فضل الله رابح .. حروف دامعة على شاهد قبر الشيخ الترابي

ليلة أمس الأول وصباح أمس، كانا من أصعب وأقسى الدورات الزمانية على الإسلاميين، رغم أنهم قد اعتادوا على صد المواجع وامتصاص الصدمات، إلا أن صدمة الرحيل المفاجئ للشيخ الداعية الإسلامي العالمي الدكتور حسن الترابي، كانت أقوى من أية صدمة مضت، وهو شعور تجسده الملايين الذين احتشدوا  وساروا خلف نعشه. كيف لا وهم يشيعون رجلاً أفنى جل عمره الذي ناهز الـ«84» عاماً في بناء هذا المشروع الإسلامي الحضاري الوسطي. والترابي منذ ثورة أكتوبر ظل يتشح بمشروع الحركة الإسلامية وهو يدرك أن جسده سيفنى ولكن سيظل مشروع الحركة الإسلامية جذوة متقدة.. في داخل سرادق العزاء حدثني ناجي دهب أحد شباب الإسلاميين المقربين لشيخ حسن، أنه أتاه بمنزله في أيامه الأخيرة وكان يحدثه عن دنو أجله وهو يريد أن يلملم أوراق المشروع الإسلامي لجمع الصف الإسلامي ويخلفه قيادي في القيادة وهو يريد أن يتفرغ للنظام الخالف الذي يوحد كل أهل الإيمان، وسيوقف ما تبقى من أيامه لخدمته. وكانت وصيته بأنه إذا مات بأن يدفن في أقرب مقابر، وهي مقابر بري التي ووري الثرى فيها.. بحضور نائب رئيس الجمهورية  حسبو محمد عبد الرحمن.

داخل صالونه.. التقى الفرقاء
ربما لم يكن في ذهن الإخوان المسلمين وتيارات الحركة الإسلامية يوماً، أن يلتقوا داخل صالون شيخ حسن وهم بذلك الحزن على رحيله، طالما كانوا في الماضي يعمرون ذلك الصالون بالفكر والذكر في حضرة الشيخ الترابي نجم الفكر والسياسة الساحر وصاحب البصمة والمنهج الحركي القويم والمطاوع في مسايرة الأنظمة السياسية والفكرية داخل وخارج السودان. حتى استوى مشروعاً وأصبح ملء السمع والبصر كما قال الشيخ راشد الغنوشي زعيم الإخوان المسلمين في تونس، عندما اتصل عليه تلفزيون السودان لعمل مداخلة حول رحيل الشيخ. فقال كلمة مؤثرة لا يزال صداها يرن في أذني حينما قال: «أنا تلميذ في مدرسة دكتور الترابي.. تعلمت منه الحوار والشورى والديمقراطية وأصول الفقه.. والترابي عالم ومجدد .. جمع بين الفكر الإسلامي والفكر الحديث.. جمع بين الجهاد بالفكر والتطبيق العملي..». وأضاف الغنوشي: «لم أشك في قائدي الترابي وهو يقود أول حركة إسلامية تصل للحكم حتى أصبح السودان دولة إسلامية».. جلس شيخ علي عثمان محمد طه وهو يحدق ببصره ويغوص بمخيلته في تاريخ عميق من النضال، كان فيه الشيخ الترابي النجم الأوحد بلا منازع، وكانوا هم الذراع الفكري الماضي وسط الطلاب، ثم تيار المعارضة. وأنا أصافح شيخ علي معزياً وقبله دكتور عوض الجاز الذي كان أكثر وجعاً وألماً لكنه يعتصر الوجع. ثم غازي صلاح الدين وحسن عثمان رزق اللذين كانا يجلسان داخل الصالون بجوار شيخ علي وأحمد إبراهيم الطاهر، وكذلك الشيخ الزبير أحمد الحسن ومهدي إبراهيم وابراهيم محمود والبرفيسور ابراهيم احمد عمر وعبدالقادر محمد زين ومحمد حاتم سليمان وجيوش من شباب وشيوخ الإسلاميين الذين آثروا الوقوف بجانب الدولة والمحافظة على كيانها، يقابلهم في الطرف الآخر الشيخ إبراهيم السنوسي ومحمد الأمين خليفة وكمال عمر وبشير آدم رحمة وأبوبكر عبدالرازق وخليفة الشيخ والصافي نورالدين وآدم الطاهر حمدون وعمار السجاد وسليمان حامد وحاتم عبدالفاضل وإجيال من الذين والوا الشعبي عقب المفاصلة، وأنا ألاحظ كل تلك الجموع من تيارات ومدارس الحركة الإسلامية المتوحدة فكرياً ومنهجياً والمقسمة أيدي سبأ سياسياً واجتهادياً، نظرت إليهم وإلى جوارهم يجلس تيار اليسار ممثلاً في قيادات الحزب الشيوعي يوسف حسين وفاروق أبوعيسي الذي تبع النعش من المشفى وحتى البيت، وتيار المستقلين بقيادة إبراهيم الشيخ وجموع الأنصار بكل تياراتهم وأحزابهم يتقدمهم أحمد المهدي وسارة نقد الله التي تبعت النعش حتى مثواه الأخير بالمقابر وهي تذرف الدموع، وكانت منذ الليل ترابط هي ومريم الصادق المهدي التي بكت كما لم تبك عزيزاً من قبل. والأمير عبد الرحمن الصادق المهدي بعمامة الأنصار المميزة وكل شيوخ ورموز الطرق الصوفية الذين كانوا يدعون للراحل الشيخ الترابي كل بتوسله وطريقته المحببة في الدعاء.. نظرت الى كل أولئك وقد تقافزت الى خاطري جملة من الأسئلة والاستفسارات على شاكلة: هل السودان مقبل على تاريخ جديد انطلاقاً من النظام الخالف الذي طرحه الشيخ الراحل قبل رحيله؟؟هل الإسلاميون في السودان بكل تياراتهم وأطيافهم قادرون على إنتاج مشروع وحدة جديد انطلاقة من وحدتهم خلف نعش الشيخ، وليصبح نافذة يجمع شتاتهم وتوحد كلمتهم؟؟ هل الإقبال الجماهيري الهادر للإخوان المسلمين في السودان وهم يشيعون شيخ الإسلام ومربي الأجيال الدكتور الترابي الى مثواه الأخير بمقدوره أن يصنع تحدياً جديداً؟؟
لبابة الفضل وحاج ماجد سوار.. كل أمسك بطرف حزنه وبكى
كان المنظر الملفت للجميع وربما غير المألوف للبعض هو اتباع بعض النسوة من كوادر العمل الإسلامي النسوي إلى جنازة الشيخ وهن ينتحبن بكاءً ويلهجن بالدعاء والغوث وطلب الرحمة، وفي مقدمة هؤلاء النسوة الأستاذة الجامعية لبابة الفضل التي بكت حتى تهدج صوتها وهدرت بالدعاء حتى أشفق عليها الجميع ثم أمسكت بعمود الكهرباء جوار المقبرة وهي تنوح من ألم الفراق المر لرجل ظل نصيرًا للمرأة وحررها بتعاليم الدين عن تقاليد المجتمع، وجرد نفسه لخدمتها وإعطائها حقوقها بالمنزل والعمل حتى بات السودانيون أوفياء لعقود الزواج أكثر من عقود التجارة كما قال في آخر خطبة له بمسجد القوات المسلحة.. وأنا أهم بالخروج من مقابر بري، فإذا بي أرى حاج ماجد سوار وهو ينزوي وهو يحادث أحد الإخوان ربما لم يلتقه منذ أمد، لكنهما التقيا عند شاهد قبر شيخ الإسلاميين.. بالجد كان مشهد تشييع جموع الإسلاميين وأهل السودان للشيخ الترابي لا توصفه الكلمات، بذات القدر الذي لا تستطيع عبارات اللغة العربية أن تعدد وتوصف تاريخ ومواقف الشيخ الترابي الذي تلتقي عنده كل التيارات السياسية من أقصى اليمين والى أقصى اليسار. رجل لا يحب الجدال لكنه مؤمن بالحوار بالتي هي أحسن، وكثيرًا ما يقول كلمته وينصرف غير مكترث لمضاعفاتها طالما أنه يبتغى بها مرضاة الله، وفي هذا أعجبتني عبارة قالها دكتور غازي صلاح الدين لإحدى القنوات وهو يعدد مآثر الشيخ الترابي حيث قال: «الترابي كل شأنه لله والوطن ولم يكن له شأن خاص».. هكذا في تقديري اكتسب شيخ حسن حب الناس له لأنه يجمع ما بين الأشياء كلها كما جمع حبه من قبل الآخرين بين الحب والاختلاف، ولذلك كان نواح الرجال من الشباب والشيوخ يوم رحيله وهو يتشح بكل ألوان التقدير والاحترام من كل العالم وهو المولع بحراسة رسالته ومساهماته النبيلة في الصحوة الإسلامية. وتحضرني أحد مواقفه العالمية حينما اختلف المجاهدون في أفغانستان بعد بلوغهم السلطة، وقد طار إليهم ومكث معهم أياماً يدير الحوارات بين حكمتيار ورباني وأحمد شاه مسعود وعبد الرسول سباغ حتى كتب الله على يديه صلحاً بين المجاهدون.. كما أن الترابي لا يزال يحتفظ بعلاقات حميمة وودودة مع قيادات العمل الإسلامي بدولة الجنوب الذين يمثلون نواة لحركة الإسلام التي توسعت في كل أنحاء الدنيا. حيث شكل الدكتور عبد الله دينق نيال وأبوبكر دينق ورموز إسلامية رفيعة حضوراً طاغياً في سرادق عزائه ومراسم التشييع وبكوه بدمع غالٍ.
الشيخ صادق عبد الماجد.. حزن الرحيل
حضر باكراً رئيس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ صادق عبدالله عبدالمجيد، يرافقه الدكتور الحبر يوسف نور الدائم وأعضاء الجماعة وهو يتكئ على عصا الحزن رافضاً كل الرجاءات بأن يجلس على كرسي ويحمله شباب الإسلاميين. وكان شيخ صادق آخر الذين غادروا شاهد قبر الشيخ الترابي بعد أن دعا له منفردًا بعمق ومثله كان شيخ العرب حسن صباحي وعمر سليمان وعيسى بشرى والشيخ جابر الأنصاري ومحمد حامد البلة وهم يبكون الشيخ في صمت الكبار وهو قد فارق الحياة، ولكن تظل بيعة الحركة الإسلامية معلقة في رقاب الجميع مهما تفرقت بهم طرق ومسارات السياسة. ويظل شيخ حسن عند الإسلاميين كنزاً اكتشفه الآخرون قبلنا واحترموا ثقافته وفكره واجتهاده عندما نعوه بعبارات التبجيل ووصفوه في قنواتهم وإذاعاتهم بفقيد الأمة الإسلامية المفكر والمجدد الذي أحدث ثورة فكرية عالمية بلغت تداعياتها كل أركان الدنيا حتى صنف ضمن عشرة شخصيات عالمية كان الأكثر تأثيرًا في تشكيل العالم وتغيير مجرى الأحداث. وفي تقديري هذا التصنيف لم يأت من فراغ.. لم أشهد في حياتي دكتور محمد محجوب هارون وأمين حسن عمر بذلك الحزن الذي رأيتهما ليلة شيوع خبر وفاة الشيخ. وهو حزن ربما يستفز جيل المفكرين منهم لإنتاج ترابي آخر ولزمان جديد مثلما صنعت تحديات أكتوبر وقبلها ثم الأحداث بعدها شخصية الدكتور حسن الترابي الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بتجرده وبناء ذاته لخدمة الإسلام ودعوته حتى صنع أجيالاً من المفكرين أمثال التجاني عبد القادر وعبدالوهاب الأفندي وسيد الخطيب..
في يوم حل كيان طلاب الشعبي
شيخ حسن في أيامه الأخيرة ظل كثيرًا ما ينظر لما بعد الموت. وأذكر في رمضان الماضي لبينا دعوة طلاب حزبه للإفطار السنوي كنا برفقة مأمون حسن أمين طلاب المؤتمر الوطني وعندما فرغنا من الإفطار طلب من مأمون بأن يدنو منه وقال له لم يعد هناك وقت للتقسيمات والعمل الممزق خذ هؤلاء وهو يشير إلى طلاب الشعبي وأجمعهم بأولئك وهو يقصد طلاب الوطني واضربوا من قوس واحد، ثم ضحك ضحكته المحببة.. وأضاف نحن خلاص اقتربنا من القبر ولا بد من وضع أفضل يخلف ما نحن فيه.. عصام الدين الترابي برغم الألم وشدة الفراق إلا أنه ظل متماسكاً بفراسة وقوة الرجال، ظل يكبر ويهلل ويضغط على نفسه. أما صديق فكان الأكثر ثباتاً وكأنه كان مهيأ لهذا الموقف أكثر من غيره من إخوانه وهو يستقبل الجموع الهادرة التي وفدت من المركز والولايات..
اليوم رحل عنا الشيخ حسن الترابي، ومن نعم الله أنه غادر الفانية ولم تحدث فتنة بسبب الخلاف، وقد تمكن من قيادة السفينة بثرائه الفكري وقدرته على مطاوعة الأحداث.. ويبقى السؤال: هل سيتوحد الإسلاميون بعد أن سُلم الرئيس المشير عمر البشير وإخوانه في قيادة الدولة والحزب كل مفاتيح الحوار الوطني وعناصر جمع الصف الوطني كافة وإخوانه على وجه الخصوص.. هل يفعلها الإسلاميون بعد رحيل الذراع الفكري لحركتهم أم أنهم سوف يستجيبون لعنصر وحالة المفاجأة والربكة بعد رحيله ويفوتون الفرصة على أنفسهم؟

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *