ما الذي يجري في الشمالية ؟؟ .. عودة المهاجرين لأرض الأجداد

ما الذي يجري في الشمالية ؟؟ .. عودة المهاجرين لأرض الأجداد

ما الذي يجري في الشمالية ؟؟ هل حقاً أصبحت مشروعات زراعة القمح هي البديل لتوفير مبلغ (5) مليارات دولار ينفقها السودان سنوياً على قمح وارد روسيا وكندا وتركيا؟؟ وماذا عن الاحتجاجات الإسفيرية على السدود الجديدة وواقع المواطنين على الأرض المعنيين قبل غيرهم من المهاجرين بمصالحهم في قيام السدود من عدمها؟؟ ولماذا ظل مستشفى مروي لأكثر من (10) سنوات قصراً مشيد وبئراً معطلة؟؟ وهل عودة د. “عوض أحمد الجاز” للجهاز التنفيذي بدرجة مساعد للرئيس في القصر واختياره رئيساً لمجلس إدارة مستشفى مروي ستعيده للحياة وتنقذ (معدات) بمليارات الجنيهات من التلف بسبب توقف المستشفى، في حلفا القديمة التي أخذ يعود إليها بعض الذين هجروها لأكثر من ستين عاماً باكتشافات الذهب.. وفتح معبر (أشكيت) البري مع مصر الذي ضخ أسباب الحياة في جسد حلفا الذي شيع من إهمال السنين؟ وكيف حال المهندس “علي العوض” القادم من تخوم كسلا وأريافها بدنقلا والياً يتحدث العربية وهي ليست لغته، ويتحدث لأهل منطقة أغلبهم تعلموا العربية في المدارس الحكومية ولكنه والٍ بدون معارضة معلنة ولا كباتن يحفرون تحت كرسيه بعد أن كانت الشمالية منطقة (ضغط مرتفع) في صراعات السلطة؟!
يومان مدة قصيرة لاكتشاف كل شيء في رفقة مسؤول رفيع المستوى لا يكلّ ولا يملّ من متابعة الشأن التنفيذي والاهتمامات الاقتصادية ومخاطبة الناس في أطراف البلاد (المترامية)، حتى قال “سيد أحمد صالح” وهو من قيادات وادي حلفا: (الإنقاذ ولدت اللواء “الزبير” من جديد في شخصية د. “حسبو محمد عبد الرحمن”)، وخلال جولة شملت دنقلا العاصمة ومحلية القولد والدبة ومروي وكريمة وحلفا القديمة و(أشكيت) المعبر لقلب مصر، كانت محطات الزيارة قد طغى عليها الجانب الاقتصادي والاجتماعي والتنموي وتدحرج الشأن السياسي المباشر (لأولوية ثانوية)، لتعلو قضية الخبز الحاف والتنمية، فكيف كانت مشاهد أيامنا في أقاصي الشمال..!!
{ القولد من صديق لمشاعر
كان في قديم الزمان.. في مدينة القولد شخص تم تخليد ذكراه في كتب المرحلة الأولية صديقنا “صديق عبد الرحيم” في القولد قبل أن يقبر في الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفسه شوق لبلاد عزاز أهلها.. وقرر “منقو” أن يصبح أجنبياً يدخل ود مدني بجواز سفر ولا يتوق لرؤية صديقه في ود جفيل.. هبطت بنا الطائرة الرئاسية في مدينة دنقلا التي لو لم يكتب في سيرتها سوى اتفاق “عبد الله ابن أبي السرح” لكافها شرفاً، وقد كانت البوابة التي دخل بها الإسلام والعرب للسودان.
وفد نائب رئيس الجمهورية ضم من الوزراء “مشاعر الدولب” ووزير الدولة بالاستثمار “أسامة ميرغني” ونائب دائرة حلفا السكوت والمحس بالمجلس الوطني واللواء أمن “أحمد عثمان” نائب مدير إدارة الأمن الاقتصادي ود. “مصطفى حولي” وكيل المالية و”محمد أحمد البشرى” مساعد المدير العام لبنك السودان، وغاب بروفيسور “إبراهيم الدخيري”، ولم يحضر د. “محمد محمد صادق الكاروري” وزير المعادن.. بينما التحق بالرحلة في محطة الدبة د. “محمد عبد الرازق” مدير عام ديوان الزكاة، وفي مروي شفنا هناك د. “عوض الجاز” والوزيرة التي تكتب تاريخاً لبني جلدتها “سمية أكد”، امرأة أعطت المنصب طعمه.. والوزارة قدرها.. في القولد زرع صندوق الضمان الاجتماعي الأرض بالقمح وعانقت سنابله السماء.. والطائرة المروحية تعلو وتهبط.. ومشاريع القمح في منطقة الباجة التي كانت عصية على سيارات الـ”هينو” والـ”اوستن” في الزمان القديم لكثافة الرمال ووعورة الطرق.. أصبحت الباجة تنتج غذاء السودان من القمح.. ودخل صندوق الضمان الاجتماعي دائرة الإنتاج بعد أن كان يستثمر في العقارات والأراضي وينافس صغار التجار في شراء القطع الاستثمارية.. أصغى صندوق الضمان لتوجيهات الوزيرة “مشاعر الدولب” التي تقول إن أموال الصندوق يجب أن تذهب لتطوير الزراعة والصناعة دون خوف من مخاطر الزراعة، وأولى تجارب زراعة القمح في مساحة (2,500) فدان تمت زراعتها في محلية القولد غرب النيل.. ورفضت إدارة صندوق الضمان الاجتماعي الحديث عن إنتاجية الفدان الواحد عادّة الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن متوسط إنتاجية فدان القمح، في الوقت الذي بلغ فيه إنتاج الفدان بولاية الخرطوم (25) جوالاً كمشروع “الواحة” وولاية الخرطوم والجزيرة تعدان من المناطق غير المثالية لزراعة القمح، وتم حجز إنتاج مشاريع صندوق الضمان الاجتماعي كتقاوٍ للموسم القادم.. وسألت (المجهر) وكيل وزارة المالية د. “مصطفى حولي” عن شراء المالية لإنتاج مشروعات المؤسسات ومعاملتهم مثل الأفراد حيث قررت الحكومة تحمل (130) جنيهاً عن كل جوال قمح إنتاج محلي تشجيعاً للمزارع الوطني.. ويبلغ سعر جوال القمح الكندي والتركي والروسي نحو (170) جنيهاً في السوق، لكن الحكومة تشتري من مزارع القمح الجوال بمبلغ (400) جنيه.. يقول “مصطفى حولي” إن المالية وضعت ضوابط للشراء من الأفراد حتى لا تتعرض لخدعة من البعض، وأهم ضوابط الشراء حصول المزارع على تمويل حكومي وتسجيل مساحته المزروعة.. والمؤسسات الكبيرة تستطيع تسويق إنتاجها للمطاحن، أما إنتاج مشروع الضمان الاجتماعي في القولد فإنه يذهب مباشرة للتقاوي التي كانت الحكومة تدفع أموالاً طائلة من أجل توفيرها.. وحث “حسبو محمد عبد الرحمن” المزارعين على الإنتاج، ودعا حكومة الولاية الشمالية لمراجعة العقودات التي يتم إبرامها مع المستثمرين الأجانب خشية أن تتأثر الأجيال باتفاقيات لا تراعي حقوق الجيل القادم.
في الطريق إلى رئاسة محلية القولد تبدت (قرية أو مدينة) “رومي البكري” مسقط رأس الدكتور “مصطفى عثمان إسماعيل” الذي اشتهرت به الآن لأن “مصطفى عثمان” هو أشهر وزير خارجية مرَّ على السودان منذ “محمد أحمد المحجوب” وحتى اليوم.. وخرجت الجماهير على قلتها في القولد لمقر مركز تدريب وتطوير المرأة الذي شيدته من حر مالها السيدة “وداد يعقوب” مديرة وصاحبة شركات (النحلة)، فالثراء والعيش الرغد في الخرطوم والعواصم الغربية لم (ينس) “وداد يعقوب” عشيرتها الدناقلة، وقيل في الأثر إن الأعاجم أمكثر وفاءً للأرض من العربان كما يقول “ابن خلدون” في كتابه (المقدمة) ولا مشاحة إن شيدت “وداد يعقوب” ذلك المركز النسوي الذي وجد دعماً مالياً من النائب “حسبو محمد عبد الرحمن” بمبلغ (2) مليار جنيه ليؤدي دوره في ترقية دور المرأة الريفية. وأصدر “حسبو” قراراً آخر قضى بإنشاء محفظة تمويل (صغرى) في القولد تضطلع بها وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي.
{ الدبة أرض البديرية
حينما اقتربت السيارات التي تقل الوفد إلى منطقة الدبة أو محلية الدبة يحدثنا المؤرخ “جعفر ميرغني” عن الدبة وتمازج سكان السودان النيلي بالسودان الغربي، وأن البديرية الذين هم سكان الأبيض الأصليين تمتد جذورهم إلى منطقة الدبة، خاصة (دبة الفقرا) والصحيح (دبة الفقهاء) لوجود الشيوخ والخلاوي، هؤلاء هم أجداد الشيخ “إسماعيل الولي” وآل “سوار الذهب”، وفي بعض الروايات ينسب الرئيس “البشير” إلى البديرية حيث إن بعضاً من دمه بديري وبعضاً جعلي.. وشيء من مسقط رأسه في “حوش بانقا” وآخر في “الجزيرة”.. وهكذا يتمازج السودان.. وبدت كلمات اللواء أمن “مبارك شمو” معتمد محلية الدبة مفعمة بالأمل في المستقبل، وتبدى الأثر الديني في منطقة الدبة من خلال إقبال المزارعين والتجار على دفع الزكاة طوعاً لتتفوق محلية الدبة على كل محليات الشمالية في دفع الزكاة دون شرطة وإرغام.. وحصدت محلية الدبة بدفع أغنيائها الزكاة مكافأة من ديوان الزكاة الذي خصص أكثر من (10) مليارات جنيه (لفقراء) الدبة وليس (فقهائها).
{ مشهد السلطة تخضع للفقراء
في مشهد مؤثر جداً.. نهض “حسبو محمد عبد الرحمن” من مقعده ليستقبل شيخاً سبعينياً كان يمشي على عجلة.. ضباط وجنود الحرس الجمهوري المكلفون بحماية الدستوريين تم انتقاؤهم بدقة شديدة.. وتدريبهم على احترام الكبير والصغير، وحراس النائب “حسبو محمد عبد الرحمن” تجدهم رءوفين جداً بأصحاب الحاجات الخاصة.. ظل الرجل (المُقعد) يزحف حتى بدا في مواجهة نائب الرئيس الذي أمر الحراس بإفساح الطريق له وعندما اقترب نهض النائب من مقعده واحتضن الرجل وأصغى إليه ليسمع شكواه.. استدعى “حسبو” في الحال الوزيرة “مشاعر الدولب” ود. “محمد عبد الرازق”- وفشلنا في معرفة التوجيهات التي صدرت همساً- لكن الرجل السبعيني ابتسم ابتسامة رضا أضاءت وجهه، بينما هناك أكثر من مائة أسرة رسمت الاحتياجات التي وزعها ديوان الزكاة عليها انشراح قلب وسترة حال، وعدّد اللواء “مبارك شمو” مطالب أهل المنطقة في إكمال مستشفى الدبة والطرق الداخلية.
{ مروي فيك كل جميل
المطار الدولي في مدينة مروي والطرق الداخلية التي تمددت لكل أحياء المدينة.. والنيل والجروف والنخيل وسحر الطبيعة، يجعل مروي عاصمة ثانية، ومنتجعاً سياحياً يستقبل فيه الرئيس “البشير” الرؤساء العرب والأفارقة في فصل الشتاء.. والدمازين أو كادوقلي عاصمة أيضاً يستقبل فيها الرئيس ضيوفه في فصل الخريف.. ومطار مروي الذي يشتاق لمعانقة طائرات الأيرباص ظل موحشاً إلا من طائرات تهبط من حين لآخر.. كانت زيارة مروي قد خصصت لتفقد النائب لمستشفى مروي الذي يعدّ أحدث مستشفى في السودان ومن أكبر المستشفيات في أفريقيا.. هو فخر لهذا الوطن لكنه ظل معطلاً لعشر سنوات رغم أن أجهزة الكشف عن الأورام الخبيثة التي تم تركيبها لا وجود لها في القارة الأفريقية وربما في مستشفى “الملك سعود” في الرياض فقط.. وبعد (عاصفة الحزم) وجرحى العمليات من اليمنيين قررت الحكومة أن تستقبل هؤلاء الجرحى في المستشفى لتدب الحياة فيه، وكانت عودة د. “عوض أحمد الجاز” بمثابة عودة الروح لمروي والقرير وتنقاسي.. وجمع د. “عوض الجاز” كل المسؤولين في القطاع الصحي، من وزيرة الدولة “سمية أكد” وكبار الاختصاصيين ومدير المستشفى لاجتماع امتد ليوم كامل حدد بشكل قاطع إعادة فتح المستشفى ونظافته وتشغيل كل المعدات، واستقبال جرحى عمليات (عاصفة الحزم).. وأمر د. “عوض الجاز” بطريقته الخاصة الوزيرة “سمية” أن تبقى في مروي، وأن ينتقل الاختصاصيون لمروي بأي ثمن مادي، وتفتح أبواب الإمدادات الطبية من أجل احتياجات المستشفى.. ويسهر العمال في النظافة، ويبقى وزير الصحة في الشمالية من أجل عودة الحياة للمستشفى في غضون ساعات.. لم يترك د. “عوض الجاز” لنائب الرئيس شيئاً يقوله فاكتفى بالقول: (ربنا يوقفكم، هذا موقف مشرف جداً).
وامتدت الرحلة داخل مروي إلى الضفة الأخرى، أي مدينة كريمة، واللواء “أحمد عثمان” يشرح لأمثالنا غريبي اليد واللسان الفرق بين الضفة الغربية لنهر النيل والضفة الشرقية، حيث يتعرج النيل وتتداخل الاتجاهات، و”أحمد عثمان” رجل مثقف جداً عميق في رؤيته الاجتماعية والسياسية.. أطلت أهرامات كريمة واستاد كريمة الذي هرب الهلال من مواجهة المريخ فيه بالمباراة المعلنة العام الماضي هناك، وفقد “الكاردينال” تعاطف أهله وعشيرته.. وتوجهنا إلى مصنع كريمة لتعليب الفاكهة وهو يبعث من جديد وتضخ السعودية من خلال شركة “القحطاني” (11) مليون يورو لبداية إنتاج تعليب الطماطم والفاكهة في الأسبوع القادم.. والمصنع الجديد باسم منتجات (فياض) عبارة عن شراكة بين حكومة الشمالية (25%) هي الأرض والمباني التي شيدها الروس في السبعينيات والسعودية التي جاءت بمصنع من إيطاليا حديث جداً لتعليب الفاكهة.. ومصائب قومٍ عند قوم فوائد إذ كانت ثلاجات مطار مروي التي جاء بها “أسامة عبد الله” لتصدير الفاكهة قد جفت وكادت أن تصبح خردة فعادت إليها الروح وإدارة المصنع (تحشوها) بإنتاج الطماطم في انتظار بدء إنتاج أكبر مصنع لتعليب الفاكهة في البلاد.
{ حلفا مسكاقرو.. سكرفي
هبطنا مطار حلفا الترابي الواقع على بعد نحو (10) كلم من المدينة القديمة، وفي الذاكرة مأساة تهجير الحلفاويين إلى شرق السودان، وفي الخاطر عبقرية المكان الذي أنجب “جمال محمد أحمد” و”خليل فرح”.. و”محمد وردي” و”داوود عبد اللطيف” والصحافيين “محمد توفيق أحمد” و”زكريا حامد”.. و”رأفت بتيك”.. وحلفا قدمت الآن سياسياً شعبياً أحبه الناس وجعلوا منه قائدهم بصدق تعابيره المعتمد “عبد الهادي محمد الحسن” وهو يبتسم في وجه مواطني حلفا، التي أخذت العافية تدب في جسدها العليل لثلاثة أسباب أولها قيام (معبر أشكيت) الذي يصل مصر بالسودان وعبر من خلاله (122) ألف شخص، قال مدير معبر (أشكيت) في حديثه للوفد إن حلفا التي تبقى من الحلفاويين فيها (500) أسرة فقط الآن بدأت العودة إليها من جديد بفضل المعبر، وشركات التعدين التي انتشرت، ومن دار زغاوة في أقصى الغرب جاءت شركة (دوسة) للتعدين، التي يجد مديرها العام “حافظ دوسة” تقديراً من المواطنين لا يجده كثير من المسؤولين.. وقد مدح المعتمد “عبد الهادي” أداء “دوسة” المستثمر مثلما مدح المواطنون جهراً أمام النائب “حسبو محمد عبد الرحمن” معتمد وادي حلفا، وتبدت على وجه الوالي “علي العوض” تقاسيم الرضا، و”علي العوض” والٍ بدون معارضة ولا أثر لكباتن السياسة الذين يحفرون ويدفنون للولاة حتى تتم الإطاحة بهم.. وبعد تعيين “علي العوض” وضعت الحرب بين جنوب الولاية وشمالها أوزارها، وعاد الصفاء.. وما يثار عن وجود معارضة ومقاومة لقيام السدود في الشمالية لا أثر له على أرض الواقع، لكنها معارضة حاضرة في الأسافير و”فيسبوك”.. وما بين الأسافير والواقع في عبري وشعبية “عبد الهادي” وغناء وأهازيج أهل الحضارة مسافات بعيدة.. على تراب أرض الشمال كانت رحلة الأيام قصيرة والرهق بدده الشعور بالرضا.

 

صحيفة المجهر السياسي

تقرير يوسف عبد المنان

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *