معركة أم سردية البداية أم النهاية !!

معركة أم سردية البداية أم النهاية !!

أخطأت الحركة الشعبية التقدير برفضها التوقيع على اتفاق خارطة الطريق الذي اقترحه الوسيط الأفريقي “ثامبو أمبيكي”.. والحركة الشعبية على علم مسبق بما يجري على الأرض من تحضيرات عسكرية لعمليات صيفية، ليس بمقدور الحركة الشعبية التصدي لها.. وللحركة الشعبية وجود في المدن وفي وسائل الإعلام حتى الحكومية منها.. يبثون أخباراً عن تحركات القوات المسلحة جهراً، وقد بعث الجنرال د.”عيسى آدم أبكر” برسالة مختومة بالتحذير للمخذلين من جهة، والمساندين للتمرد خاصة في “الخرطوم”.. ولكن الحركة الشعبية تمادت في عنادها ورهاناتها على البندقية ظناً منها أن معارك التيس وأتفارتو من شأنها إسقاط النظام في “الخرطوم”.. ولو وقعت الحركة الشعبية على اتفاق خارطة الطريق لوضعت الحكومة في (حرج بالغ) وأحكمت السيطرة على المناخ السياسي.. حيث تجد الحكومة حرجاً بالغاً في تنفيذ عمليات الصيف الحالية.. ولواجهت الحكومة صعوبات بالغة في (تنفيس) الجرعة التعبوية التي بثتها في نفوس المقاتلين خاصة أبناء منطقة جبال النوبة الذين (اندفعوا) بالآلاف لقتال التمرد الذي أقعد بالمنطقة وهدد أمن مواطنيها وحرمها نعمة الأمن والأمان  والتنمية والعمران، وكان المهندس “إبراهيم محمود حامد” سيجد نفسه في وجه العاصفة مثل ما حدث لدكتور “نافع علي نافع” بعد توقيعه على اتفاق أديس أبابا في الثامن والعشرين من يونيو 2011م، حيث رفض الاتفاق لأن المناخ في ذلك الوقت يشير إلى عزم القيادة العسكرية تنفيذ عمليات حاسمة لإضعاف التمرد أو القضاء على شوكته.. واليوم حينما كان المفاوضون في فندق (ريد سون بلو) يحتسون القهوة الحبشية ويتداولون في حسرة خارطة الطريق، كانت غرفة عمليات الفرقة الرابعة عشرة بكادوقلي يتناول المخططون شاي الصباح بعد أن  سهروا الليل في التخطيط لعمليات (ذراع طويل) تمتد حتى الخريف، واللواء “ياسر العطا” هاتفه مفتوح مع الرئيس “البشير” الذي يحب الضباط الشجعان.. وكل محاور عمليات الصيف تنتظر إشارة الانطلاقة لدك عنق الحركة الشعبية.. لو وقعت الحركة الشعبية على اتفاق خارطة الطريق لتوقفت عمليات الصيف الحالية على الأقل بضعة أيام.. أو شهور.. وحينما تبلغ التعبئة ذروتها وتستعد الجيوش لتنفيذ عملياتها.. يصبح وقف تلك العمليات (مخاطرة) كبيرة جداً.. ويحدثنا التاريخ عن أخريات عهد الرئيس الصومالي “سياد بري” الذي حشد الآلاف من القوات الصومالية وبدعم كبير من الغرب لاستعادة إقليم الأوغادين وتحريره من الاحتلال الأثيوبي.. وكان إقليم الأوغادين عاملاً مهماً في توحيد الشعب الصومالي، والقوات الصومالية تبلغ مشارف الإقليم المحتل.. (لتأتي) التوجيهات الغربية للرئيس الصومالي “سياد بري” بإيقاف تقدم قواته نحو إقليم الأوغادين.. وما أن عادت تلك القوات إلى مقديشو إلا وساهمت في الإطاحة بالرئيس العجوز، ومنذ ذلك الوقت لم تستقر الصومال حتى اليوم.
{ الخطأ القاتل
مثلما كان تقدير الحركة الشعبية السياسي خاطئاً وهي ترفض التوقيع على اتفاق خارطة الطريق و(تظن) وبعض الظن سذاجة، أن الدعم الذي تحصل عليه من بعض مراكز القوى في الولايات المتحدة.. ومن دولة جنوب السودان وإصغاء العالم لـ”ياسر عرمان” وقادة التمرد، يجعل من رفضهم للتوقيع على مقترحات “ثامبو أمبيكي” مقبولاً!!.. ولكنهم تفاجأوا بردة الفعل من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الدكتورة “انكسا زانا دالميني زوما” ومطالبتها للحركة الشعبية وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان الدارفوريتين بالتوقيع على اتفاق خارطة الطريق، إضافة لرئيس حزب الأمة الإمام “الصادق المهدي”، وقد منحت الدكتورة “زوما” القوى السياسية والعسكرية الرافضة لاتفاق خارطة الطريق، مهلة أسبوعاً واحداً للتوقيع، وقد انقضى الأسبوع دون تراجع تلك القوى عن مواقفها غير المبررة، حيث إن اتفاق خارطة الطريق لا يعدو كونه (إعلان مبادئ جديدة) لإرساء قواعد حل سياسي لقضية تطاول أمدها.. ويوم (الأربعاء) الماضي رحب الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” بخارطة الطريق التي أعلنها كبير الوسطاء الأفارقة “ثامبو أمبيكي” ووقعت عليها الحكومة وتجاهلتها بقية الأطراف.. وحث الأمين العام الأطراف على التوقيع على غرار توقيع الحكومة عليها والتي طالبها بالالتزام الصارم بها.. وخطأ التقديرات السياسية للحركة الشعبية يعود لضعف أساسها وسوء تقديرها إلى موقف الدول الغربية من النزاعات الثانوية في العالم وخاصة أفريقيا، وقد أعلنت أوروبا الموحدة أنها تخوض الآن حرباً ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقال الرئيس الفرنسي “هولاند” إننا نخوض الحرب داخل أوروبا، وذلك بعد التفجيرات التي حدثت في بروكسل، وقد انصرفت كل عيون واهتمامات العالم لكيفية مواجهة الإرهاب (الداعشي) سواء كان داخل أوروبا أو في ميادين القتال بسوريا والعراق وليبيا، ولا يضع العالم في الوقت الراهن قضية الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق من أولوياته.. بل الغرب الآن يعتبر وجود حكومة سودانية قوية ومتماسكة مثل حكومة “البشير”.. تمثل ترياقاً يحول دون دخول تنظيم داعش للأراضي الدارفورية حال توجيه اللواء “خليفة حفتر” في ليبيا ضربات موجعة لهذا التنظيم في الأراضي الليبية.. وحتى على صعيد دولة جنوب السودان التي ظلت تحتضن الحركة الشعبية وتغدق عليها السلاح والمال.. والتسهيلات الدبلوماسية واللوجستية فإنها تتغير تركيبتها الآن بدخول عنصر مهم جداً في الصراع (الجنوبي الجنوبي) ألا وهو الدكتور “رياك مشار” الرافض مبدئياً لتدخل “سلفاكير” في شأن السودان، وقد تذوق الرجل مرارة دعم قطاع الشمال للجنرال “سلفاكير” إبان الحرب التي وقعت أوزارها بينهما!!.. لذلك خسرت الحركة الشعبية الحقل الدبلوماسي، فهل خسرت المعركة العسكرية.
الخطأ الثاني
التقديرات العسكرية الخاطئة لموازين القوى بين قوات نظامية لها تقاليد راسخة في القتال وخبرة تراكمية تمتد لأكثر من نصف قرن ولها خطوط إمداد مفتوحة وتدعمها قوات مساندة من دفاع شعبي وقوات دعم سريع.. وجهاز أمن وشرطة، والزهو الزائف بانتصارات حققتها الحركة الشعبية العام الماضي على بعض نقاط المراقبة ودخولها لبعض المناطق من خلال عمليات (مغامرة) لحركة العدل والمساواة بصفة خاصة.. جعل الحركة (تعتقد) أنها قادرة على التصدي لعمليات الصيف الحالية.. ولكن مع انطلاقة القوات المسلحة بعد رفض الحركة الشعبية مباشرة للتوقيع على اتفاق خارطة الطريق.. اكتشفت الحركة الشعبية خطأ تقديرها العسكري، والقوات المسلحة تبدأ زحفها نحو القبض على بلعوم التمرد من الهجوم على مارديس بجبال الكواليب وهي المنطقة التي انطلقت منها العام الماضي عملية الهجوم على هبيلا والهجوم على أم حيان، وتهديد المشاريع الزراعية في هبيلا.. وتمثل منطقة مارديس رمزية أخرى.. إذ تعتبر مسقط رأس رئيس أركان الجيش الشعبي “عزت كوكو” وخسرت قوات التمرد المعركة وفقدت أكثر من مائة قتيل في معركة وضعت القوات المسلحة على مشارف هيبان من جهة الشمال والشمال الغربي.. وقد خسرت الحركة من قبل شهر معركة الهجوم على (عبري) التي فقدت فيها الحركة (200) من عناصرها حاصرتهم الدبابات التي تفاجأ بها “كوكو إدريس” الذي قاد العملية الانتخابية.. وعلى جبهة شرق كادوقلي نجحت القوات المسلحة في استعادة منطقة عقب التي ظلت الحركة الشعبية تسيطر عليها منذ (5) سنوات مضت.. وعقب المفتاح المؤدي لمناطق أيري.. وأم درافي.. والدندور.. ويقطن هذه المنطقة الحوازمة الشواينة.. والنوبة الشوايا.. وخسرت الحركة منطقة عقب.. ومعها دمرت ثلاث دبابات وأربع سيارات واستبسل المجاهدون من أبناء الرواوقة في القتال، وبعد تحرير عقب كانت معركة أم سردية التي تمثل المنطقة الإستراتيجية الأهم للتمرد، لأنها معبر للتمرد من كاودا واللوبرا وهيبان إلى محليات أم دورين والريف الجنوبي بكادوقلي.. ويقطن منطقة أم سردية النوبة العطورو والمورو، وهي مسقط رأس القائد الفريق “جقود مكوار”.. وتعتبر من أكثر المناطق المحصنة بالجبال الشاهقة والطبيعة الوعرة.. والوادي العميق.. واتخذت لجنة المراقبة لوقف إطلاق النار (J.M.C) من أم سردية كمنطقة رئيسية لمراقبة وقف إطلاق النار بموجب اتفاق سويسر..ا وبها في الفترة الانتقالية القوات الرئيسية (المشتركة) ومنها انطلق التمرد قبل كادوقلي.. وفي عام 1982م، اتخذها الاتحاد الأوروبي حقلاً (تجريبياً) لمشروع التنمية الريفية بجبال النوبة، وهي لا تقل أهمية للتمرد عن أم دورين وكاودا.. وفقدان الحركة الشعبية لمنطقة أم سردية يمثل ضربة موجعة جداً.. خاصة والقوات الرئيسية للحركة التي تقاتل هم المورو.. وخسارة أم سردية تمثل كسراً لشوكة التمرد وبداية النهاية له.. وامتدت عملية النفس المطمئنة إلى منطقة (كركراية البثيرة) التي لا تقل أهمية عن أم سردية.. وخسرت الحركة الشعبية طبقاً لمصادر مطلعة أكثر من (300) قتيل كانوا يدافعون عن أم سردية.. خاصة وقائد التمرد الحقيقي “جقود مكوار” كان موجوداً في المنطقة كان أن يهرول هارباً نحو منطقة (تباينا) واتجهت القوات المسلحة من خلال محور جنوب كادوقلي لتدخل شات الصفيا.. ومن ثم شات الدمام.. وتبث عناصر الحركة في “الخرطوم” من خلال وسائل التواصل الاجتماعي خبراً عن وقوع الأمير العقيد “كافي طيارة البدين” في أسر التمرد.. ولكن “كافي طيارة” كان وقتها مع القوات التي تقترب من (الليو) ليصبح تحرير منطقة أم دورين مسألة وقت لا أكثر.. وأم دورين هي ملهمة التمرد أسباب البقاء والقتال بضراوة على أنغام (رباب) المورو الشجي الذي يبعث الحماس في نفوس مقاتلي “كافي طيارة البدين” الذي يكتبون تاريخاً جديداً بتصديهم للتمرد.. في المعارك التي استبسل فيها المجاهدون.. وهي معارك خالدة للتاريخ سطر رجالات الرواوقة وفرسانهم في التيس والليو بطولات لم تشهدها ساحات المعارك من قبل، وإذا كان الملازم “أحمد البولاد” يرقد جريحاً في مستشفى الأمل بـ”الخرطوم” وهو يسأل الطبيب المداوي هل يستطيع المشاركة في عملية أم دورين القادمة.. ومناطق أم دورين والليو كانت للتمازج بين النوبة والرواوقة أولاد رحمة والرواوقة الديليمة، ولكن التمرد مزق النسيج الاجتماعي ورفع شعارات عنصرية.. وتكتب الآن في إعلان التمرد ألفاظ يندي لها الجبين خجلاً، لقد كشفت العمليات العسكرية التي تخوضها القوات المسلحة الكثير والمثير جداً.. وثار الجنرال د.”عيسى آدم أبكر” في حديثه أمام جماهير كادوقلي ليصوب سهامه نحو عناصر التمرد في “الخرطوم” التي تكشف ظهر الجيش وتبث إعلام الكراهية في وسائط التواصل الاجتماعي.. لذلك غضب الوالي على الطعن من (الخلف) والضرب من داخل الصندوق، وقد رفعت الحرب الغطاء عن الكثير.. ومستقبل العمليات الجارية الآن السيطرة التامة على منافذ الإمداد والدخول والخروج.. وتقطيع أوصال الأرض التي كانوا يسيطرون عليها ليسهل حصارهم.. والموقف على الأرض له علاقة مباشرة على التفاوض.
{ أين كاودا
هل كاودا منطقة ذات قيمة عسكرية؟.. أم هي شعار سياسي وبحث عن أرض مقدسة يلوذ إليها التمرد.. ويستلهم نظرية الحرب من روح “يوسف كوة” الذي دفن في منطقة (اللويرا) وهي المقر العسكري لقوات الحركة الشعبية، وتقطن منطقة كاودا مجموعتان أساسيتان هما النوبة العطورو.. والمورو.. ولا تستطيع منطقة كاودا الصمود والبقاء على قيد الحياة إذا ما سيطرت القوات المسلحة على أم دورين بعد السيطرة على أم سردية وكركراية البثيرة من الغرب والسيطرة على انقارتو ومندي من الشرق.. وبذلك تتوقف أنابيب التغذية لمعدة الحركة الشعبية وتصاب بالجفاف والموت السريري.
مستقبل التسوية
قد يسأل البعض.. هل أصبحت التسوية السياسية بعيدة في مناخ الحرب الحالية؟.. نعم قد يغطي دخان المعارك الآن على أية جهد سياسي للتسوية السياسية، ولكن فقدان الحركة الشعبية ومليشياتها للأرض وزمام المبادرة، سيرغمها على التواضع والقبول بما هو موضوعي وممكن.. وقريباً جداً ستبدأ التدخلات الدولية الناعمة من المبعوثين الأجانب والدول والأمم المتحدة كما دلت على ذلك التجارب منذ عمليات صيف العبور.. والتدخلات الآن ستهبط على “الخرطوم” من أجل وقف العمليات لإنقاذ روح الحركة.. ولكن هل الوسطاء صادقون أم يلعبون أوراقاً لصالح الوقت، حيث تبدأ الأمطار في الهطول في الأجزاء الجنوبية من جبال النوبة في النصف الثاني من شهر (أبريل) الجاري، وتتعذر الحركة وتصبح العمليات أكثر كلفة من عمليات فصل الجفاف الذي قد يمتد حتى (مايو) القادم.. ولن تستطيع الحركة الشعبية الصمود لمدة شهر قادم وهي تتلقى الضربات الموجعة والزحف اليومي.. وحتى حكومة الجنوب التي نقلت إليها الحركة جرحاها.. لمستشفيات بانتيو وملكال.. غير قادرة على الوفاء باستحقاقات مطالب وحاجيات المواطن الجنوبي على قلتها.. ولن تتحمل تبعات حرب قد تطول.
وفي ظل هذا الواقع ستجد الحركة الشعبية نفسها أمام خيارات صعبة جداً في الميدان لا تستطيع أن تقاتل والذين يشجعونها على القتال عبر الفيس بوك والواتساب لن يقووا على حمل السلاح.. وإن هي تمادت في الرهان العسكري كسرت عنقها.. ولكن إذا قبلت بإعلان خارطة الطريق.. وقبلت بالتسوية السياسية تستطيع أن تجعل لنفسها وجوداً داخل المسرح السياسي ويمكنها الوصول لأهدافها بطرق أخرى غير البندقية التي جربتها واكتشفت أخيراً أن ثمنها غالي جداً.

 

صحيفة المجهر السياسي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *