أ.د المعز عمر بخيت : تواضع سوداني غير محبب

(أنا من نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم، الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم)، هكذا عرف “المتنبي” قْدر نفسه، فصار مخلداً على مر العصور. هذا ليس غروراً، ولكن رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، وعرف كيف يباهي بنعم الله عليه بذكاء وحنكة (وأما بنعمة ربك فحدث).
وإذا لم تقيّم نفسك وتقدمها في المحافل، فأنت مغمور ولست متواضعاً، وهكذا حال السودانيين في جميع الأزمان. إذا تحدث أحدهم عن نفسه وكان يملك ما يتحدث عنه أصبح نرجسياً، وإذا كان يملك جزءاً مما تحدث عنه صار (بتاع show)، أما إذا لم يكن المستمع يرتاح للمتحدث أو كان الأخير غير معروف لدى الأول، ينطلق التساؤل التالي: “ده فاكيها في نفسو ولا شنو؟”، وهكذا نحن معظم أهل السودان غير البسطاء أو بمعنى آخر المثقفين. إذا صعد أحدنا إلى أعلى، (نتشعبط) في قدميه لننزله إلى الأرض حتى نرتاح، وأيما راحة.
أعرف العديد من السودانيين المثقفين والمبدعين والمهنيين والإداريين الذين كثيراً ما يتفوقون على أقرانهم من الجنسيات الأخرى، لكنهم منزوون في أقصى ركن وزاوية وفاشلون في تقديم أنفسهم وإن فعلوا فبصورة ركيكة وهزيلة، بينما الآخرون يجيدون تقديم أنفسهم، لأن الإعلام حتى عن الذات فن وصنعة. نحن أهل السودان لا نقيّم أنفسنا ولا نعرف كيف نبرز قدراتنا للآخرين، لذلك تظل فنوننا وثقافتنا مغمورة برغم جمالها ورونقها وتفردها الجميل. نحن لا نحس بذلك إلا إذا سطا “محمد منير” أو فرقة (ميامي) على إبداعنا فنغضب. حقيقة نحن نستاهل التجاهل وعدم الانتباه، لأننا نتجاهل أنفسنا ولا نميز بين التواضع وعدم الثقة، ونحارب من يتحدث عن انجازاته منا ونتهمه بالنرجسية وبقية الأوصاف السودانية الأخرى.
أن تقدم نفسك وتقدم أعمالك أصبح منهجاً يدرس في المدارس والجامعات ولطلاب الدراسات العليا في جميع المجالات. بالله عليكم حدثوني كم من شاب يحمل طموحه ويذهب لمعاينة ما في لجنة اختيار أو لتوظيف ويكون مدركاً لكيفية تقديم نفسه وأشيائه، ويعرف متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يبتسم ومتى يستخدم لغة العيون في التواصل والمخاطبة، ومتى يستخدم التعبيرات اليدوية لنقل الفهم وإيصال معلومة معقدة؟ لا أحد أو قل عدد بسيط من الموهوبين أو ممن تدرب على أيدي الفرنجة داخل السودان أو خارجه، ناهيك عن طرق الحديث وآداب الحوار والمخاطبة والاستئذان ولغة العفو والامتنان، فجميعها في وادٍ ونحن في وادي عبقر. نحن نعقد أحوالنا ولا نعلّم النشء إبراز قدراتهم، بل على العكس نطلب منهم الصمت ونزجرهم إن تحدثوا، ونعلمهم الخوف والتواضع غير المحبب، والذي أعتبره نوعاً من الإحباط الفكري والإبداعي المغروس فينا منذ الطفولة، فيموت مبدعونا الحقيقيون قبل أن يولدون، ويطل علينا (سماسرة) الفنون.
لا بل وأكثر من ذلك، فنحن ندرس في المجتمع انتقاص مواهب الغير، وبالتأكيد نسلبهم حقوقهم متى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ودائماً ما ننظر للجزء الفارغ من الكوب أو حتى عندما نستمع للآخرين لا ننتبه إلا للهفوات والأخطاء، ونتصيد الثغرات للتعليق السخيف في معظم الأحيان، أو لنجد موضوعاً نسد به رمق الأعمدة الفنية الحايمة في بطن الصحف ودهاليز الانترنت الواهية.
عندما سردت ذكرياتي مع الراحل “مصطفى سيد أحمد” في عمود (عكس الريح) ضمن الملف الخاص به، تحدثت عن اليوم الذي سبق وفاته، وذكرت عَرضاً – ولكن عن قصد – أن “عركي” غنى في ذلك اليوم أغنية (قادوا فرح قبيلتو لي بت كرام الناس)، والتي كتبتها لي الدكتورة “عفاف الصادق” حرم الرائع “عركي” بمناسبة زواجي وأهداها لي “عركي”، وذلك من أجل المعرفة لأنني أعتز بها، ووجدتها سانحة طيبة لأعرف القارئ الكريم بشيء أفتخر به، وهو حق من حقوقي وحق من حقوق معجبي “أبو عركي” أن يعرفوا أن الأغنية كتبت لشخصي الضعيف (بالتواضع السوداني المحبب). فإذا بصديقي الصحفي العزيز “محمد الأمين نور الدائم” في محادثة تلفونية (بالدولار كما يقول)، يتهمني بأنني كنت نرجسياً في تلك الجملة الاعتراضية، واقترح عليَّ أن أفرد لها عموداً كاملاً، لأن ذلك كان خيراً من ذكرها، ونحن في مقام الراحل “مصطفى”!! أحسست بالسعادة وبالغبن، أحسست بالسعادة لأنه فتح هذا الموضوع لأكتب عنه اليوم، وأحسست بالغبن لأنه ظل يحز في نفسي منذ وقت طويل أن أرى هذا التواضع السوداني السلبي يهضم حقوقنا، وأذكِّر صديقي “محمد” هنا أنني لو أفردت عموداً لأغنية “عركي” ولم أذكرها فقط عرضاً لتحول إتهامه لي من النرجسية إلى الجهنمية (من جهنم)، وإلى عبّاد الشمسية (من الوثنية) وإلى النباتات الظلية (من الظلامية). كما أن العمود في ملف الراحل كان سانحة للذكرى والتعريف وليس للرثاء والبكاء على الأطلال. وأن التباهي برائعة “عركي” ليس نرجسية وإنما شمعة في ظلام رهيب، وكان ذلك التباهي تماماً في مكانه ومحله الصحيح، وإن كانت نرجسية مني لتباهيت بها منذ أكثر من عشرين عاماً، وتنرجست حتى مطبع اليقين!
متى نبرز اعتزازنا بأنفسنا لنا وللدنيا بأجمعها؟ إذا برز مبدع سوداني خارج الوطن واحتفى به العالم أقمنا له الدنيا، وإذا تحدث أحدهم عن عطائه في بلده السودان خسفنا به الأرض! أنا أعترف بأنني فاشل في تقديم إنجازاتي لبني قومي لأنهم عاطفيون وحساسون، وأخشى من سخطهم لأنني عندما حاولت أن أفعل ذلك قبل عدة سنوات تطايرت الشكاوي المجهولة والدسائس والمكائد والاتهامات، وكثر البحث في الملفات القديمة حتى قبل مجيئي للدنيا، وبحثوا عني حتى بالإنتربول (والله العظيم ثلاثة)، لكنهم لم يجدوا غير (نرجسياً) احتار عدوه فيه لأنه يمشي عِدل. أما على الطرف الآخر، ولمزيد من النرجسية المحببة، فأنا ماهر جداً مع الأغراب لأنه عصر المنافسة والإنبهار وعصر الإعلام حتى في تقديم أنفسنا، ولأن المنافسة هناك شريفة ومبنية على المصلحة العامة وعلى الإنسانية التي ينادي بها ديننا الحنيف، ألا رحم الله الإمام “محمد عبده”، فقد رأى عندهم الإسلام ولم يرِ المسلمين، ورأى عندنا المسلمين ولم يرِ الإسلام. حب الإعلام في وطني عيب واتهام بحب الظهور، ولا يدرك إلا الأذكياء أن الإعلام هذا أخطر أسلحة العصر، يبنون به الأمم ويسودون به العالم.

مدخل للخروج:
لو كنت أعلم بالذي يأتي غداً لبنيت للطوفان ليلاً زورقا، وضُحى حملتك باتجاهي ها هنا، من دون خلق الله.. كي لا تغرقا.

(أرشيف الكاتب)

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *