ركود الساحة المسرحية ..عقبات في الطريق

ركود الساحة المسرحية ..عقبات في الطريق

إذا كانت فنون الأدب والموسيقى والفنون التشكيلية تلعب دورها الهائل في تكوين الذوق العام فإن جميع هذه الفنون تتلاقى على خشبة المسرح إذ أن المسرح يحتاج الى الكلمة والصوت وإلى الحركة والتشكيل جميعاً ولأن المسرح تأثيره واضح على تكوين الوجدان ولأنه من أهم الوسائل الفنية في تحريك الخيال وإثارة القضايا المعروضة فإن العناية تصبح واجباً حتمياً فحب المسرح يمكن أن يسري بين كافة طبقات الشعب على اختلاف مكوناته وهو من هذه الناحية كالموسيقى والفنون التشكيلية لغة تخاطب جماهير ذات أثر كبير في تهذيب الوجدان لكل ذلك نجد أن المسرح قد بلور نفسه على امتداد التاريخ الإنساني وعبر تبادل الثقافات كأحد أقوى المشتركات بين الأجناس البشرية، فالمسرح دائماً يشكل نقطة تلاقٍ للعديد من الثقافات، ولأن من سماته الجماعية فهو الفن الوحيد الذي ينجز جماعيا بعكس الرواية والشعر والتشكيل مثلاً التي يمكن أن تنجز فردياً وذلك لأن العرض المسرحي ما هو إلا فعل يتميز بتعدد الأصوات وتنوع صانعيه. ومن سماته أيضاً الشعبية فهو فن شعبي بامتياز إذ أنه يقدم أفكار الناس وهمومهم ومشاكلهم وأسئلتهم وصراعاتهم ليس نيابة عنهم بل بمشاركتهم أيضاً.

والآن يشهد واقعنا المسرحي جملة من العقبات التي أسهمت في ركود الساحة المسرحية بل وتقليل النشاط المسرحي لحد جهر بعض المسرحيين بالقول إن المسرح أصبح في حالة موات سريري أو هو غائب تماماً عن الساحة الثقافية وحتى في حال حضوره فهو لا يتجاوز حضوراً خجولاً لا يمكن التأسيس عليه للقول إن حراكاً ما ينتظم الساحة المسرحية.

المسرح ليس بخير

الممثل والمؤلف والمخرج المسرحي صلاح محجوب حمزة يقول إن الراهن المسرحي يشهد تراجعاً غير مسبوق وذهب أبعد من ذلك حيث قال بلا مواربة إن المسرح القومي أصبح خاوياً على عروشه بعدما كان في فترات ماضية ملء السمع والبصر. ويضيف: أضحى الآن بلا نشاط حقيقي ينتظم خشبته، فالأعمال المسرحية تقدم حيناً وتتوقف أحياناً وحتى الموسم المسرحي أصبح من الماضي إذ لم يقم موسم مسرحي بالمعنى هذا العام، وهذا أمر غريب كما أشار إلى ضعف اهتمام اتحاد المهن الموسيقية والمسرحية بالفعل الدرامي والمسرحي، إذ لا وجود حقيقي لإدارته من ناحية إنتاجه لأعمال جديدة أو المساهمة في إنتاجها ويمكن عزو السبب إلى قصور ميزانية الاتحاد وعدم وجود تمويل كافٍ لإنتاج أعمال جديدة ويلمح صلاح الى أنه حتى ما يتوافر من ميزانيات تصرف على بنود أخرى لا تهم المسرحيين في شيء وتمنى صلاح أن يلتفت الاتحاد وإداره المسرح القومي لهذا الأمر اضطلاعا منهم بمسؤوليتهم للمساهمة في دفع النشاط المسرحي خطوات للأمام، وأشار صلاح إلى كثير من المؤلفين والمخرجين لديهم أعمال لديهم مشاريع جاهزة تحول عقبة التمويل وعدم توفر معينات الإنتاج دون رؤيتها للنور وقطع صلاح بأن توفر التمويل الكافي قمين باستعادة المسرح لعافيته من خلال إنتاج المشاريع المؤجلة بفعل نقص معينات الإنتاج فتستمر العروض المسرحية على مدار العام دون انقطاع وهذا بالأصل من مهام الإدارة المسرحية وجسمها النقابي لكنهم وبحسب رأيه الذي بدا متأسفاً يقول إنهم لا دور لهم وإن وجد فهو دور ضعيف جداً لا يرقى إلى مستوى إحداث التأثير المطلوب دفعا للحراك المسرحي وأضاف أن فرقة الكوميدي الحديث إيماناً منها بالدور الذي يقوم به الفن في خدمة المجتمع والإنسان والبيئة تشرع في إنتاج فيلم عن التسلل باسم ” الضياع ” اكتملت كافة مراحله الفنية بسنياريو مكتمل وتم توفير التمويل لإنتاجه عبر مؤسسة الشرطة السودانية عبر مؤسسة الفداء للإنتاج الإعلامي التي تكفلت بتمويل الإنتاج والتصوير وكافة المراحل الفنية والفيلم أصبح جاهزًا من عدة أشهر لكنه لم يعرض حتى الآن .

أزمة عامة

الممثلة الشابة هناء ميرغني أشارت إلى أن الأزمة المسرحية هي جزء من الأزمة العامة التي ضربت شتى مناحي حياتنا والمسرح ليس بمعزل عن هذا الواقع المتردي ونبهت إلى تدني ثقافة المسرح لدى الجمهور فنحن للأسف ثقافة المسارح ليس سلوكاً متأصلاً فينا وهو ما ينعكس بدوره على الإقبال الجماهيري إذ لا ينكر أحد ضعفه ويمكن عزو هذا الأمر إلى الحالة الاقتصادية والضائقة المعيشية لأغلب الجمهور كما إن ضعف الإعلان وتجاهل وسائل الإعلام للأعمال التي تعرض له دوره مما يسهم في ضعف الإقبال الجماهيري نحو ما يعرض من أعمال مسرحية وهو ما سبق وأن أشار إليه الأستاذ عبد الواحد عبد الله الأمين العام لاتحاد المهن الدرامية السابق حيث أبان أن واقع المسرح السوداني بات لا يسر احداً، مقراً بتراجع الدور الذي كان من المفترض أن يقوم به لافتاً إلى أن التاريخ المسرحي للسودان متميز بيد أنه عاب عليه عدم اهتمام الجهات المختصة به غير أنه عاد وقال بضرورة تضافر الجهود من كافة أهل القبيلة المسرحية والتفافهم نحو هدف واحد ونبذ التكتلات. ودعا الدولة إلى دعم المسرح بسخاء إذ يعتبر المسرح هو ضمير الأمة ويمكنه أن يسهم في تحقيق وحدتها، إلا أنه أشار إلى أن التمويل يشكل العقبة الأساسية في النهوض بقطاع الفنون المسرحية، وأكد على أهمية السعي لتحريك جمود الفعل المسرحي عبر تشجيع الإنتاج الخاص ودعم العروض المسرحية القائمة ومساندتها في سبيل الاستمرار .

دور المسرح

ويمكن للمسرح أيضاً أن يشارك في الحياة السياسية على تعددها بين الشعوب بطرق مباشرة وبسيطة ولأن المسرح يعد فناً وتعبيراً إبداعياً شاملاً فيمكنه أن يقدم خبرته القادرة على تجاوز المفاهيم الخاطئة في المجتمع وتغييرها نحو الأفضل. وكثيرة هي المفاهيم التي رسخت منذ زمن وتحتاج الى توعية بأهمية تغييرها بالإضافة، إلى ذلك فالمسرح يعتبر وسيلة ناجحة في دفع الأفكار التي نحملها جماعياً إلا أن الواقع المعاش حالياً ينبئ بغير ذلك، فبنظرة سريعة إلى وضع الحركة المسرحية في السودان نجد أن النشاط المسرحي ضعيف جداً، بل ويمكن القول بلا تردد إنه أصبح غير مؤثر من النواحي الاجتماعية في أيسر الأحوال، ولا يمكن تغيير هذا الواقع بغير إعادة النظر في وضع الحركة المسرحية برمتها في بلادنا بما يكفل للمسرح أن يؤدي وظيفته في صقل وجدان الجماعة بصوره أفضل والتعبير عن واقعنا وعكس ثقافتنا في المحيط الخارجي بما يمكن من التعريف بالشخصية السودانية وعاداتها وتقاليدها المتوارثة وهو الدور الذي أصبحت تقوم به الفنون على تعددها في عصرنا الراهن فلم يعد دورها يقتصر على مجرد الأداء الإبداعي فحسب بل يتعدى هذا الدور ويتجاوزه الى مرحلة نشر الثقافات والتعريف بها وبمنجزها في كافة بقاع الكرة الأرضية.

 

صحيفة الصيحة

تقرير:جمعة عبد الله

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *