تقرير يكشف التدني المريع للخدمات الصحية بالعاصمة

تقرير يكشف التدني المريع للخدمات الصحية بالعاصمة

منذ تولي د. مأمون حميدة ملف وزارة الصحة ولاية الخرطوم، أجرى تعديلات واسعة داخل الوزارة وفي إدارات المستشفيات، شملت إعفاءات وتغييرات واسعة. بدأها بإعفاء مساعدي المديرين بالمستشفيات الكبيرة، وتغييرات داخل الإدارات بالوزارة، وواصل حميدة ما أسماه تطوير الخدمات الصحية بنقل الخدمات التخصصية للأطراف، واستمر في إغلاق بعض المستشفيات الخاصة بحجة وجود دم فاسد وصراصير وغيرها من المخالفات. «الإنتباهة» اقتربت من هذا الملف وقامت بجولات ميدانية لبعض مستشفيات ولاية الخرطوم الخاصة والحكومية، واستطلعت مجموعة من العاملين بها والمرضى وخرجنا بالحصيلة التالية:

مبانٍ بلا معانٍ
بعض المستشفيات الخاصة أصبحت فنادق خمس نجوم، والخدمات الصحية المقدمة للمريض لا تناسب المقابل المادي، فهي مباني بلا معاني، فاذا أخذنا نتائج الفحص نجدها تأخد اكثر من يومين. وقتها يكون المريض قد فارق الحياة. فالمريض من اجل الحصول على خدمات أفضل وعلاج شامل يلجأ الى الخاص رغم ضيق ذات اليد، لكنه يكتوي بالإهمال الذي اصبح ديدن كثير من المستشفيات الخاصة. فعلاقة الطبيب بالمريض اصبحت تحكمها المادة، هذا إلى جانب الأخطاء الطبية القاتلة.. أما الوضع في المؤسسات الحكومية الصحية فهو أسوأ مما نتوقع خاصة في أقسام الطوارئ، فالمرضى بحوادث القلب لا يجدون حتى أسرة. ومن المناظر العادية ان تجد أحد المرضى مستلقياً على الأرض ينتظر الطبيب، ولا توجد حتى أبسط أنواع الإسعافات التي يمكن أن تخرجه من مرحلة الخطر وتعيد له الحياة «فقط أنبوب أوكسجين»، ومعظم المرضى من كبار السن لا تقوى أجسادهم على تحمل ذلك. وكذلك الحال بحوادث مستشفى بحري، فهناك أسوأ بيئة تبدأ من عدم الاهتمام بالنظافة التي تظهرها أرتال النفايات الطبية والعادية، أضف إلى ذلك مجاري الصرف الصحي والحمامات الطافحة والروائح التي يمكن ان تدخلك في غيبوبة. وما يزيد من توهان المرضى بالمستشفيات الحكومية لا تستطيع ان تميز الممرض من الطبيب من الشخص الزائر جميعهم لا يلتزمون بالزي الموحد، فمن الصعب ان تعثر على أحد العاملين وسط الجموع الموجودة داخل وخارج العنابر. وهو نفس الحال بمستشفى أم درمان التعليمي…..وكذلك حال العاملين في هذه المستشفيات فأوضاعهم سيئة جداً وأجورهم ضعيفة ومخجلة قد تصل لـ«800» جنيه.
حالات كثيرة عانت من الإهمال في عنابر المستشفيات ومرضى آخرون فارقوا الحياة بسبب أخطاء طبية، وآخرون عانوا معاناة كبيرة بسبب خطأ التشخيص. كل ذلك خلق واقعاً مقلقاً يفرض على أعداد كبيرة من المرضى السفر الى دول الجوار لتلقي العلاج الأمثل والعناية المطلوبة. وفي المساحة التالية نستعرض بعض حالات الأخطاء الطبية القاتلة، وحالات أخرى لم تجد العناية بسبب شح المال أو عدم سدادهم لرسوم العمليات، وأخرى عانت الإهمال وخطأ التشخيص.
المذيعة غادة
حادثة المذيعة غادة التي فارقت الحياة بعد عملية بمستشفى «ا» نتيجة خطأ طبي وإهمال من قبل الطبيب الذي تركها تنزف وغادر للخارج لحضور مؤتمر ليست ببعيدة عن الأذهان، وما زالت شكوى اسرتها بالمجلس الطبي لم يفصل فيها.
فكوا فكها الأسفل
ومن أبشع هذه الأخطاء ما حدث للطفلة ذات الخمسة أعوام والتي دخلت لمستشفى الأسنان لعمل حشوة فتم فك فكها الأسفل وأصبحت غير قادرة على الأكل والشرب بالطريقة الطبيعية ومنعت من الضحك وحتى التثاؤب. ولم يبت أو يفصل في قضيتها المجلس الطبي حتى اللحظة.. والكثير الكثير من الأخطاء لا يسع المجال لذكرها.
تراجع عن إجراء العملية
هناك حادثة أخرى كان مسرحها ايضاً مستشفى خاصاًَ ومشهوراً، حضرت اليه إحدى السيدات في حالة ولادة طبيعية للمستشفى الخاص الذي قامت بمتابعة فترة الحمل فيه مع الإختصاصي الذي يعتبر مالكاً له. إلا أن السيدة المذكورة تعرضت إلى تقدم المشيمة على الجنين، وهي حالة حرجة تستدعي التدخل الجراحي السريع لإنقاذ الجنين، وبالفعل حضر الإختصاصي المذكور وأمر بتجهيز المريضة لعملية قيصرية مستعجلة، لكنه تراجع عن إجراء العملية دون رحمة، عندما علم أن المريضة لا تملك المبلغ الخرافي الذي تفرضه الإدارة على العمليات القيصرية، فما كان منه إلا أن أمر بتحويلها إلى أقرب مستشفى حكومي، وأمر بتجهيز مريضة أخرى معدة سلفاً لعملية قيصرية قادرة ومستطيعة ان تدفع الرسوم بالطبع! ولم يكلف الإختصاصي المشهور نفسه مجرد السؤال والاهتمام بوسيلة اتصال للمريضة التي أمضت 9 أشهر تتابع معه أو السؤال عنها بعد ذلك! وهذا يؤكد ما ذكرنا من أن بعض المستشفيات الخاصة، تنظر إلى جيب المريض وليس وضعه الصحي كما يلزمه «قسم أبو قراط» الذي أداه.
إهمال كبير
أحد المرضى وجدناه بأحد المستوصفات أكد أن هناك اهمالاً كبيراً وواضحاً خاصة في جانب التمريض ومتابعة الحالات المنومة، وإعطاء الجرعة في موعدها المحدد الشيء الذي يمكن ان ينعكس سلباً على صحة المريض، أضف لذلك كثرة الأخطاء الطبية التي افقدتنا الثقة تماماً في كل الاصطاف العامل، وامتلأت دفاتر المجلس الطبي بالشكاوى.
استثمار على أجساد المرضى
الأستاذ أشرف محمد زين 57 سنة دخل الى مستشفى الخرطوم بخدر في يده اليسرى ورجله ولسانه. وأجري له تشخيص كامل للحالة، وطلب منه رسم للمخ لكن عدم وجود ماكينة بالمستشفى دفعه الى الذهاب الى فضيل ووجد الماكينة ايضاً معطلة، عندها توجه الى أكبر مستشفى تخصصي بالسودان «ر» يحدوه الأمل فى الشفاء رغم التكلفة الخرافية. وبعد رسم المخ شخصت الحالة بانها جلطة ومرت بسلام ولم يمنح اى علاج حتى مرت 3 ساعات وارتفع الخدر من جديد حتى حدث له اعوجاج في الفم، وأعيد الرسم من جديد برسوم جديدة ووضع في غرفة 316 لمدة 24 ساعة مراقبة ولم يأخذ اى علاج ولم يمر عليه خلال الـ 24 ساعة طبيب ولا جهاز متابعة ولا حتى ممرض. وأصبح منوماً منذ الساعة الثامنة والنصف مساء حتى الخامسة صباحاً، بعدها نقل بالسرير من غرفة الطوارئ الى العنبر ولم يتلق اي مسكن ولا حتى جرعة ماء «وعداد الرسوم شغال» والحمامات غير معقمة وليس بها صابون ولا بشاكير. وعند سؤاله قالوا له أحضرها من البيت. وصبيحة اليوم التالي لم يتلق شيئاً سوى الشاي، وعندما سأل الممرضة عن وجوده بالمستشفى بلا اية متابعة من طبيب ولا حتى تلقي اي علاج، قالت له انتظر حضور الطبيب الذي قام بتنويمك. وعند حضوره كتب له خروج على ان يعود بعد 3 أيام لعمل تخطيط للرأس والرقبة، وعند حضوره كان التقني في اجازة. عندها ذهب وحضر بعد يومين وقابل المدير الطبي الذي قال له كان يجب ان تكتب تقريراً في نفس اليوم لكن الآن الوقت مضى ولا فائدة من شكواك تجاه المستشفى ووعده بتحري الأمر. يقول أشرف: كنت أعلم انه مجرد تخدير ووعود فقط وكل ما يؤلمه انه حجز بالمستشفى دون تقديم اي علاج ولا دواء «ودفع دم قلبه». إهدار للكرامة.
المستجير من الرمضاء بالنار
عدد كبير من كبار الاختصاصيين في مجالات مختلفة ضجوا بالشكوى الى «الإنتباهة»، من المستشفيات الخاصة التي غلبت عليها الصبغة الاستثمارية. فأحد الأطباء الاستشاريين ذكر للصحيفة أنه يقوم بإجراء عمليات القسطرة برسوم قدرها 16 مليوناً تصب جميعها في جيب المستثمر صاحب المستشفى، ونصيب الطبيب «ألف وخمسمائة جنيه» فقط، رغم انه صاحب المجهود الاكبر. واخرى ذكرت انها تقوم بتنويم مريض لمدة 10 أيام بمبلغ 17 مليوناً، وفي كبرى المستشفيات الخاصة المملوكة لاحد المستثمرين في المجال الصحي يكون نصيبها من هذا المبلغ «900»ج والباقي يصب في خزينة المستثمر. فالأجر زهيد ولا يتناسب مع المليارات التي تدخل في حسابات المؤسسة. أما الممرضات فحالهن ليس بأفضل من الأطباء. والتقينا مجموعة منهن يعملن بمستشفى خاص «فضلن حجب اسمائهن»، وقلن إنهن يعانين من ظلم مادي كبير، وأن ما يبذلنه من جهود لا يتناسب مع المبلغ الذهيد الذي يتقاضينه كراتب شهري، وما يجبرهن على العمل فقط أملهن في الحصول على شهادة الخبرة حتى يلحقن بركب الهجرة الى الخارج. يحدث هذا في الوقت الذي أعلن فيه وزير الصحة في مؤتمر صحفي سابق، عن حاجة السودان إلى تعيين 60 ألفاً من مختلف الكوادر الطبية. وأضافت إحداهن ان هجرة الأطباء السودانيين لخارج البلاد تعود إلى الظروف الاقتصادية المعقدة بسبب ضعف الأجور، إضافة إلى عدم وجود مناخ ملائم للاستقرار.
للصحة رأي آخر
ولا بد من معرفة رأي وزارة الصحة بولاية الخرطوم ممثلة في ادارة المؤسسات العلاجية الخاصة، حيث تحدث للصحيفة د. محمد عباس فوراوي مدير عام إدارة المؤسسات العلاجية الخاصة بوزارة الصحة الذي قال إن المستشفيات الخاصة شهدت تطوراً ملحوظاً في الثلاثة أعوام الماضية، بعد تكثيف الحملات الرقابية والإشرافية المستمرة بهدف التطوير ورفع كفاءة وجودة العمل في القطاع الصحي الخاص، وذلك عبر فرق متخصصة تقوم بعملية الإشراف، ووجدنا تعاملاً ايجابياً من أغلب أصحاب المستشفيات. والهدف تقديم خدمة صحية ممتازة للمريض. أما الأسعار غير المحكومة والمتفاوتة بين المستشفيات الخاصة ليس للادارة الحق القانوني في التدخل فيها. فقط تطبيق معايير الجودة واشتراطات وزارة الصحة وتقديم الخدمة المتميزة أما الاسعار فتحكمها عدة عوامل ليس لأصحاب المستشفيات يد فيها كزيادة اسعار المستهلكات الطبية والادوية والضرائب ورسوم المحليات وغلاء المعيشة، مما يجعل الكوادر العاملة تطالب بزيادة الأجور مما يجعل التكلفة التشغيلية للمستشفى عالية، فيواجه المستثمر بلغز يصعب حله اذا زاد الأسعار بغرض تجويد الخدمة لن يجد قبولاً من متلقي الخدمة والرأي العام، وإذا خفض الأسعار اثر ذلك سلباً في جودة الخدمة المقدمة، ولن يجد قبولاً عند الجهة الرقابية. فالأفضل التركيز على تقديم الخدمة الصحية الآمنة حتى نطالب المستشفيات بتخفيض الأسعار، ولابد من حصول المستشفيات الخاصة على المزيد من الإعفاءات وتفعيل نظام التأمين الصحي لكل المواطنين مغطياً كل الخدمات العلاجية وليس جزءاً منها.
وأضاف فوراوي: كل المستشفيات ملزمة بوضع لائحة اسعار الخدمات فى مكان بارز بالمؤسسة حتى يطلع عليها طالب الخدمة وله حق الاختيار. أما فيما يخص الأخطاء الطبية لا توجد دراسة علمية توضح ان الأخطاء الطبية اصبحت كثيرة في المستشفيات الخاصة. والخطأ في الغالب من الكادر الطبي وليس المؤسسة، والجهة المسؤولة عن المحاسبة هي المجالس المختصة بالعمل الطبي فى السودان.
أما سوء الأوضاع المادية للكوادر العاملة يقول عباس فوراوي: لا أحد ينكر الوضع الاقتصادي في البلد والمستشفيات الخاصة جزء من هذا. العائد الربحيي ليس بالمستوى المطلوب للمستثمر. أما فيما يخص الرقابة فيها، أكد انها ليست ضعيفة وان إغلاق بعض المستشفيات جاء نتيجة ضبط مخالفات تهدد حياة المرضى، ولا يوجد مجال للمجاملة، وذلك دليل على استمرار الرقابة. أما الجانب الجمالي والفندقي فيقول عنه فوراوي انه مطلوب حتى لا نهمل الجانب النفسي للمريض. ولا بد من إنصاف المستشفيات الخاصة للدور الكبير الذي يلعبونه في توطين العلاج بالداخل وفي سجلاتنا أعداد كبيرة من دول الجوار يلجأون للعلاج في السودان. والمستشفيات التي تسعى للتطور والتجويد ستجدنا عوناً لها، أما التي تخالف وتهدد صحة المرضى بالإهمال المتكرر، سوف يكون مصيرها الإغلاق النهائي.

 

صحيفة الإنتباهة

انتصار السماني

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *