التردي البيئي بالأسواق مسؤولية من ؟

تعاني أسواق الخرطوم من تفاقم العديد من المشكلات البيئية، نتيجة لقلة ومحدودية الخدمات الأساسية بالمحليات، لمقابلة احتياجات السكان المتزايدة، لتنتج عنها مشكلات بيئية كالتلوث، فضلاً على مشكلات التخلص من النفايات المتراكمة بالأسواق، إضافة إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الناتجة عن انبعثاث الروائح الكريهة والتي اشتكى منها معظم التجار والمواطنين بالأسواق. في وقت سابق أقرت وزارة الصحة بارتفاع معدلات الوفاة الناتجة عن تردي أوضاع صحة البيئة وتلوث الهواء، وقالت إن السودان في مقدمة الدول التي تعاني من التردي البيئي وتلوث الهواء، وأشارت الوزارة إلى أن هناك إشكالات كبيرة في مياه الشرب لاختلاطها بمياه الصرف الصحي. وفي الوقت الذي شكا فيه تجار بالأسواق من النفايات المتراكمة بسبب تباطؤ هيئة النظافة في حمل النفايات التي تسببت في انبعاث رائحة كريهة بسبب تحلل النفايات، أكد القائمون على أمر السوق أن هيئة النظافة لا تأتي بصورة دورية وأنها لا تقوم بالدور المطلوب منها، وشكا التجار بموقف الأستاد من التردي البيئي وتراكم الأوساخ أمام المحلات التجارية، بجانب مياه الصرف الصحي. وقالوا إن المحلية تكتفي فقط بتحصيل رسوم النفايات منهم وملاحقة الباعة المتجولين. فيما كشفت جولة أجرتها «الإنتباهة» داخل السوق العربي موقف الأستاد لعكس معاناة التجار بسبب تراكم النفايات ومياه الصرف الصحي أمام المحلات التجارية، الأمر الذي يشكل خطراً على حياتهم الصحية والعملية التي تعيق سير العمل. وقال أحد التجار إن مياه الصرف الصحي كاتمة على أنفاسنا مما يضطر البعض منهم الى التخلص منها لتفادي دخولها الى المحلات التجارية، واعتبر ذلك ليس من اختصاصهم ولكن لعجز الجهات المسؤولة في معالجة الإشكالات القائمة رغم علمها بأنها تشكل خطراً على صحة المواطن.

وكشف أحد التجار -فضل حجب اسمه- أن رسوم النفايات الشهرية تقدر بـ «250» جنيهاً شهرياً بالرغم من ذلك يتم التخلص منها من قبل التجار ليقوموا بجمعها في أكياس ووضعها خارج محلاتهم، في ظل غياب المحلية التي تأتي فقط لتحصيل الرسوم مع غياب تام لعربة النظافة. وقال: «في السابق تأتي لفترات متباعدة، والآن اختفت تماماً عن الأسواق». وشكا من غياب الجهات الصحية وعدم اهتمامها بمعالجة مشكلة الصرف الصحي التي أرهقت كاهلهم وحبست أنفاسهم وتسببت لهم في مشاكل صحية كبيرة، خاصة بعد اختلاطها بمياه الشرب، الأمر الذي ينذر بكارثة صحية وبيئية ضحيتها المواطن، مشدداً على ضرورة معالجة هذه الإشكالات بأسرع وقت في ظل حديث متكرر من الجهات التي تنادي بترقية السلوك الحضاري والمحافظة على البيئة الصحية للمواطن دون تنفيذها على أرض الواقع.

وقال التاجر عبدالفتاح بالرغم من زيارات معتمد المحلية المتكررة للسوق للوقوف على سير عمل الباعة المتجولين ومشاهدته لتلك المياه، إلا أن المشكلة ماتزال قائمة في ظل تراكم النفايات التي يراها بعينه. وأضاف أن مشكلة مياه الصرف ليس المتضرر منها التاجر فقط، وإنما الموطنين العابرين في طرقات السوق وأصحاب المركبات العامة التي تؤدي الى ازدحام حركة المرور وإعاقة حركة السوق التجارية.

وشكا التاجر زين العابدين من مياه الصرف الصحي التي قال إن مصدرها الكافتيريات التي توجد بالسوق، كاشفاً عن جلوس الباعة المتجولين مع معتمد المحلية في وقت سابق لحل مشكلة تراكم الأوساخ ومعالجتها حيث تم الاتفاق بالتزام كل تاجر بنظافة الأماكن المخصصة له وجمعها في أكياس مخصصة ليتم التخلص منها عبر عربة النفايات، ولكن لا حياة لمن تنادي، لافتاً الى عدم استقرارهم كباعة متجولين بسبب الكشات التي تتسبب في إزعاجهم من وقت لآخر، بجانب الضغط عليهم بدفع رسوم جمع النفايات بطريقة اعتبرها غير قانونية، وقال إن المحلية متمثلة في عربات الكشات تعمل على استفزازنا في تسوية البضاعة التي يتم أخذها عبر (الكشات) مما يزيد من معاناة الباعة المتجولين، إضافة الى كيفية استرداد بضاعتهم مقابل مبالغ مالية تُدفع للمحلية باعتبارها تسوية. وطالب الجهات المسؤوله بضرورة تخصيص وتنظيم عمل الباعة المتجولين للحافظ على المظهر الحضاري للأسواق.

صاحب محلات ملابس رجالية اشتكى من دفع الرسوم الشهرية للنفايات دون وجود الخدمات المطلوبة وتركها أمام المحلات التجارية، الأمر الذي يتسبب في إعاقة العمل بالمحل و(شل) حركة البيع، موضحاً أن الرسوم الشهرية تتراوح ما بين 90 الى 130 جنيهاً حسب المحلات وانتقد عدم زيارة المسؤولين للأسواق للوقوف على حركة تنظيم الأسواق التي نادى بها مشروع الترقية الحضارية بالولاية، فيما نوه أحد التجار الى تفاقم أزمة مياه الصرف الصحي بموفق الإستاد والتي قال إنها تنذر بكارثة بيئية وصحية على كافة المواطنين، لافتاً الى اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، مما أدى إلى ظهور بعض الأمراض، قائلاً معظم تجار السوق مصابين بأمراض نتيجة لتلك المياه التي ظلت أمامهم لفترات طويلة دون اهتمام من الجهات المسؤولة. وقال أحياناً تأتي إلينا متفرجة على هذا الوضع الذي أصبح ديدن الأسوق بالعاصة، وأردف أن هنالك ولايات كثيرة أصبحت ذات مظهر حضاري ولكن العكس أن العاصمة تعاني من أزمة نظافة بشكل عام.

وفي ذات الاتجاه حملت وزارة البيئة مسؤولية تراكم النفايات لولاية الخرطوم، وقال وكيل الوزارة د. عمر مصطفى هذا شأن ولائي، والوزارة تهتم بالسياسات البيئية العامة على مستوى الدولة والتنمية العمرانية وفق الأسس واللوائح والضوابط في زيادة المساحات الخضراء والسلامة الإحيائية وتنظيم مهنة المقاولين وغيرها. وكشف عن تعثر مشاريع زراعية بالولاية نتيجة تراكم النفايات والأكياس البلاستيكية، وقال لـ«الإنتباهة»حتى الآن لم تتضح الرؤية في مسألة تدوير النفايات بالبلاد، موضحاً عن تجمعات كبيرة للنفايات بالأسواق والميادين العامة، وانتقد عمليات حرق النفايات داخل الأحياء وأشار الى أنه يسبب تلوث بيئي وأمراض القلب والأزمات، لافتاً الى أن تراكمها يؤدي الى إغلاق مصارف الصرف الصحي، وشدد على ضرورة وضع قوانين صارمة وآليات حديثة بمراقبة وإشراف يومي لمكافحة قضية النفايات، وقال إن النفايات أصبحت ثروة قومية في معالجتها وتدويرها يستخلص منها الكهرباء وغار الفريون والسماد العضوي إضافة الى الديزل والبنزين، مشدداً على أهمية رفع الوعي البيئي للمجتمع والجهات خاصة الحكومية.

قلة الآليات
مدير العمليات بهيئة تطوير وترقية ولاية الخرطوم الطيب إبراهيم قال: «إن جمع النفايات مسؤولية المحلية وهي أيضاً مسؤولة عن القطاع السكني». وأضاف: «مسؤوليتنا فقط المحطات الوسيطة والمرادم لنقوم بمعالجتها». ومسألة جمع النفايات تمر عبر ثلاث مراحل، مقراً في حديثة لـ«الإنتباهة» بقلة الآليات التي تحتاجها الهيئة لمواصلة العمل بالصورة المطلوبة. وقال رغم ذلك قامت الهيئة بحملة في منطقة جبل أولياء وتليها شرق النيل.

عوامل التكدس
فيما اعترف المدير التنفيذي لمحلية ولاية الخرطوم محمد علي الكليس قائلاً: «هنالك أوساخ كثيرة ولكنها ليست دائمة اجملها في أسباب كثيرة منها التكدس وجمع النفايات». وأرجع ذلك بسبب تعطل المحطات الوسيطة بجانب المناسبات بصفة عامة في الأسواق. وأضاف ان التردي البيئي يعتبر مشكلة كبيرة حيث وصفها بالكارثة البيئية رغم وجود عربات النظافة بالأسواق على مدى ساعة أو ساعتين في اليوم. وأكد الكليس ان المحلية تقوم بعملها في المعالجات المطلوبة وزاد «اذا كانت هنالك بعض الهنات فإننا لا ندعي الكمال، ولكن أي بلاغ يأتي الينا في مشكلة من المشاكل لا نتهاون فيه». وأضاف ان الخرطوم بصفة عامة العمل فيها ممتاز خاصة ناحية الشمال امتداد شروني. وزاد أي سوق لدينا عربات تعمل على نقل النفايات 3 مرات خلال اليوم. أما الأسواق الصغيرة فيتم نقل نفاياتها مرتين في اليوم. وقال: «أي شركة أخفقت سوف تعرض نفسها للمحاسبة وسنعمل على فتح تحقيق في هذا الشأن».
وأضاف الكليس: «أن قضية النظافة تتطلب رقابة من كافة الجهات كالرقابة الشخصية بالاضافة للجهات الرسمية». مبيناً أن هيئة النظافة لديها مفتشون خاصة الهيئة الإدارية، أما بالنسبة للمحلية فلدينا طواف على بعض الأحياء حتى تتم النظافة بالصورة المطلوبة وترضي جميع الأطراف. وأكد أن المحلية لديها امكانيات لمعالجة مشكلة النظافة وذلك بتوفير آليات حديثة من منظمة جايكا والتي دخلت الآن في الخدمة في غير مناطق عمل الشركات.
وأوضح أن النفايات في الولاية مقسمة إلى عملية الجمع والترحيل إلى المحطة الوسيطة، وهذا ضمن عمل المحليات. وزاد ان المحطة الوسيطة والنهائية وتدوير النفايات أو تصنيعها فهذا عمل خاص بالمجلس الاعلى للبيئة. المحلية تعمل على نقل الأوساخ إلى المحطة الوسيطة لضغطها في أجهزة كبيرة توضع في شاحنات كبيرة. وبعدها يكون اختصاص المجلس الأعلى. وأرجع أسباب تراكم النفايات لعدم مقدرة المحطة الوسيطة على استيعاب الكمية الكبيرة من النفايات أو تعطلها عن العمل بسبب الضغط الكبير. وكشف عن توقيع عقودات مع شركات وإلزامها باستجلاب آليات جديدة لتغطية العمل خلال الفترة القادمة. مشيراً إلى اتجاه بعض الشركات لعمل دراسات للخروج من مشكلة تراكم النفايات بإعادة تدويرها. مبيناً أن توجه الدولة للنظافة الانتقال للوضع الأفضل من السابق ليكون ذلك دافعاً لكل الأجهزة المختصة في المحليات. وأكد انه خلال العامين القادمين سيكون الوضع متقدماً.

التكلفة الحقيقية
وأشار الكلس إلى زيادة رسوم النفايات بنسبة «25%» والتي كانت تخصم بواقع «8» جنيهات. مرجعاً أسباب الزيادة للتضخم. نافياً وضع المحلية لأي رسوم اضافية. وقال إن الرسوم قانون ولائي لا يمكن تجاوزه. وأبان أن تكلفة حمل النفايات من امام المنازل تقدر باكثر من 80 جنيهاً. وذلك وفق تكلفة تشغيل العربات والآليات. مشيراً إلى أن الحكومة لا تلزم المواطن بدفع هذه القيمة لعدم قدرته، لافتاً إلى أن تحصيل الرسوم الآن بواقع «16» جنيهاً. أما بالنسبة للأسواق، فالدفع حسب الإفراز وفقاً لعقودات بالتراضي مع أصحاب المحلات التجارية. واردف «أنت بتدفع بنشيل ليك الأوساخ ما بتدفع ما بنشيل ليك». وأشار إلى وجود تنسيق مع ادارة الصرف الصحي لمعالجة مشكلة انفجار مياه الصرف بالشوارع، مبيناً أن عدد البلاغات تتجاوز الـ 100 بلاغ في اليوم تتم معالجتها عبر إدارة الصرف الصحي. وفي ذات السياق، طالب الكليس برفع الوعي لكل قطاعات المجتمع لجمع النفايات بالطريقة الصحيحة. وقال ان الحكومة لا تعمل وحدها في المحافظة على البيئة إنما بتكامل كل الأطراف..

 

صحيفة الإنتباهة

تحقيق: إنصاف أحمد- هنادي النور

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *