الكاريزما والتركة الثقيلة..!

الحشود التي شهدت التأبين بمختلف تياراتهم السياسية ومشاربهم أجمعوا على أن الرجل سعى إلى تقديم أنموذج لوحدة أهل القبلة كآخر مشاريعه التى ودعها وأودعها كذلك مريديه ومحبيه، الكلمات التي قيلت في الراحل هي أقل ما يمكن أن يقوله الناس عن مجهوداته التى لا تخطئها الأعين، غير أن رحيله في ذات التوقيت القاتل يشير إلى ثمة تساؤلات مفتوحة ومشروعة في ما بداه الرجل سواء مع أتباعه أو مع محاوريه هل سيؤتي أكله، خاصة وأن التحديات التي تمر بها البلاد كبيرة ومؤثرة فى جل الأوضاع الراهنة مما يعقد مسألة الترتيب الداخلي والخارجي، سيما وأن كاريزما الترابي والتي تعتبر من أصعب الكارزيمات التى يقدرها صناع التنمية البشرية إلى أن الرجل يمتلك الكاريزمات الأربعة وهي كاريزما النجومية، كاريزما الزعيم، كاريزما المدير، وكاريزما القائد، وعرف الدكتور حسن الترابي مخططا منهجيا في حياته ومفكرا تحليليا، يتوصل إلى توصياته بمنأى عن العواطف ولكن مشروعاته لم ترتكز دائماً على أرض صلبة من الواقع ، إلا انه في غير عمله العام في محاضراته مثلا ولقاءاته يكون واقعياً، فقد عاش الرجل طوال عمره مجتهداً في وظيفة مستحيلة تهتم بالمواءمة ما بين نظرياته الإسلامية العالمية الطابع وبين واقعية متطلبات قطره الجغرافية ذي الأعراق المتعددة والأديان والثقافات المتباينة.

(2)
الفكرة التي ستصلح لأتباع الدين الواحد والعرقية الواحدة والثقافة الواحدة سيطرت يوماً ما في دائرة محدودة وعلى بشر محدودين ودينين على الأكثر ليس من السهل توفيقها وتطبيقها تكراراً في دولة واسعة شاسعة متعددة في زمن وشكل مختلف، وفكرة الترابي بإختصار هي إستحضار حالة نموذج دولة المدينة إلى حدود جغرافية السودان، يصفه الذين يصفون نظرياته الدينية بالشطحات أنه عجز في تحقيق أهدافه السياسية بمستوى القطر السوداني وإن كانوا لا ينكرون نجاحاته بعرض العالم الإسلامي، ذلك وإن كان قد تمكنت اجتهاداته الإسلامية الموصوفة بالمعاصرة من جلب الشهرة له والثناء عليه عالميا على امتداد الأقطار الإسلامية، ومقابلة العالم الغربي له بالتقدير والاحترام فقد نتجت إخفاقاته السياسية الداخلية وخاصة خلال الأعوام العشرة الاولى للانقاذ من القرن الماضي عن عظيم نقمة انصبت عليه، وكراهية عميقة تولدت من قطاع مقدر من شعب السودان ومن أتباع الدين الإسلامي بالذات.

(3)
غير أن المراجعات الفكرية وحالة التحرك السريع الذي إمتاز به الشيخ جعله يقلب طاولة تلك النظرة إلى صالحة من خلال معارضته للنظام والقبول فيما بعد بالحوار الوطنى، من خلال تأبين الرجل أمس الاول الناظر للعيان يلحظ أن هناك تيارات مختلفة داخل الشعبي كانت متفقة فقط على الشيخ وليس البرنامج المطروح فصعود تيارات الإطمئنان منذ اللحظة الأولى لوفاة الشيخ عبر إبنه الصديق الترابي الذى شكر المعزين وناهيا عن ترديد شعار الاسلاميين المشهور (فالترق منهم دماء او ترق كل الدماء) أنهم حريصون على عدم إراقة أي دم من كافة الأطراف وعلى الطرف الآخر أن يلتزموا بما بداوه من برنامج للحوار الوطنى، ذات الأمر كانت تداعيات العائد حديثا على الحاج نائب الامين العام للشيخ الترابي في الشعبي وهو أحد الأركان القوية داخل منظومة الحزب ومن القيادات التي من الصعوبة أن يتم تجازوها، غير أن الرجل بأي حال لا يمكن مقارنته بشيخه الذى كان من المجددين في التيار الإسلامي حيث يرى أن الحركة الإسلامية لم تقرأ التاريخ الإسلامي جيداً عندما أقدمت على الاستيلاء على السلطة في السودان وقال في مقام آخر موضحا فهمه للشريعة الإسلامية «الشريعة ما يشق مسلكا لكل مشاعر الدين ومظاهره، وهي أصلا شاملة للهدى بكل الحياة: أحوال الوجدان وباطن القلوب ومذاهب الأقوال وطرق الأفعال الظاهرة، دينا حقا شرعه الله هديا لكل الأنبياء، وفي العهود الأخيرة أصبحت كلمة الشريعة تعني الأحكام القضائية لا الخلقية، وأصبحت مدارس الشريعة تقتصر على أحكام الظاهر القطعية المناسبة للنفاذ قضاءً وسلطانا سياسيا.

(4)
أثيرت حول الترابي أحكام متناقضة وأوصاف متباينة، ففي حين يراه أنصاره سياسيا محنكا، وعالما مفكرا مجددا، يجد فيه خصومه سياسيا مخادعا له تعلق لا يحد بالسلطة، ويتهمونه بإصدار فتاوى تخالف قطعيات الدين، كتب الدكتور حسن الترابي مؤلفات ومقالات شتى، منها: «تجديد الدين»، و»التفسير التوحيدي»، و»منهجية التشريع»، و»المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع»، و»السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع»، و»ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية تلك التركة التى تركها الرجل لمعاونيه خاصة وانهم لن يستطيعوا ان يجمعوا بين تلك الصفات المتعددة للشيخ فامسك كل طرف بحبل من حباله لذلك خرجت تقاطعات المفكرين داخل الشعبى مع طموحات السياسين والتى كانت حاضرة فى صراع الحزب فى فترة تقاربه مع الحزب الحاكم وهو ما يفتح الباب امام صراع تياري التجديد والحداثة داخل الشعبى بقيادة المفكريين وبين تيار السياسين بعد غياب الشيخ وهو ما يجعل الأيام القادمة حبلى بالكثير المثير.

عبد العزيز النقر
صحيفة ألوان

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *