حسن الترابي والمهاتما غاندي .. رحلة البحث عن نهضة الأمم

حسن الترابي والمهاتما غاندي .. رحلة البحث عن نهضة الأمم
رغم بعض الاختلافات بين شخصيتي الدكتور الراحل المقيم حسن الترابي والمهاتما غاندي مخلص الهند، لكن سعيهما الدوب لأجل بلديهما يستحق إجراء مقارنة بينهما خاصة ان الأول الذي رحل الأسبوع الماضي بعد رحلة كفاح طويلة امتدت لعقود خاض خلالها معارك سياسية شرسة لاجل السودان. أما الثاني الذي رحل مغدورًا في نضاله حتى أصبح الأب الروحي، وسر انطلاق الهند الذي وصلت اليه حالياً من تقدم اقتصادي ضخم وديمقراطية وعدالة راسخة بعد حملاته الشعبية الضخمة لحرية المرأة وبناء أسس التعايش الديني في بلاد تتعدد فيها الثقافات والإثنيات والأديان على ذات النسق الذي سعى إليه الترابي عندما أطلق فتاويه وآراءه الفقهية التي هدفت أصلاً لتجديد الحياة ورفع مكانة المرأة بالمجتمع إضافة لمحاولته الجادة لإطلاق نظم حكم متطورة ترتقي بالسودان، لذا أجرينا هذه المقارنة من وحي مساعي الشخصيتين لأجل بلديهما:
قدرات إنسان الشرق
نهضة الأمم التي كان يبحث عنها كل من الترابي وغاندي، استخدما فيهما حركات الكفاح لكل منهما كان هدفاً وأسلوباً مختلفاً لكن الاثنين اجتمعا على نهضة الأمة، والأمم في الشرق ما ان استفاقت من سبات الاستعمار حتى جوبهت بويلات الحروب والانشغال بالقضايا الانصرافية عن القضايا الجوهرية والنواة الحقيقية لانطلاقها ولان أهم عوامل نهضة الأمم مرتبطة بالإنسان والفرد فإن إطلاق قدراته هي اول خطوة لدخوله الى عالم الأفكار، وعند عبوره لهذا العالم فعندها يمكنه النمو والتطور تلقائياً اذ يتمكن بعدها من إنشاء عالم حوله، والترابي وغاندي عندما أطلقا أفكارهما في هذا العالم، كل بأسلوبه لكن الهدف واحد، فالترابي كان يستخدم مصطلح «التعايش» باعتباره سياسة تقوم على مبدأ قبول فكرة تعدد المذاهب الإيديولوجية والتفاهم، أما غاندي فمصطلحه كان «تسامح» وهي سياسية التساهل الفكري في السياقات الاجتماعية والثقافية والدينية، مما يعني ان الترابي وغاندي كانا يسعيان الى إحلال السلام في بلديهما باعتباره الركيزة الأولى لنهضة الامة، صحيح ان الاثنين استخدما أساليب مختلفة لكن المحصلة ان غاندي الذي سبق الترابي استطاع ايصال فكرته الى الهنود الذين اصبحوا ظاهرة عالمية حالياً، بينما يحتاج السودان لعقود اخرى حتى يتمكن من الالتحاق بموقع الهند الحالي استناد إلى نظرية مرحلة النمو الحضاري، التي أحد شروطها إطلاق قدرات إنسان الشرق الحبيس.
القانون نقطة الانطلاق
سافر المهاتما غاندي الى بريطانيا لدراسة القانون عام 1882م وعند حصوله على الإجازة الجامعية التي تخوله ممارسة مهنة المحاماة عاد الى الهند عام 1890، وعندما عرض عليه العمل لدى مؤسسة هندية في دولة جنوب افريقيا سافر حيث بدأ كفاحه السلمي في مواجهة التفرقة العنصرية آنذاك. الترابي بدوره درس القانون في جامعة الخرطوم وحصل على الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1957، والدكتوراه من جامعة السوربون، وبعد عودته من فرنسا عمل أستاذاً للقانون في جامعة الخرطوم، وسرعان ما لمع نجمه بلعبه دوراً محورياً، ولعل الخلفية القانونية للرجلين كانت الركيزة الأساسية في تحولهما ورحلة بحثهما نهضة الأمتين.
رحلة النضال
انضم غاندي الى حزب المؤتمر الهندي الذي بدأ فيه رحلة كفاحه الشهيرة التي بدأت بصيام الموت احتجاجاً على مشروع قانون يكرس التمييز في الانتخابات ضد المنبوذين الهنود، دفع الزعماء السياسيين والدينيين إلى التفاوض والتوصل إلى اتفاقية بونا التي قضت بزيادة عدد النواب المنبوذين وإلغاء نظام التمييز الانتخابي، أما مواقفه من الاحتلال البريطاني فكان يتميز بالصلابة رغم انه يتأرجح مع المرونة التكتيكية، والتسويات المهادنة التى وصلت أحياناً إلى حد التخوين والطعن في مصداقية نضاله الوطني من قبل المعارضين لأسلوبه، ويستمر كفاح الرجل عندما تحدى القوانين البريطانية التي كانت تحصر استخراج الملح بالسلطات البريطانية مما أوقع هذه السلطات في مأزق، وقاد مسيرة شعبية توجه بها إلى البحر لاستخراج الملح من هناك، وفي عام 1931 أنهى هذا العصيان بعد توصل الطرفين إلى حل وسط. فيما كان الترابي الذي انضم لجبهة المثياق الإسلامي وهي اول حزب أسسته الحركة الإسلامية السودانية ولعب من خلاله من تعبئة طلاب الجامعة للإطاحة بالرئيس إبراهيم عبود، حيث كان الترابي في صدارة الثورة الشعبية بعد ان خاطب الندوة الأولى في العاشر من أكتوبر التى اشعلت الثورة لاحقاً حين قال في ندوة في الجامعة«إن حل مشكلة الجنوب يكمن في حل مشكلة الشمال، ويكمن الاثنان معاً في زوال الحكم العسكري الحالي وقيام حكم دستوري مؤسس على الخيار الديمقراطي للشعب». وكانت هذه الكلمات هي طلقة البداية في انطلاق الثورة التي أطاحت بنظام عبود واستبدلته بحكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة لتصبح أول ثورة عربية ضد نظام عسكري، واستفاد الترابي من الاعتقالات المتكررة التي زادته اصراراً على أفكاره حتى بعد الهدنة التى أقيمت بينه وبين حزبه، تفجرت الخلافات مجدداِ وأودع السجن مجدداِ عام 1984، ليعود مرة أخرى للقوى السياسية التى توجت في العام 1985 بـ«انتفاضة شعبية»، أطاحت بالرئيس جعفر نميري وخرج على إثرها الترابي من السجن مع المعتقلين السياسيين.
المهاتما والشيخ
في الهند يطلق اسم المهاتما على الشخص الزاهد لكن تفسيرات انطلقت حول «المهاتما» منها تعريف الأديب الراحل عباس محمود العقاد الذي فسرها بـ«الروح العظيمة» أو القديس المستمدة من عقيدة «الأهمسا» الهندية التي ابتكرها غاندي بعد مطالعته القرآن والتوراة والإنجيل، إلى جانب عقيدته الهندوسية التي جعلت منه ليقود بها فكر «المقاومة السلمية»، وفي السودان الذي عاشت فيه المدارس الصوفية والدينية فان كلمة «شيخ» التي أطلقت على الترابي لأسباب متعددة منها قيادته للتنظيم الإسلامي حيث أن اية مجموعة تسمى رأسها الشيخ اضافة الى أن الترابي اكتسبه عن جدارة بالتعاليم والتنوير المعرفي الذي يمتلكه.
استعمار واحد للبلدان
عانى السودان والهند من الاستعمار الانجليزي الانجلو سكسوني الذي كان له اثر ثقافي كبير على البلدين رغم الاستقلال، وغاندي الذي كان معايشاً فترة الاستعمار كرس نضاله على زواله، لكنه قتل بعد اشهر قليلة بعده. ونسبة للفارق الزمني بين غاندي والترابي الذي ولد عام 1932م وحصل على الماجستير عام 1957م اى بعد عام من استقلال السودان ولم يجد تتبلور له الأهداف للنضال ضد المستعمر آنذاك.
المشروع الفكري
أطلق السياسي الهندي غاندي عشرات الكتب والمقالات لكن اشهرها هي «قصة تجاربي مع الحقيقة وحضارتهم وخلاصنا وفي سبيل الحق وقصة حياتي وبرنامج البناء والأخلاق والدين وهند أحلامي وبلدي بلا عنف ونحو التعليم الجديد». أما الترابي من جانبه أطلق كتباً عدة منها ايضاً قضايا الوحدة والحرية وتجديد أصول الفقه وتجديد الفكر الإسلامي وتجديد الدين ومنهجية التشريع والمرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع والسياسة والحكم وعبرة المسير لاثنتي عشرة من السنين، وتتلخص أفكار الترابي في كتب على ثورة تجديدية في الفقه الذي وصفه بـ«الجمود والتقليد واستحضار القديم والامتنان به»، كما تحدّث الترابي أيضًا عمّا أسماه «التفرقة بين المُلزم وغير المُلزم» في كتابه «تجديد الفكر الإسلامي» معتبرًا أن الفكر الذي يقدمه المفكرون،«خارج عن التاريخ»، واصفًا إياه بـ«الإغراق في التجريدية، والانفصال عن الواقع»، بينما نجد ان غاندي ركز على الحياة اليومية للمواطن الهندي وكيفية نهضته بأسلوب مختلف عن أسلوب الترابي.
معاداة الغرب
استعمال الإمبرطورية البريطانية صور المهاتما غاندي اثناء فترة نضاله ضدها بانه «عدو» لكن بعد نحو سبعة عقود من استقلال الهند وضع تمثال المهاتما غاندي بجوار تمثال خصمه اللدود رئيس الوزراء الراحل ونستون تشرشل في لندن، وبالنسبة للترابي فان الغرب انقلب عليه رغم تلقي جزء كبير من تعليمه الجامعي العالي لديهم بعد شهادته التى قدمها في الكونغرس الامريكي في مايو 1992م والتي كانت نقطة انطلاق العداء بين السودان والغرب، وانطلقت مسميات مختلفة تصور الترابي بأبشبع الأوصاف، وأذكر عند لقائي بالراحل الترابي قبل أعوام في منزل السفير الامريكي بالخرطوم، ذكرت له ان الغرب ربما سلط سيفه على السودان بعد شهادته في الكونغرس. لكنه رد ببساطة ان أعضاء الكونغرس الأمريكي في ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن السودان في امريكا اللاتينية، ومن يدري ربما نرى في المستقبل تمثالاً للترابي في واشنطن.
انفصال الهند والسودان
حضر كل من غاندي والترابي انفصال بلديهما رغم اختلاف الأحداث والمبررات التي وقعت قبيل وجود جنوب السودان وباكستان. لكن واقع الانفصال يجمع بأن السودان والهند عانا من ولايلات المستعمر، صحيح أن انفصال جنوب السودان لم يقع مثل باكستان فوراً قبل الاستقلال، لكن كان من الممكن آنذاك لولا حكمة أبناء الشمال والجنوب في مؤتمر جوبا بضمان التعايش بينهما، فالمهاتما غاندي  حاول إقناع محمد علي جناح الذي كان على رأس الداعين إلى هذا الانفصال بالعدول عن توجهاته لكنه فشل، لكنه أخذ يدعو إلى إعادة الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين طالباً بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة، الأمر الذي ادى لاحقاً لقيام أحد المتعصبين الهندوس باغتياله بتهمة الخيانة العظمى.
أما الترابي فقد وقع على اتفاق في مدينة جنيف مع زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق عام 2002 على مذكرة تفاهم من 10 نقاط تنص من بين أمور أخرى على حق تقرير المصير للجنوب، لكن مع إقامة الوحدة السودانية لضمان عدم انفصال الإقليم آنذاك. وعقب عودته الى الخرطوم تم اعتقاله بسبب التوقيع على المذكرة التى ذهبت أدراج الرياح، حتى بعد التوقيع على اتفاق السلام الشامل في نيفاشا طالب الترابي بإتاحة الفرصة لترشيح جنوبي ليكون الرئيس المقبل للبلاد في العام 2008 مقترحاً نقل عاصمة البلاد الى أبيي «حتى تكون نقطة تواصل بين الشمال والجنوب، على ان تظل الخرطوم العاصمة الاقتصادية»، كما برر حزب الترابي آنذاك من منطلق الحرص على سلامة العقد الاجتماعي ووحدة البلاد.
لكن في العام 2010 رأى الترابي قبل عام من الاستفتاء بان الانفصال واقع لا محالة نتيجة تراكمات مظالم عشرات السنين، كما حذر من انتقال المثال شرقاً وغرباً ولم يستبعد أن يتفتت السودان على غرار الاتحاد السوفيتي او يوغوسلافيا، حتى قال مقولته ان «التنازلات لن تجدي حتى لو كانت الرئاسة أو البترول»، لكنه تنبأ منذ ذلك الوقت باندلاع الحرب «الجنوبية ــ الجنوبية» التي اندلعت لاحقاً في 2013، وفي مطلع 2016 كشف الترابي بان له جهوداً لإعادة الوحدة مع جنوب السودان وحتى وفاته لم يوضح تلك الجهود.
والرابط بين غاندي والترابي بان الاثنين حاولا رتق بلديهما عقب الانفصال الذي وقع سواء كان في السودان او الهند، لكنهما منذ وقت بعيد كانا يرددان بان «التعايش والتسامح» هما الرابط الحقيقي بين أبناء الوطن الواحد وهو الذي يؤدي بدوره إلى نهضة الأمة.
الترابية والغاندية
الحركة الغاندية التي يعود إرثها للمهاتما غاندي أيقظت الهندية بمختلف تعقيداتها في حركة مركبّة تتناول المجتمع ومقومات وحدته بواسطة الإنسان ومعنى عيشه في الحرية، أما المدرسة الترابية فلقد كتب فيها المحبوب عبدالسلام سلسة مقالات بعنوان «المدرسة الترابية بين الفكر والسياسة وبين السودنة والعالمية الإسلامية: التجربة والمصائر» بأن أهم نظريات مدرسة الترابي ربطت التجديد بالتوحيد، وهي التى جاءته في فرنسا عندما أتيحت للترابي أثناء تقديم أطروحته حول العلمانية أو«اللادينية السياسية»، أضحت المُحفَّز الرئيس للإطروحة التوحيدية التي هي أصل الأصول في فكر المدرسة الترابية بحسب ما ذكر المحبوب.
واخيراً فإن غاندي الذي أحيت الهند ذكراه الـ(68) في شهر يناير الماضي، قال «في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر». حيث انتصرت حركته بعد أكثر من «50» عاماً، فهل تنتصر الحركة الترابية بعد «50»عاماً ايضاً؟ أم ان الأثر الذي وضعه من الأفكار التجديدية سيضيع مع الزمن، الشاهد أن لقاء الوحدة الذي بدأ في جمعة مسجد جامعة الخرطوم، رغم ما حضر من أنصاره، لكن لم يكن بالقدر الكافي لجمع كل الوطن، حيث كان من المفترض ان الظاهرة الترابية وبحسب مقولة غاندي.. ففي البداية يتجاهلوك لكن في النهاية سينتصر.
صحيفة الإنتباهة
المثنى عبد القادر الفحل

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *