عبد المنعم مختار : دخلت نملة وأخذت حبة وخرجت

<منظر السودانيين وهم يتزاحمون امام السفارات وتحديدا امام السفرة الليبية في سبيل تأشيرة الخروج .. أمر يدعو للتأمل الحزين إن لم يكن الأسف. <الهجرة في معناها القريب .. تعني ان المكوث اصبح طارداً والاستقرار اضحى على ظهر نملة.. ودخلت نملة وأخذت حبة وخرجت. <هاجس السفر نحو آفاق أخرى لمعرفة اغوار جديدة يستحق (المغامرة).. وهو حلم ينتاب الجميع طالما العودة في النهاية تأتي (غانمة وسالمة) لصياغة الكينونة.. والأسرة والعيش الرغيد وكما يقولون (شقة البلد تفتيحة) ولكن السؤال الذي يفقأ عين الحقيقة لماذا ليبيا بالذات وهل تمزق الكتاب الأخضر .. وقذفت أوراقه في صحراء الكبرى وتفرقت الديمقراطية المزيفة بين القبائل. <ما نعرفه ان ليبيا الشقيقة ما زالت تلملم اطرافها من حرب أكلت الأخضر واليابس قصفت فيها قوات التحالف بماكيناتها الحديثة مناطق استرتاتيجية كان يعتمد عليها القذافي. <والدولة الجسورة تحتاج الى البناء والتعمير وجهد ابنائها لمواصلة المسير ولم تضع راية التمكين لشركات الاستثمار والسياحة بعد. <حقيقة ان ليبيا كانت في عهد ديكتاتورها المجنون.. مارست اسلوباً غريباً .. حيث منعت المغتربين من تحويل أموالهم خارج ليبيا.. بل اجبرتهم على انفاقها قسراً داخل اسواقها وبقالاتها فخرجوا كلهم (بخفي حنين) من حصيلة سنوات متراكمة فجاءوا الينا (سُمان ونضاف ومقشطين). <اقتربت من أحد المهمومين بالسفر يزاحم الصفوف واوراقه الصفراء تجسد أنه استعد جيداً للمعرفة وربما باع (اللي وراهو وقدامو). سألته لماذا تسافر الى ليبيا .. فاجاب الاخبار الواردة الينا بتقول ان العمل مضمون ثم ثانية لماذا اجلس هنا في السودان وانا حائم بأوراقي خمس سنوات حتى خارت قواي وحفيت اقدامي وتم ادارجي في كشف العاطلين.. انا بقيت في الدراسة وتخرجت من الجامعة في سبيل الحصول على وظيفة.. ولكن كما تعلم الوظيفة هنا في السودان لا تحتاج الى المؤهلات فقط عشان كدا قلنا نجرب وأصلوا ما خسرانين على الاقل تكون نسبة البطالة في السودان قد نقصت. لم استطع ان أرد عليه فاحتراقاته وحسرته ألقمتني حجراً فصمت انا.. وتحرك هو مقهوراً لانني (قلبت عليه المواجع). <الجموع الهادرة تبين ان نصف شباب هذا الوطن بات يبحث عن المجهول البعيد بعد أن قنع من البحث في (خشم البقرة). <الأمر يا سادتي يحتاج الى دراسة.. فهل ظروفنا الاقتصادية الراهنة اصبحت (نار منقد) وطاردة بحيث ان الرجل العاطل عن العمل يمكن أن يموت من جراء الجوع والمسغبة لأن نظرية (شيلني وأشيلك) انهارت مع البيوت الكبيرة العتيقة. واذا استمر الحال بهذه الكيفية سيصبح السودان خاوياً إلا من الاوباش وبقايا الهجين وبعض المترفين الأثرياء. ولذلك نطالب الدولة في ظل معالجاتها الاقتصادية ان تضع حداً فاصلاً ومستعجلاً لسد الفجوة بين الشهادة والوظيفة وايجاد صيغة لاستيعاب كواردها بعيداً عن سياسة (الخيار والفقوس).. وطبطبة الازمة بفرص ضئيلة من لجنة الاختيار. ويجب عليها ان تفتح الطريق سالكاً للتنمية البشرية والاجتماعية ومحاربة البطالة بانفاذ المشاريع الانمائية بالتضامن مع البنوك لتمويلها ونقول ان زيارة واحدة فقط لمباني السفارة الليبية تكشف حقيقة المأساة التي تبدو واضحة للعيان والملايين تركوا كل شئ في سبيل رحلة صوب المجهول غير مضمونة العواقب. ونعرف جيداً أن هنالك سودانيين في ليبيا مصيرهم معلق على الظروف القاسية وفقدوا الاتصال بذويهم وباتوا في حكم المفقودين. <ليبيا اوقفت الحرب واغلقت المعوقات والمشاكل وباتت ترسم خارطة طريقها للتنمية والاعمار بينما يسيطر علناً نحن هنا في السودان هاجس (ليبيا فتحت).

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *