الأضرار المترتبة على نشر الشائعات المُغرِضة بين أفراد المجتمع

إن الشائعات لها خطر عظيم على الفرد والمجتمع، فالشائعة كما تعلمون آفة من الآفات التي تعمل على تقويض المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب بين أفراده.
تعددت الأقوال في بيان حقيقة الشائعات وبيان مفهومها وتحديدها، فقيل: هي نبأ مجهول المصدر، سريع الانتشار، ذو طابع استفزازي في الغالب. وقيل: هي مجموع سلوكيات خاطئة سريعة الانتشار، تُثِير البلبلة والفتنة في المجتمع. وقيل: هي معلومة ضَالة مُضلِلة تصدر من فردٍ، ثم تنتقل إلى أفراد، ثم إلى المجتمع، فهي محمولة على الضلال، وهي مجموعة أخبار ملفقة تعمل على نشر الفوضى بين الناس. وقيل: هي رواية مصطنعة يتم تناولها بأيّة وسيلة متعارف عليها، دونَ النظر لمصدرها.
بالنظر إلى تلك التعاريف السابقة في بيان مفهوم الشائعة نجد أنها متقاربة من حيث المعنى وإنِ اختلفت ألفاظها، فالشائعة قد تكون ذاتَ مصدر، لكنه غير موثوقٍ فيه، أو يكون موثوقًا فيه، لكن القائل غير وبدل، سواء كان هذا التغيير أو التبديل بالنقص أو الزيادة، بقصدٍ أو بغير قصدٍ، فجاءت على خلاف الواقع. وقد قيل: آفة الأخبار رواتها. وقد ساعد على انتشار الشائعات في وقتنا الحاضر تنوع الوسائل وتَعددها عن طريق البثِّ المباشر بوسائله المختلفة، بحيث تصل الشائعة إلى مَن وُجِهت إليه في زمن قياسيٍّ، والشائعة ليست دائمًا خبرًا كاذبًا أو قصة ملفقة، وإنما قد تكون واقعية تستحق الكتمان، وغير قابلة للنشر، لِمَا في نشرها من الخطر والضرر على الفرد والمجتمع؛ لأنها تستهدف كثيرًا من الحالات والجوانب، فهي تؤثر على الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وهناك ما يُسمى بحرب الشائعات، وهذا أثره كبير، وخطره شديد في علاقات الدول مع بعضها البعض، وهي تسمى الحرب النفسية.والشائعات ليست وليدة هذا اليوم، وإنما هي معروفة بقِدَم الإنسان، لكنها أخذت تَتطور وتزداد مع تطور الحضارات القديمة والحديثة، وهذا شيء مُشاهَد فيما نلحظ الآن من الشائعات التي نسمع بها بين فترة وأخرى في شتى الوسائل.
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين لم يسلم من تلك الشائعات الكاذبة الْمُلَفَّقة، فقد أبتلي بحادثة الإفك، وكلنا يعلم هذه الحادثة، وكادت تؤثر في بعض النفوس، لولا أن الله جل وعلا فضحهم وبيَن كذبهم، وبَرَّأ عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات، برأها بآيات تُتلي الى يومنا هذا.
كذلك لما أشيع مقتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أَثَّرَ ذلك على صفوف المجاهدين، والأمثلة على هذا كثيرة. وقد جاء التحذير من تلقف الشائعات والترويج لها صريحًا في قول الله جل وعلا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»«سورة الحجرات : الآية 6» فسمى الله ناقل الشائعة فَاسِقًا، ولا يخفى دور الفاسق في الإفساد في الأرض، َوحقٌّ على من سمع الشائعة أن يتثبت وأن يتأكد من صحة الخبر، وعليه أن يسأل نفسه هل في إعلانه مصلحة أم أن المصلحة في الكتمان؟
ولقد جاء التحذير من الشائعة في السنة أيضًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». فكم أوقدت الكلمة الخبيثة من فتنة! وكم أهلكت من أمة! لا سيما إن كان مستثمروها من الفاسقين الذين يُرَوِّجون للباطل تحت شعار حرية الكلمة، وأي حرية هذه حين يجد أهل الباطل مَسْلَكًا لترويج أكاذيبهم، يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه من أجل التمويه والتضليل، فيَلْبِسون الحقَّ بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون.
إن من يتولى ترويج الشائعات والأكاذيب وقلب الحقائق لا يعرف قدر مسئولية الكلمة، فالحرية لا تعني الخوض في الباطل، فالإنسان مسئول أمام الله عز وجل عما يقول وعما يفعل، قال تعالى: «مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» «سورة ق: الآية 18».
إن انتشار الشائعة بين أفراد المجتمع له دوافع كثيرة، وهذه الدوافع قد تكون دوافع نفسية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وتتعرض الشائعة في أثناء التداول إلى التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص.
ومن أهم أسباب انتشار الشائعة على سبيل المثال لا الحصر:
الهوى: هوى النفس الأَمَّارة بالسوء إلا من رحم ربي، فصاحب الهوى يعمل على نشر ما يوافق هَوَى نفسِه، فهو لا يهمه إلا مصلحة نفسه فقط، ولا يهمه ما يحصل بعد ذلك من خطر على البشر، وقال جل وعلا: «وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» «سورة ص: الآية 26».
الجهل: والمقصود منه الجهل بعواقب الأمور، فقد يظن الإنسان أن ما ينشره من الأكاذيب والأقاويل حقائق لا تقبل الجدل، لكن في الحقيقة هي أكاذيب مُلَفَّقة، فالجهل بعواقب الأمور من أهم دوافع انتشار الشائعات في المجتمع.
النفاق: مرض القلب، فما من فتنة إلا وكان للمنافقين يد فيها، وما حادثة الإفك من ذلك ببعيد، وهي خير شاهد على ذلك.
الفراغ: الفراغ القاتل يؤدي بلا شك إلى ترويج الشائعات بطرق ووسائل مختلفة، ومن هذه الطرق مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت مملوكة لكثير من أفراد المجتمع.
الرغبة في حب الظهور: إن حب الظهور مرض نفسي، وهو من الحيل التي يلجأ إليها ضعاف النفوس من أجل إبراز أنفسهم على حساب الآخرين بشتي الوسائل.
الشعور بالكراهية للآخرين: وخاصة مَن لهم نفوذ ومكانة في المجتمع سبب في زرع الشائعات، فيعمل مُرَوِّج الشائعة على نشرها من باب الكراهية والبغضاء. إن المؤمن كيسٌ فطن لا يخدع بظاهر القول. وعلى الجهات المختصة التوعية المستمرة بمخاطر وأضرار الشائعات واستحداث قوانين رادعة للحد منها.
وخلاصة القول إن هذه الأسباب يجمعها سبب واحد، وهو ضعف الوازع الديني.
اللهم احفظ بلادنا من حقد الحاقدين ونوايا المغرضين، اللهم أرنا الحق حَقًّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

 

صحيفة الإنتباهة

محمد بشير الطريفي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *