الوضع السياسي الراهن .. سيناريوهات محتملة

كيف يبدو واقع البلاد السياسي الآن في خضم الحراك السياسي الراهن على طاولة الحوار الوطني من جهة وعلى طاولة التفاوض مع الحركات المسلحة والقوى السياسية الاخرى من جهة، بالاضافة الى ملف الاستفتاء الخاص بدارفور. وما هي السيناريوهات المحتملة التي قد يفضي اليها مآل الواقع، كيف يبدو الحراك داخل الاحزاب السياسية على الساحة، لماذا ظلت تعاني الضعف والانقسام، هل ترك رحيل الترابي المفاجئ فراغاً على مستوى حزبه وعلى الساحة السياسية، والى اي مدى يمكن ان يؤثر غيابه على المستويين.. وما تأثير تلك التغيرات مجتمعة في انتاج سيناريوهات محتملة تعيد تشكيل الخريطة السياسية للبلاد؟

على طاولة الحوار تبدو الأمور غير ما يراد لها، لن تكتمل الصورة دون الحاق الجهات الرافضة من المعارضة والحركات بالركب في اطار تسوية سياسية شاملة تخرج البلاد من نفق الازمة السياسية الراهنة. على صعيد آخر يبدو التقدم الذي انجز في عملية الحوار نفسها مرضياً للغاية للاطراف المشاركة عقب بلوغه مرحلة رفع التوصيات التي اكد سياسيون اكتمال غاياتها، الا انهم حذروا في ذات الوقت من نتائج كارثية على البلاد حال عدم تنفيذ تلك المخرجات التي لبت مطلوبات عديدة. ومن جهته دفع حزب المؤتمر الوطني بتطمينات قوية لانفاذ توصيات الحوار، واكد انها واجبة وملزمة النفاذ. الا ان القاطرة مازالت تنتظر المحطة التي تصعد فيها قوى معارضة رئيسة الى العربة، بالاضافة الى الحركات المسلحة للحاق بالركب، قبل ان تنطلق صافرة القطار ويتحرك الى محطته الأخيرة قبل انعقاد المؤتمرالعام للحوار. وبدا هنا من الأمل ما يكفي للدفع بملف الحاق الحركات المسلحة بآخر عربة للقطار .. مثلما بدا هنا حديث مساعد الأمين العام للمؤتمر الشعبي الدكتور على الحاج العائد تواً من مهجره اكثر تفاؤلاً في ما يتعلق بملف الحوار الوطني. وبدا على الحاج هادئاً واكثر تأثراً بالرحيل المفاجئ لشيخه الترابي، وبدا الرجل زاهداً في قيادة اي نوع من المعارضة، بقوله لبرنامج «فوق العادة» بفضائية «الشروق» لن تكون هنالك عودة الى مربع المعارضة، واكد بقاءهم في مربع الحوار. وجاءت تطمينات الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي في ذات السياق، اذ اكد ان الحوار خط استراتيجي لحزبه، وان رحيل الترابي جدد العزم والاصرار على التمسك بالحوار بحسبان ان الراحل كان داعماً اساسياً له. وعلى مستوى ملف الحركات المسلحة التي يعتقد البعض ان على الحاج يملك مفاتيح اقناعها، وهو الذي اتهم اكثر من مرة بدعم تكوين حركة العدل والمساواة كذراع عسكري لحزبه، «وتشير قرائن الاحوال هنا الى مؤتمر «فلوتو» بألمانيا الذي شهد تكوين الحركة»، اكد في حديثه للبرنامج ان مآلات الحوار الوطني مقنعة للحركات المسلحة قبل ان يقول انه يمكن ان يقود مبادرة شخصية لاقناعها الانضمام الى ركب الحوار، الامرالذي يحسب في خانة دعم احد اهم مسارات الاستقرار السياسي في البلاد.
طاولة التفاوض
على طاولة اديس بدا الملف الذي كاد ينفرج اكثر تعقيداً وتشابكاً. فالوساطة الافريقية قدمت ما يمكن ان يجمع الفرقاء، والمعارضة والحركات من جانب والحكومة من جانب آخر، للتوقيع على وثيقة يمكن ان تحدث تقدماً نوعياً واختراقاً في الملف.. وقعت الحكومة بينما رفضت الحركات التوقيع على خريطة طريق حول الحوار الوطني ووقف العدائيات التي دفعت بها الوساطة الافريقية. وفي ذلك الغضون شككت اطراف معارضة في غموض اجندة اللقاء التشاوري الذي دعا له امبيكي الشهر الماضي. والاطراف المعارضة والحكومة اكدتا عدم علمهما المسبق باجندة اللقاء، الا ان لقاء اديس انفض بتوقيع طرف واحد هو الحكومة، بينما تمارس اطراف اخرى «الحركات المسلحة» عملية شراء الوقت ولا تعترف بمجريات الحوار مثلما لا تريد الارتهان الى اية تسويات سياسية، ومرد ذلك ربما أنه ارتبط بواقعها العملياتي في الميدان. وترى احزاب معارضة رافضة للحوار أن اللقاء التشاوري الذي جرى في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا برعاية الآلية الإفريقية رفيعة المستوى، لن يفضي إلى حلول بسبب ما وصفته بتمترس الحكومة السودانية حول مواقفها الرامية إلى إجبار القوى الرافضة للحوار الوطني الداخلي على الانضمام إليه.

ومن بينها من يرى أن الحكومة تستخدم الحل العسكري لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد، بينما القضية العاجلة هي إيقاف التصعيد العسكرى في دارفور وجبل مرة والمنطقتين. ويطالب بإتاحة الحريات والحقوق الديمقراطية، وهي امور تقول الاحزاب التي جلست للحوار ان المخرجات شملتها، ومن بين الاحزاب الرافضة للحوار من يرى أن الحل الشامل للأزمة السودانية هو تفكيك النظام ووقف الحرب وإلغاء القوانين المقيدة للحريات وقيام حكومة انتقالية تعمل على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، وهو مسار ظلت تنادي به احزاب تعاني ضعفاً تنظيمياً وبنيوياً جعلها تفشل في طرح خيارات تقبلها الساحة السياسية وجمهورها. وتبدو هنا صورة عملية الحاق من تبقى من المعارضين بعملية الحوار غير سهلة بسبب تمترس الاطراف المعنية حول مواقفها، الا ان السيناريو المحتمل هنا هو بلوغ الحوار غاياته بمن حضر لتظل الجهات الغائبة خارج الدائرة، الأمر الذي قد يقودها الى خيارات الاستمرار في المعارضة السلمية او تبني دعم الخيار المسلح جنبا الى جنب مع الحركات المسلحة التي تتراجع الآن ميدانياً. وكلا الخيارين يقلل من فرص اكتمال عملية الاستقرار والتسوية السياسية في البلاد.
الأحزاب.. ضعف وانقسامات
الأحزاب السياسية على الساحة لا تبدو متماسكة وتعاني العديد من المشكلات البنيوية التي حالت دون قيامها بدعم العملية السياسية بالبلاد، الامر الذي أسهم بشكل كبير في استمرار الأزمة السياسية الراهنة. وممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية التي ظلت مفقودة داعم اساسي للدفع بالعملية السياسية نحو الاستقرار والحافظ على الاحزاب نفسها من التشرذم وشبح الانقسامات التي اصبحت سمة ملازمة لها. والأحزاب التي تمارس السلوك الديمقراطي تسهم في توسيع نطاق المشاركة السياسية وتدعم مسألة الحكم الراشد، كما أنها أداة لحسم الصراعات الاجتماعية والسياسية في المجتمع. وتأتي اهمية الديمقراطية الحزبية في كونها تشرك اعضاء الحزب في المداولات الحزبية الداخلية، وكذالك المشاركة في عملية صنع القرار داخل الحزب.
ان تطبيق الديمقراطية داخل الاحزاب علاج للعديد من الامراض التي تصيبها بِدءاً التفرد بالقرارات والفساد الإداري حال العديد من الاحزاب على الساحة السياسية. وبحسب مراقبين فإن التجربة العملية تؤكد أن معظم الأحزاب لم تجر انتخابات حقيقية وشفافة لتولي المناصب القيادية فيها بسبب إغراءات السلطة وما تفتحه من مصالح، ويتم في هذه المرحلة تركيز الإقطاع السياسي داخل بنية هذه الأحزاب، رغم الواجهات الإعلامية البراقة التي ترفع شعارات الديمقراطية، وتسيد التصريحات اليومية في المناداة بالممارسة الديمقراطية، واستند هؤلاء الى انه طوال الفترة الماضية لم تشهد جميع الأحزاب أية مراجعات فكرية أو فلسفية مورست في نقد تجربتها الديمقراطية، مثلما لم تتم مراجعتها أو نقدها علمياً وعملياً للإسهام في تقويتها من الداخل لكي تصبح قادرة على تحمل كافة اعباء ممارسة العمل الديمقراطي على الصعيد العام بشكل مسؤول. والسيناريو المحتمل هنا هو استمرار حالة الضعف والهزال وسط الاحزاب السياسية حال عدم اعادة صياغة بنيتها المؤسسية وتغيير واقعها التنظيمي.
استفتاء دارفور
أثار هذا الملف جدلاً ومخاوف عديدة على الساحة السياسية وداخل البرلمان، ومرجع ذلك تخوف مراقبين من ان تفضي عملية الاستفتاء المزمع اجراؤها الشهر القادم الى نتائج تزيد من حدة الاستقطاب الحالية وربما الصراع القبلي الذي ظل يعاني منه الاقليم. والحكومة ماضية قدماً في اجراء العملية كاستحقاق مصدره اتفاقية الدوحة استناداً الى ابوجا. وتسعى جاهدة الى تنظيف الاقليم من جيوب التمرد كأحد مسارات الاستقرار في الاقليم تمهيداً لاجراء الاستفتاء حول الوضع الاداري للاقليم في اجواء يعمها الاستقرار، إلا ان عقبات اخرى تقف في الطريق، وهي وجود اعداد كبيرة من سكان الاقليم في معسكرات خارجية، بالاضافة الى مخاوف امنية اخرى. وبينما يرى البعض ان الوقت غير مناسب لاجراء الاستفتاء تقول الحركات المسلحة انها لا تعترف بالدوحة ولا بابوجا وتعتبر الاستناد اليها كمرجعيات لتمرير عملية الاستفتاء غير قانوني، بينما يعتبره البعض عملية استباقية وقفزاً على نتائج الحوار الجاري، مما يزيد تشابك الملف الذي يحتاج الى بناء تفاهمات وثقة عميقة بين جميع الأطراف ذات الصلة بالملف، تجنباً لحدوث أسوأ السيناريوهات.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *