المفاصلة .. هل تسدل وفاة الشيخ الستار عليها ؟

قبل حوالي عامين، كتب الكاتب المعروف إسحق أحمد فضل الله مقالاً بصحيفة «الإنتباهة» حرك به السكون في الساحة السياسية، وأعاد للذاكرة حدث مفاصلة الإسلاميين في السلطة التي قضت بذهاب د. الترابي من ساحة النفوذ والتأثير السلطوي والسياسي داخل المؤتمر الوطني، فمنذ وقوع الحدث الزلزال كان وقعه لدى المواطن العادي والمراقبين بين مصدق ومتشكك، والآن بعد رحيل د. الترابي مؤخراً قد يبرز التساؤل مرة أخرى حول هذه القضية سيما في ظل الدعوة للتقارب بين الفرقاء، ومؤخراً ألمح أيضاً أستاذ إسحق بعد وفاة الشيخ لفرضية المسرحية التي حكيت لضرورات أشار إليها. لكن كيف جرت الوقائع إبان إعلان المفاصلة الشهيرة، هذا ما سنسرده حتى يلم القارئ بالمشهد كاملاً؟

وقائع الأحداث
فاجأ رئيس الجمهورية الفريق «حينها» عمر البشير الجميع في ديسمبر 1999 بإعلان حالة الطوارئ في البلاد وتعليق الدستور وإنهاء أجل المجلس الوطني «البرلمان». وقال في مؤتمر صحفي عقد بعد يوم واحد من إعلان القرارات، إن القرارات جاءت لإعادة هيبة الدولة التي أضعفتها الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني. وأشار الى أنه ضد النظام الأساس للمؤتمر الوطني لأنه يضع السلطة في يد الهيئة القيادية متناسين أن هناك حكومة ورئيساً. وقال إنه ليس لديه خلاف مع قواعد المؤتمر الوطني بل مع المؤسسات الفوقية التي جاءت بطرق يعلمها الجميع. وقال إن الأمر بلغ في الأيام الماضية مرحلة خطيرة لدرجة أن تقوم الهيئة القيادية بتكوين لجنة محاسبة له شخصياً بحجة التغيب من الاجتماعات. وقال إن هناك استهدافاً واضحاً لهز سلطة الدولة وإسقاطها، وأن ذلك انعكس في العصيان والرفض لتوجيهاته وقراراته التي يصدرها بشأن دفع مرتبات المعلمين وإزالة نقاط التحصيل عبر الولايات من قبل بعض الولاة، وكذلك رفض المجلس الوطني لطلباته وخطاباته، وقال إنه لا يمكن لبلد مثل السودان ان يدار برئيسين، وأشار الى أن الترابي أعلن صراحة لطلبه ورفضه مناقشة التعديلات الدستورية بالمجلس الوطني الذي يجعل الرئيس منسقاً بين الجهازين التنفيذي والتشريعي. وخلص إلى أن الوضع بات يمثل الوضع قبل الثلاثين من يونيو وكان لابد من أن يفي بالبيعة التي تلقاها من الشعب.
ماذا قال الترابي؟
وعلى إثر إصدار قرارات الرئيس عقد د. حسن الترابي رئيس المجلس الوطني والأمين العام للمؤتمر الوطني مؤتمراً صحفياً في مقر المؤتمر الوطني بالخرطوم وصف فيه قرارات الرئيس التي أعلن فيها إعلان الطوارئ وحل المجلس الوطني، بأنه انقلاب وخرق للقانون الحكم الإتحادي وقال«إن الرئيس ابتدع له سلطة أن يخلع الولاة ويعينهم وهم ولاة منتخبون من الشعب حتى هذه اللحظة وهذا يعني ان الحريات ستضيع لأن حالة الطورائ حالة اعتقالات ومصادرات والطوارئ بحسب الدستور لا تجاز إلا بموافقة المجلس الوطني الذي أصبح ضحية لها الآن» وقال «سنلجأ للمحكمة الدستورية والطعون، ولكنكم تعلمون أن هذه الطعون لا تجدي كثيراً في ظل هذا الوضع»، وفي يوم الخامس من رمضان توجه د. الترابي إلى المجلس الوطني بيد أنه منع من الدخول، بينما عقد مجلس الوزراء في ذات اليوم جلسة أيد فيها قرارات الرئيس، وقد أثار القرار ردود فعل كبيرة حتى في الخارج واهتمت به كل الوسائط الإعلامية هناك، وتلقى الرئيس البشير اتصالات من عدد كبير من الرؤساء العرب بغرض الاطمئنان على أوضاع البلاد لكنها تستبطن التأييد لقرارات الرابع من رمضان، أما على صعيد الوسائط الداخلية فقد اتجهت لتأييد القرارات، بيد أن الأستاذ حسين خوجلي رئيس تحرير صحيفة «ألوان» كان هو الوحيد الذي تحفظ عليها وكتب بعد يومين فقط من صدروها «أن كل المراقبين يعتبرون أن الذي حدث نكسة مشهودة في تاريخ المسلمين وفي كل أنحاء العالم» وقال «إنها نكسة تضاف لأحزان الفتنة الكبرى ومقتل الحسين وسقوط الأندلس».
إسحق فضل الله ونظرية السيناريو المصنوع
وصف الكاتب المعروف أسحق أحمد فضل الله في مقال أشرنا إليه في مقدمة المقال بصحيفة «الإنتباهة» أن مفاصلة الإسلاميين في الرابع من رمضان في عام 1999 بأنها مخطط مخادع وقال «الخطر على السودان والإنقاذ.. كان يقترب باندفاع عنيف ولتفادي الخطر كان الثلاثة البشير وعلي عثمان والترابي يصنعون مخطط انشقاق الإسلاميين «شعبي ووطني» والمخطط يوضع بمنطق أنه إن عرف الناس ان الانشقاق مخطط مخادع عرفت المخابرات العالمية أن الانشقاق مخطط مخادع.. وهكذا كان الانشقاق يصمم بحيث يخدع العالم كله وحتى اليوم يؤمن كثير من الناس والإسلاميين معهم أن انشقاق الإسلاميين حقيقي.. والانشقاق المصنوع كان مرحلة تنتهي في التاسعة من مساء الثلاثاء الماضية والترابي يجلس بين الصادق وغازي للاستماع إلى خطاب الرئيس «ثم يقول في فقرة أخرى» مرحلة تصميم الانشقاق بحيث يبدو شيئاً ينبت من جذور حقيقية صادقة، والشعبي يصبح «مانعة صواعق» فوق رأس الوطني ويقود المعارضة في الصحراء الواسعة ثم يقول«لكن اللعبة تنتهي صبيحة انقلاب السيسي.. الانقلاب الذي يجعل المخابرات العالمية تطل من نافذة السودان. ويقول أيضاً «وفي المسرح.. المسرحية الجيدة تجعل المشاهد يتوتر للخطر ويغضب للخيانة.. ثم البطل والخير كلاهما ينتصر.. والمشاهد يتنهد في راحة».
هذي خلاصة ما ذهب إليه الأستاذ أسحق فضل الله بحسب النص المنشور، لكن قد يتساءل الكثير من المراقبين وكنت قد تساءلت في مقال سابق، هل ما كتبه الكاتب هو محض استقراء كتب بمداد الخيال باعتبار أن الكاتب هو في الأصل كاتب قصة أم أن مصدره تسريبات من جهة رسمية؟ إذ أن المعروف أن للكاتب مصادر نافذة يمتلك منها ربما شيئاً من الخطوط العامة أو ربما التفاصيل كلها ليحولها وفق حيثياتها إلى نقاط عريضة وأحياناً رموز وفق نظرية «تمليك قدر الحاجة فقط»، سيما والكاتب من الذين يتحمسون للإنقاذ.
احتمالات السيناريو
لا شك أن الذين اعتبروا أن قرارات الرابع من رمضان هي محض سيناريو حبكته الإنقاذ لتفادي الأخطار الخارجية وكسب الشارع السياسي بالداخل باعتبار أن الخروج عن عباءة الترابي وما عرف عن تأثيره الكاريزمي والذي هو عرّاب التنظيم قد يمثل انقلاباً للفكرة في نظر الإسلاميين، وبالتالي فهو خطوة محفوفة المخاطر لا يمكن أن تتم ما لم يحدث توافق مسبق بين الطرفين، وكذلك يستندون إلى حديث د. الترابي الذي كشف فيه سيناريو الإنقاذ الأول حينما قال «قلت للرئيس البشير اذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب إلى السجن حبيساً». فهم يرون أن للإنقاذ إرث في صناعة السيناريوهات والتي ابتدروها عند الانقلاب بغرض إكساب استقلالية الحركة الجديدة، ولهذا من غير المستبعد أن يلجأوا مرة أخرى لهذه الآلية سيما فهم واجهوا صدوداً دولياً كبيراً مما أثر على الحراك الاقتصادي والسياسي للدولة.
معارضو السيناريو
أما معارضو سيناريو صناعة المفاصلة بين الإسلاميين باعتبارها مجرد تمثيلية، فهم يستندون إلى مآلات المفاصلة على أتباع الشيخ الترابي وحزبه المؤتمر الشعبي، وما ترتب عليها من تضييق واعتقالات طالت أكثر من مرة حتى الشيخ الترابي، وبفترات طويلة لبعض الكوادر إضافة إلى حرب لفظية بين الفرقاء واتهامات الحكومة للشعبي بالتآمر لقلب نظام الحكم حتى أنها قبل عدة سنوات قالت إن أجهزتها عثرت على أسلحة مخبأة في أحد المنازل فضلاً على اتهام الحكومة ورموزها للشعبي بتأجيج أزمة دارفور والوقوف مع حركة العدل والمساواة والتي استطاعت في العام 2010 من دخول مدينة أم درمان. وكان الثمن باهظاً أنهاراً من الدماء، ولهذا فهم يرون أن كل هذه الإسقاطات القوية والعنيفة للمفاصلة لا يمكن أن تكون مجرد قربان لتأكيد مصداقية المفاصلة كحقيقة وليست مجرد سيناريو مصنوع.
أين الحقيقة؟
وبالطبع، فإن حجة الرافضين لحياكة المفاصلة بالرغم من أنها وفق الحيثيات المنطق الظاهري تبدو أقرب للواقع، عطفاً على إسقاطات الثمن المدفوع، لكنها مع ذلك لا يمكن اعتبارها حجة لا يشوبها النفي بالنظر إلى ميل الإسلاميين في السلطة وغيرها إلى التكتيكات والاتكاء على ما يعرف بفقه الضرورة، وهو فقه مطاط استوعب الكثير من المطبات والأزمات والمواقف التي مرت على البلاد، وكانت له بعض الإسقاطات السلبية على صعيد الحرب أو السلام.
ماذا بعد رحيل الشيخ؟
أخيراً، بعد رحيل د. الترابي والحزن الكبير على وفاته من جانب الإسلاميين في المؤتمر الوطني، والتلميح بالوحدة بين الأطراف، هل يعني أن فرضية المسرحية كما أشار الأستاذ إسحق فضل الله، قد يسدل الستار عليها نهائياً بلم الشمل بين الفريقين، على أن يتم كشف الأوراق تماماً بعد عدة سنوات؟ سؤال معقد تصعب الإجابة عليه، لكن أيها القارئ العزيز أي الإحتمالات ترجح؟

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *