ممثل الحركة الإسلامية الموريتانية “محمد جميل منصور يتحدث عن دكتور “الترابي”

{ كيف تلقيتم نبأ رحيل شيخ “حسن”؟
–    كان هنالك حزن شديد عُبر عنه بوسائل عديدة، كما كان هنالك تأثر كتب من يكتب وعلق من يعلق وعزى الناس بعضهم البعض، وبالتأكيد هنالك نشاطات في الأفق لتأبين الشيخ، وهنالك مستوى كبير من التأثر ونحن قوم مؤمنون والحمد الله، ونعلم أن البشر في هذا المسار سالك وكلنا في الطابور سبقنا أو لحقنا، ونعلم أن من الآثار الباقية بعد الميت علم بثه في قلوب الرجال، ونحن نعتقد أن الشيخ “الترابي” ترك علماً وفكراً واجتهاداً في قلوب كثير من الرجال والنساء.

{ على مستواك الشخصي وبحكم علاقتك بالشيخ ما حجم الأثر الذي تركه فيك خبر وفاته؟
–    أحكي لك طرفة بسيطة، أنا كتبت خاطرة بعد الوفاة مباشرة ووعدت في نهايتها بكتابة مقال معمق عن فكر الشيخ، بنتي وهي قريبة مني جداً رأتني متأثراً قالت لي أتحبه أكثر مني وهل ستكتب فيّ مقالاً إذا توفاني الله؟ حقيقة شيخ “حسن” له مكانة كبيرة جداً في النفوس، هذه المكانة لم يأخذها بسيفه ولا بذهبه كما يقال وإنما أخذها بفكره وتجديده وعلمه ومعرفته رحمه الله رحمة واسعة.. وأعتقد أن المرأة المسلمة بالذات تنظر لشيخ “حسن” وإضافاته  نظرة مميزة.
{ كيف كنتم تنظرون لتجربة شيخ “حسن” السياسية والفكرية؟
–    الحديث عن حياة وتجربة وعطاء الشيخ “د. حسن عبد الله الترابي” حديث ذو شجون يطول بقدر طول وعمق هذه التجربة وتنوعها ونفاذها إلى كثير من أبناء الحركة الإسلامية وأبناء العالم الإسلامي بصفة عامة.
{ برأيك لماذا كان كل هذا العمق والنفاذ؟
– لأن شيخ “حسن” إذا قلنا فيه الكلمة المشهورة ملأ الدنيا وشغل الناس، لا يكون هذا قول مبالغ فيه.
{ متى بدأتم تتعرفون على شخصيته كحركات إسلامية بالخارج؟
–    شيخ “حسن” بعد ثورة أكتوبر 1964م كان ظاهراً للناس أنه مميز، وجد الحركة الإسلامية يسود فيها التقليد والجمود، فكان صاحب فكر تجديدي يتقدم الناس ولا يتأخر، يضيف كثيراً في كل ما كتب سواء في الإيمان وأثره في حياة الإنسان أو في الشعائر الدينية والصلاة عماد الدين، أو المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، وكلما ألقى محاضرة أو كتب رسالة أو كتاباً كان يمثل إضافة ينشغل بها الناس ويناقشونها وتكون بداية تطور في فكر الحركة الإسلامية.
{ إلى أي مدى كنتم في موريتانيا تتعاملون مع إصداراته؟
–    أتذكر حينما جاءتنا في “موريتانيا” رسالة المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، تعامل معها الناس في البداية بتحفظ وريبة، ولكن بسرعة أخذت مكانها وبدأ التفاعل معها وتنزيل أفكارها ونظرياتها على واقع الناس.
{ كيف تقيمون اجتهاداته؟
–    كان رحمه الله موسوعياً، يخاطب في القضايا الاجتماعية، ويتحدث في حوار الدين والفن، ويكتب عن أصول الفقه وتجديد الفكر الإسلامي والديني، وبالتالي كان حقيقة يحمل مشروعاً فكرياً متكاملاً، يتوخى التجديد ويوحد الله سبحانه وتعالى ويؤمن به ويربط الحياة بالله سبحانه وتعالى وبالدين ثم يجدد للناس أمر دينهم في إضافات وتجديدات وإبداعات لم يتعودها العقل الإنساني التقليدي، كان إضافة في هذه النواحي، إضافة إلى ذلك كان يحمل هذا الهم.
{ ماذا عن الجدل الذي كان يحدثه في الساحة الإقليمية والعالمية؟
–    الذين صاحبوه وعرفوه يشهدون له بنفاذ البصيرة وحيوية العمل والدعوة، ثم كان مميزاً في المشاركة السياسية والعمل السياسي، طرق بالحركة الإسلامية أبواباً لم تطرقها من قبل، سببت ريبة في بعض أوساط الحركات الإسلامية التقليدية، ولكنها ما فتئت أن تحولت إلى أنموذج وأمر يستحق التقليد والاستفادة منه.. كان رحمه الله تعالى رحمة واسعة قد جمع بين زهد الداعية في حياته وعلاقته بالناس وتواضعه وبين عمق المفكر في إضافاته وسياقاته ومصطلحاته وشطارة السياسي الذي لا يخدع، كان عاقلاً حذقاً حذراً يتعاطى مع السياسة كما ينبغي دون أن تؤثر على ثوابته ومنطلقاته.
{ هذه شهادة الأمة العربية والإسلامية.. ماذا عن الغربيين؟
–    الغربيون شهدوا بأنه كان الأكثر صلابة فكرياً، أنا قرأت بعض الكتابات الفرنسية  التي تتحدث عنه، يتحدثون أن الاختراق الثقافي للشيخ “حسن الترابي” ليس أمراً سهلاً لأنه جمع بين معرفة واسعة بثقافة الشرق والغرب معاً، فهو الذي درس بـ”انجلترا” في مرحلة الماجستير وفي “فرنسا” في مرحلة الدكتوراة، وكان يقول رحمه الله كل ما أتيح له أن يتعلم لغة تعلمها، فإن في سعة الأقوال والأفعال سعة العقل.
{ كانت له حكمة في تعلم اللغات؟
– كان كما يقول يتحدث العربية لغة أم وعلم وحياة ويتكلم الانجليزية لغة علم وحياة ويتكلم الفرنسية لغة علم والألمانية لغة قراءة.. كان ينتج المصطلحات ويبدع الأفكار ويشجع في الناس روح النقد.
{هل استصحبتم هذه الروح في مسيرتكم؟
–    نحن الذين ندعي أننا تلاميذه ربى فينا لغة النقد التي تطال حتى أفكاره ومقولاته وآرائه بحكم أنه يربي في الناس لا مشيخة ولا تقليد ولا انسحابية ولا خضوع لأي مفكر أو شيخ أو قائد مهما كان مستواه، لقد مر شيخ “حسن” رحمه الله وترك أثراً بالغاً في حياة الناس في العالم الإسلامي في العقول والأفكار وفي غير المسلمين، لأنه حاور الكونغرس حاور الانجليز والفرنسيين، كان رجلاً منفتحاً لأنه يثق بما عنده.
{ أي الموضوعات التي سبق لكم أن تناقشتم حولها معه؟
–    مرة زرناه في المؤتمر العربي الشعبي الإسلامي سابقاً، وكنا عدداً من الشباب ندرك أو لدينا مسلمة أن الغربيين أعقل منا في بعض الأمور، وكان هو في لقاء مع بعض السفراء الغربيين، فدخلنا عليه بعد ذلك وكأننا استشكلنا هذا الانفتاح الغربي لأنه ربما يخدعوننا بحكم عقولهم وتجربتهم.
{ ماذا قال لكم؟
–    قال لنا كلاماً مضمونه نحن وهؤلاء بشر لهم عقول ولدينا عقول ونزيد عليهم بالتوفيق إن شاء الله من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لم يكن منهزماً لأنه منفتح على الحضارة البشرية ومستفيداً منها، قال إنه درس الفرنسية ليطلع على أمهات القانون، ودرس الألمانية ليتطلع على الفلسفة في أصولها. لان كل أمة معروفة بتخصص في مجال معين. دكتور “حسن” إضافة نوعية كان مرحلة كبيرة من تاريخ المسلمين في العصر الحديث، وبوفاته فقد المسلمون عقلاً كبيراً وقيادة مميزة رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته. اللهم أغسله بالماء والثلج والبرد، اللهم نقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه، اللهم أرزقه الجنة وقه من عذاب القبر.
{ هل كنت متابعاً لكل منتوج “الترابي” الفكري والسياسي؟
–    أنا أدعي والله أعلم أنني عند القدرة والاستطاعة ما تغيبت عن قراءة كتاب أو رسالة مما نشر واحتفظ في مكتبتي الشخصية بما يزيد على حوالي (20) من مطبوعاته، هو ليس مكثراً في التأليف ولكنه كان عميقاً فيه وجُمعت بعض رسائله، جمعها الأخ “المحبوب عبد السلام” في كتاب واحد، وكنا نستمع كثيراً لندوات الجبهة الإسلامية القومية ومقابلاته الصحفية.
{ الموريتانيون كيف ينظرون لمنشوراته؟
–    في “موريتانيا” كان للشيخ “حسن” حضور معتبر وتقدير لأفكاره وإضافاته رغم مرورهم في فترة أولى بحالة من التوجس مرت بها كل الحركات الإسلامية التقليدية بحكم حجم نسبة التجديد والإضافة والتطوير في فكر الرجل، لكنه يمكن أن نقول بعد إن استقر الأمر أصبح مؤثراً في الحالة الإسلامية في “موريتانيا”.
{ إذن كانت هناك متابعة لحدث رحيله؟
– الذي يتابع مواقع التواصل الاجتماعي و(الواتساب) ويتابع المناقشات التي حدثت بعد وفاة الشيخ يدرك إلى أي مدى كان الناس مهتمين بفكره وأطروحاته. وكان بعضهم يعزي بعضاً. وأعتز أنني في موريتانيا كنت أتلقى تعازي كثيراً من أخواني وزملائي لأنهم يعتبروني أحد تلاميذ الشيخ.
{ وأخيراً كيف تنظرون لمستقبل الحركات الإسلامية والمسلمين في هذه المنطقة؟
–    هنالك تحديات وانتكاسات وهناك استهداف ومشاكل وقصور وعجز عند بعض الحركات الإسلامية ونحن قوم مؤمنون، لذلك نأمل في المستقبل كثيراً ونعلم أن الزبد يذهب جفاءً وما ينفع الناس يبقى في الأرض، ونعتقد أن الحركة الإسلامية بحاجة لمراجعات تستخلص الدروس وتكتشف الأخطاء وتراجع المسار، وأعتقد أن باستفادتها من إنتاج وتجربة القادة الكبار مثل الشيخ “حسن” سيعينها ذلك في المستقبل، ونرجو مدركين صعوبة ذلك بحكم الخصائص الذاتية للشيخ “حسن” أن تعلن الحركة الإسلامية ميلاد أكثر من شيخ “حسن” في علمه وفقهه وفكره وتجديده رغم أن هناك نوعاً من الشخصيات لا تتكرر كثيراً في تاريخ البشر.
{ هل من وصايا كان الشيخ يخصكم بها؟
–    أنا التقيت الشيخ مرات وكما تعلمنا منه كنا نستفزه أحياناً ببعض الأسئلة، لكنه كان دائماً يعطينا معنى أننا شيء وأنه يستمع إلينا يسألنا عن بلادنا حريص على معرفة التفاصيل، أنا مرة جئت هنا وقابلته في بيته وكان هناك انتخابات في “المغرب”، ولأننا قريبون من “المغرب” كان حريصاً أن يعرف مني أسماء الأحزاب ونتائج الانتخابات وتوجهات مختلف الأطراف في هذه البلد الجار، كان بالتأكيد ينصح ويوجه بناءً على هذه التجربة الطويلة، وينمي فينا هذه المعاني الكلية المتعلقة بربط الحياة بالتوحيد وصراع الحق والباطل والثبات على المبادئ والعض عليها بالنواجذ.. رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.

 

صحيفة المجهر السياسي

حوار – فاطمة مبارك

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *