الشاذلي حامد المادح .. كل خميس.. الأسئلة العارية وحياة الشك

الشاذلي حامد المادح .. كل خميس.. الأسئلة العارية وحياة الشك

عاش حياة هادئة ومطمئنة داخل أسرته الصغيرة مع زوجته وبنتيه، قبل أن تصطاده مكالمة استقبلها هاتف المنزل في ساعة متأخرة من الليل .. يرفع سماعة الهاتف بحذر وترقب.. الطرف الآخر من المكالمة يباغته بالافتتاحية المألوفة «ألوووو» يرد عليه: عليكم السلام.. الشاب يعيد السماعة الى الهاتف قاطعاً المكالمة فتهبط الأجراس المتقطعة على أذنه وكأنها زلزال يضرب من تحت رجليه.
> علاقته بالهاتف محدودة جداً لا تتعدى الخط الأرضي، وفي ذلك تشاركه أسرته، وتقاطع معه الموبايل وكل وسائط التواصل الاجتماعي التي يعتبرها خطراً داهماً لا تعود على مستخدميها بخير، وتحرمهم من بركة أوقاتهم وسلامة أذهانهم ورضاء نفوسهم، وترميهم في صخبها الذي لا ينقطع وعداواتها التي ليست لها مقدمات ولا أسباب.
> سماعة الهاتف تهبط بيده من أذنه الى ناظريه ويتفحصها كأنها دليل مادي لجريمة كبيرة ترتكب من ورائه.. ربع ساعة مرت والسماعة تهبط ببطء حتى تستقر على الهاتف، ويحمل خطواته يمنة ويسرة بشق الأنفس إلى أقرب كرسي يرمي بجثته المنهكة عليه دون أن يفلت الهاتف من ناظريه.
> تبدأ الشكوك تنتج طاقتها الهائلة وكأنها تنتقم للسنوات الطويلة التي قضتها خارج أسوار منزل الأسرة دون أن تجد مدخلاً تعبر من خلاله إلى حياتهم، حتى وجدت ضالتها في تلك المكالمة التي هربت منه قبل أن تكشف عن غموضها وغرضها، وهي تطرق في ساعة تبعث على الشك الذي يعبر الى حياة رجل لم يألفه من قبل، فيدخله بلا تجارب تحصنه منه أو تساعده ليهرب منه حتى لا يدمر حياته.
> تتقافز الأسئلة في ذهنه بمتوالية هندسية وهو ينشط في طرحها دون أن ينتظر إجابة لها أو فى الحقيقة أنه يعجز عن إنتاج إجابات، فهي عصية في عالم الشك لأنها تجيب عن أسئلة عارية ومتسارعة تنسخ بعضها ببعضها وتفعل فعلها من داخل حلقة مفرغة تتكرر فيها البدايات، قبل أن تصل الى نهايات تضع حداً لحالة معقدة يعيشها الرجل في هذه اللحظة تحديداً.
> يعجز الرجل عن ممارسة الشك على بنتيه، فهما سكنه وملاذه وفخره، وقد أحسن تربيتهما وتعليمهما وهو يعلم أنهما حديث الناس ومثالهم في الأدب والذوق الرفيع، ولكن المكالمة تضغط عليه وتطعن وتجرده من ثقته فيهما حين تحاصره الأسئلة وتحمله ليتساءل.. من من بنتيه كان يطلبها الطارق؟ ولماذا؟ ولماذا هرب عندما وجده هو على الهاتف؟ وهكذا تنزل الأسئلة بلا انتظار حتى يشعر بكف زوجته يهبط على كتفه بلطفها المعهود، وتقطع عليه حياة الشك التي بدأ يحياها.
> لأول مرة في حياته يمارس الهروب من زوجته وهي غير عابئة بالحالة التي هو عليها، فالأسرة بكاملها بلا تجارب، فتتركه شارداً خلف تلك المكالمة الشاردة وتنام، ويبقى هو حتى صلاة الفجر دون أن يغمض له جفن أو يستقر له حال، وقد قرر عشرات القرارات ويعود لينسخها حتى لا تحمله لمواجهة داخل أسرته الصغيرة.
> قبل أن ينهض من سريره يرن الهاتف من جديد فيسرع مسابقاً رناته قبل أن تنقطع، وكأنه يطارد لصاً.. يرفع السماعة وكأنه يزيح ستارة كانت تحجب عنه اللص الذي سطا على بيته مع تلك المكالمة.. ينتظر الطرف الآخر ليبادر بافتتاح المكالمة.. يسمعه يتحدث مع آخر.. كان من الأفضل أن تنتظر مازال الوقت مبكراً.. يبادر هو: ألووو.. يرد عليه ذات الصوت: اتصلت لأعتذر عن مكالمة أجريتها بالخطأ .. آسف ويغلق الهاتف.
> يعيد السماعة إلى الهاتف، ومع استدارته تقبل عليه إحدى بنتيه وبصوت واثق: إن شاء الله خير يا أبوي؟ يشيح عنها ويعجز عن نطق كلمة «خير»، ويسرع مغادراً ليتجهز لصلاة الصبح في المسجد لأول مرة في حياته.

 

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *