احمد طه الصديق : تكريم أمريكي وكشة محلية

> ربما كانت الحاجة عوضية محمود بائعة الشاي، مثل العديد من نظيراتها في هذه المهنة في حالة توجس مستمر من وصول حملة المحلية «الكشة» في لحظة ومصادرة عدة الشغل، لكن رغم ذلك بما تمتلكه من وعي وحس إنساني جعلها تتجاوز هذا الهم الشخصي بالاهتمام برفيقاتها في المهنة التي ظلت تعمل بها منذ سبعة وثلاثين عاماً خلت، جعلها تسعى لتقديم خدمات تعينهن في حياتهن، وإذا كان من الطبيعي أن تكون معروفة وذات قدر لدى أقربائها ومعارفها وأصدقائها وزميلاتها، فمن غير المتوقع أن يكون هذا الكسب الإنساني والكدح الشاق من أجل مجموعة بسيطة كبائعات الشاي، أن يكون له صيت وعرفان خارج الحدود، بل في أكبر الدول تطوراً تكنولوجياً وعسكرياً واقتصادياً تقوم بتكريمها، حيث قام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل أيام قليلة، بمنح عوضية جائزة الشجاعة ضمن «14» امرأة من مختلف أنحاء العالم. ويجيء تكريمها بعد نجاحها في إنشاء جمعية تعاونية متعددة الأغراض، والعمل على حماية حقوقهن. > وأحسب أن تنظيم الأسواق أمر مطلوب ومعمول به في كل انحاء العالم، لكننا في السودان بظروفنا الحالية وبخصوصية وضعنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ينبغي أن تكون لنا نظرة مختلفة إزاء قضايا المهن البسيطة أو ما يعرف اصطلاحاً في السودان بالهامشية، فلابد أن نحقق معادلة عادلة وذكية بين الحفاظ على مشكلات البيئة والصحة والبعد الحضاري، وبين أن نمكّن هؤلاء العاملين والعاملات خاصة النساء، من ممارسة كسبهن في العيش دون تعسف أو تقليد جزافي للدول التي ترفل اقتصادياً وذات حضارة مادية. > فما زالت تقاليدنا الاجتماعية تعتمد على كفالة الأسرة الممتدة، إضافة إلى أن الأوضاع الاقتصادية وما أفرزته من مواعين ضيقة في فرص الكسب المادي، كانت لها إفرازات سلبية اجتماعية من عطالة ومهن ضعيفة تكد وتصارع للبقاء، في ظل خدمات مرتفعة التكلفة من تعليم وصحة، وهي معطيات لابد من النظر إليها باعتبار. > وإذا كانت بعض المنظمات الأهلية والرسمية الأجنبية تعطي تقديرا خاصا للشخصيات الأهلية في العالم التي قامت بأعمال إنسانية بصرف النظر عن وضعها الاقتصادي أو العلمي، فقبل سنوات حذت جمعية تطوعية سودانية شبابية هذا المسلك الإنساني، حيث قامت مجموعة شبابية أطلقت على نفسها «مبادرة شارع الحوادث» بتكريم بائعة شاي بمنحها شرف قص شريط الاحتفال الرمزي لافتتاح غرفة العناية المكثفة بحوادث مستشفى أطفال أم درمان، بعد ان استلمت المقص من أحد الأطفال المصابين بالسرطان. > وتقوم هذا المجموعة الشبابية الخيرة بتقديم مساعدات للمرضى بتقديم الدواء والإسهام في تشييد عنابر في المستشفيات الحكومية لخدمة الفقراء، والخطوة رغم اهميتها على صعيد الخدمات الطبية جاءت في هدوء ودون صخب أو هتافات أو شعارات لأن من وقف عليها هي جماعة طوعية لا تعمل بنظام الرئاسة القابضة أو المكاتب المكندشة والسيارات الفارهة، إنها تعتمد على استقطاب الدعم إما بالوسائل الحركية العادية، أو عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك أو واتساب، وبفعل الجدية والحماس والرغبة الحقيقية في تقديم الخدمات الإنسانية لشرائح المجتمع خاصة الضعيفة، تمكنت في شفافية تحسد عليها من الحصول على دعم من الخيرين في الداخل والخارج، زاد على ملياري جنيه سوداني بالقديم، شيدت به غرفة العناية المركزة بحوادث أطفال مستشفى أم درمان لما يعرف مرضى العزل. > وحقاً «ست» الشاي هي الأحق بشرف الافتتاح فهي ليست لها مقاصد سياسية ولا تستفيد من شرف هذا الافتتاح ولا تنتظر هتافات داوية تكون لها رصيداً في بنك الكسب السياسي، ولا تعتبر هذه الخطوة الرمزية في خانة المنجزات التنفيذية ولا تتوقع منصباً دستورياً ولا تنفيذياً محدوداً، إنها سعيدة فقط لأنها شاركت هؤلاء الشباب أفراح جهدهم الطوعي وأحلامهم الخالية من الغرض الذاتي والشبهة السياسية. أخيراً «يا ناس المحليات أمريكا تكرم ستات الشاي وأنتم تكشّوهم ده اسمو كلام»؟ تصحيح > ورد في العدد «3540» من هذه الصحيفة وعبر هذا العمود، أن جلال الدقير هو رئيس حزب الأمة الفيدرالي، والصحيح أنه رئيس الحزب الاتحادي المسجل.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *