د. وليد شريف عبد القادر .. فلسفة الألم

د. وليد شريف عبد القادر .. فلسفة الألم
> يقول الشاعر الإنجليزي (If the winter of sadness came the spring would never be far)  (إذا كان شتاء الأحزان قد جاء فليس الربيع ببعيد) .. وليم جيمس مؤسس علم النفس التطبيقي قال ذات مرة (إن الله يغفر لنا أخطاءنا.. لكن جهازنا العصبي لا يغفرها أبداً).. وأنا قد أعجبتني هذه الكلمات التي قرأتها في سياق حوار مثير للتأمل عن الألم في قصة أمريكية قصيرة أوردها الرائع كاتب الأدب الإنساني الرفيع عبدالوهاب مطاوع: قال الرجل الذي يبلغ من العمر 45 عاماً ويعيش وحيداً بعد أن هجرته زوجته مع صديق لها للطبيب النفسي الذي يعالجه: أنني أتألم أتذكر لسعة الغدر والخيانة فأبكي. أتذكر وحشة الليل ووحدتي فيه أبكي. أخاف من الظلام وأشعر بالضعف والملل والهوان فيزداد حزني وألمي أريد أن أتخلص من الألم وأرجع إلى حياتي السابقة. فيقول له الطبيب في هدوء: ليس من المفيد لك أن تتخلص  من هذا الألم على الفور، وقبل أن يستكمل دورته الطبيعية ويزول تدريجياً مع الأيام، بل أنك في حاجة لأن تقبل به كحقيقة من حقائق الحياة كما تقبل بغيره منها.
>- أنا أحتاج إلى الألم؟ أنني لا أحتاج إليه؟ وإنما إلى البرء منه لأعيش حياتي وأواصل الطريق.
>- فيقول الطبيب لمريضه: لا أحد منا يحتاج إلى الألم بالمعنى الحرفي للعبارة، لكننا حين يصادفنا من أحداث الحياة مما يدعو إلى التألم له لابد أن نتألم وأن نقبل بهذا الألم ونتوافق معه إلى أن يرحل عنا بسلام، ولو لم نفعل ذلك لحق لنا أن نشعر بالقلق على سلامة مشاعرنا وأجهزة استقبالنا، وقوانا العقلية. فالعقلاء والمتزنون نفسياً هم وحدهم الذين يتألمون لما يستحق أن يتألموا به، والمضطربون عقلياً أو نفسياً هم وحدهم الذين لا يتألمون لأحداث الحياة المحزنة ولا يحزنون في مواضع الحزن ولا يفرحون في المناسبات المبهجة، ولهذا أنا أدعوك أن تقبل هذا الألم وتصبر عليه حتى تنقضي فترة حضانته الطبيعية لديك ثم يزول ببطء ويتلاشى كما تزول آلام الجسد تدريجياً مع اضطراد الشفاء.. وكلما كانت إرادتنا قوية في التجاوز عن الآلام والأحزان وساعدنا أنفسنا على تقبلها وفهمها كلما تسارعت خطواتنا على طريق النجاة منها!.
>- ويؤيد هذا المضمون ما قاله العالم شيرنغنتون Sherrington في فيزيلوجيا الألم Physiology of pain  عرف الألم قائلاً : ( Pain is the physical adjunct of an imperative protective reflex)  أي بمعنى أن (الألم هو ملحق فيزيائي لمنعكس وقائي إلزامي)، ويكفي إن كلمة ألم جمعت بين دفتيها أحرف تنتمي للحياة(ألف) وللموت(ميم) وكان حرف الحياة سابقاً لحرف الموت وبينهما المعنى المخبوء والقائل:لولا الألم لما كانت الحياة..فأسالوا مريض السرطان كيف تفشى المرض في جسده؟ فسيقول لكم: لأن الألم لم يراوده منذ البدء.
>- روشتة مجابهة الألم يصيغها لك كاتب الأدب الإنساني الرفيع عبدالوهاب مطاوع: يجب أن نجابه الألم والحزن بما كان يفعله بحارة الزمن القديم حينما يواجهون حوتاً فيلهونه عن مهاجمة السفينة بإلقاء قارب فارغ يشغلونه به حتى يتم اقتناصه والقارب الفارغ هو (العمل) والانهماك فيه بشدة كما أثبتت ذلك الدراسات النفسية الحديثة، وأنا أضيف أيضاً يجب أن نجابه الألم باجتثاث ألم الآخرين فهذا يجعلنا نشعر بما تشعر به الضمادة وهي توضع على الجرح لتوقف النزف ولاتهمها بعد ذلك أن توضع في سلة المهملات فهي قد أدت وظيفتها النبيلة.
> وفي الختام وحتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.
صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. جراح عمر

    مع إحترامي الشديد للدكتور وإعجابي بالموضوع المنشور إلا أن لي ملاحظة على العبارة التي وردت باللغة الإنجليزية بصدر الموضوع لأن هناك خطأ بتركيبنها اللغوية ولعله كتبها من الذاكرة وأنا لا أعلم من الذي قالها ولكن العبارة كان يجب أن تكون كالتالي
    If the winter of sadness comes, the spring will never be far

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *