفية استشراف مستقبل العلاقة بين أطراف الحوار الوطني الذي أخرج ثمراته بإذن ربه، خصوصاً وان ربان فكرة سفينة الحوار الوطني والنظام الخالف ترجل ملبياً نداء ربه إثر نوبة قلبية ساهمت في إبراز الرحيل المفاجئ الى العلن ليخلف وراءه فراغاً عريضاً وكئيباً وتساؤلات مشفقة عن هل سترى مخرجات الحوار الوطني النور بعد رحيل الترابي، أم ان عوارض البلاء وجهد القضاء والأقدار سطرت في الأزل لهذا البلد المزيد من الرزايا واقتضت المشيئة اختطاف داعي الإصلاح بالموت ليخلو للمفسدين في الأرض وأعداء السلام والمصالحة الجو فتبيض طيورهم المشؤومة وتفرخ المؤامرات الساعية الى نسف مسيرة الحوار الوطني خصوصاً وان ما رشح من أخبار من آخر مؤتمر للشورى الخاصة بالحزب الحاكم هو إعلان النوايا المضادة لمخرجات الحوار الوطني والجهر بإلحاق الأذى بها بعد افتضاح عمليات تزييف إرادة ومداولات الذين كانوا يتحاورون داخل قاعة الصداقة شهور عدة، بيد أن آراء اخرى بدت تسري بين المتداولين حول مآلات الأوضاع في الفترة القادمة، أشارت الى إمكانية اتخاذ مناسبة رحيل الترابي وما أفرزه من حراك على كل المستويات لتحقيق مراد الرجل في رؤية سودان خال من الحروب والنزاعات والخلافات السياسية العقيمة في غضون عامين بعد إجازة الجمعية العمومية للحوار الوطني لمخرجات ما تم في قاعة الصداقة من إجماع قومي حول مختلف قضايا الأزمة في السودان.
آمال معلقة
ورغم تمدد المساحات المغطاة بسحائب اليأس من إمكانية الإصلاح وتلافي الكوارث الماحقة إلا ان بعض المتابعين ينظرون الى عودة د. علي الحاج محمد بالكثير من الارتياح، كون الرجل يعتبر من اوائل الداعمين لفكرة الحوار الوطني ووثبة السيد رئيس الجمهورية وقد سبق وان نشرت «الإنتباهة» العديد من الحوارات الصحفية التي أجريت معه عن الحوار الوطني وهو يتوافق مع الزعيم الراحل والرئيس حول ضرورات تنفيذ مخرجات الحوار الوطني لتقليل فرص الحريق الكبير والوقوع في شبكة الاستقطاب الاقليمي والدولي الذي يجمع شتات الأزمات لتجهيز مسرح الأحداث المستقبلية بناء على معطيات الراهن السياسي بالاستفادة من حالة التشرذم والاحتراب الحاصلة، كما ان د. علي الحاج يتمتع بكاريزما معروفة في فتح النقاشات حول مختلف قضايا الأزمة في السودان. وقد سبق وان أعطى وصفات محكمة لقضايا الحكومة الانتقالية وكيفية تكوينها وقضايا توسيع مواعين المشاركة الشعبية في الحكم إضافة الى كيفية حل مشكلة الحريات والحقوق.
ارتياح تنظيمي
على صعيد هياكل المؤتمر الشعبي ينظر الكثير من الشباب الى عودة د. علي الحاج باعتبارها في وقتها المطلوب تماشياً مع ظرف الفاجعة. فالتنظيم أظهر تماسكاً منقطع النظير باختياره للشيخ إبراهيم السنوسي أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي، وهي رسالة موجهة للذين يظنون ان رحيل الشيخ الترابي يعني انفراط عقد حبات المسبحة، لقد أثبتت الخطوة تماسك التنظيم وهياكله دون ان ينتقص ذلك من الاعتراف بأن الحركة في حاجة الى كاريزما قيادات الصف الأول الممسكين بمختلف الملفات لاستكمال المشروع الكبير الذي كان يعكف عليه الشيخ الترابي قبل رحيله المفاجئ، وهو مشروع الحوار الوطني والنظام الخالف.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *