حيدر المكاشفي : اعلانات الاستكراد

حيدر المكاشفي : اعلانات الاستكراد

زارني أمس بمكتبي المتواضع قارئ من النوع المولع لحد الهوس بمطالعة كل ما يكتب على اللافتات الإعلانية الدعائية المنصوبة على نواصي الشوارع، أو التي تحتل واجهات المحال التجارية، أو تلك المكتوبة على أقفية المركبات بما فيها الركشات و(الكاروهات)، جمع كارو تفريقاً لها من القميص المشهور بهذا الاسم، كان مبلغ هم هذا القارئ الذي تكبد المشاق ليلقاني، هو أن يبلغني انزعاجه الشديد من الذي قرأه على لافتة منصوبة على محل تجاري يقع على الشارع المشهور الذي قال فيه شاعرنا الكبير الراحل إسماعيل حسن (بين العمارات والديوم شارع ظلط للعين يبين.. لكنه في الحق ما هو شارع دي آلاف السنين.. ساعة المطر في العمارات تجيك ريحة الدعاش والياسمين.. وفي الديوم ما موية ماصت ليها طين.. هناك تلقى سوسو وشوشو وماجدولين.. والعجب العجيب هنا تلقى أهلي مسمين اليقين)، قال لي الضيف العزيز إنه قرأ أعلى هذا المحل لافتة تُقرأ (هنا يباع السمك الحي)، وقد أثار هذا الإعلان عجبه وطالبني بأحد أمرين، إما تفسير مقنع لهذا الإعلان العجيب أو طرح الأمر للرأي العام، قلت أصحاب المحل أولى مني بالتفسير، فربما كانوا يبيعون السمك وهو داخل النهر، على غِرار طريقة بيع الطير في الهواء، ولكني على كل حال سأطرح الأمر على الجمهور مع إضافة حكايتين شبيهتين من عندي…
طالعت أنا شخصياً مرة لافتة لمخبز تُقرأ (المخبز الإسلامي)، وجدتها معلقة أعلى مخبز يقع في حي الهنود بأم درمان، الأمر الذي جعلني أظن أنه ربما كان للهنود وهم غالبية سكان هذا الحيز المكاني مخبز ينتج رغيفاً بوذياً أو ربما هندوسياً أو سيخياً، نسبة للطوائف البوذية والهندوسية والسيخية، ولهذا أراد صاحب هذا المخبز أن يميزه عن غيره فلا يقع المسلمون المقيمون في الحي في المحظور، تأسياً بما يفعله المسلمون المقيمون في بلاد الفرنجة، الذين يحرصون على أن لا يأكلوا إلا حلالاً طيباً، ولذلك تجد في تلك البلاد لافتات تقرأ (مذبوح على الطريقة الإسلامية). ومن الطرائف التي تحكى في هذا الصدد وهذه هي الحكاية الثانية، إن إحدى الشركات الأجنبية المنتجة للأسماك حين أرادت تصدير منتجاتها إلى إحدى الدول العربية والإسلامية، كتبت على ديباجة المنتج (سمك مذبوح على الطريقة الإسلامية)، فتأمل في مثل هذا الاستكراد..
الحقيقة أنه ليس هناك سمك يباع حياً، فالسمك يفارق الحياة بمجرد خروجه من الماء، كما ليس هناك مخابز إسلامية تنتج الخبز على الطريقة الإسلامية، وليست هناك طواحين علمانية تطحن الحبوب بطريقة تخصها، وإنما هناك مواصفات وأوزان هي التي تحدد جودة المنتج أو السلعة من عدمها، وهناك أخلاقيات لممارسة البيع والتجارة وهي أحكام عامة من المفترض أن يخضع لها الجميع (مسلمين على هندوس على بوذيين الخ) وتخضع لها كل السلع (سمك، لبن، تمر هندي الخ)، أما ما طالعه قارئنا العزيز وسبق أن قرأته أنا من إعلانات، فهي ليست سوى محاولات استهبال واستكراد…

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *