الموت يأتي أحياناً من علبة ” السردين “

فتحت الحملة التي شنتها شرطة حماية المستهلك أخيرا على عدد من شركات ومحال بيع الأسماك، فتحت الباب مجددا للحديث عن وصول أسماك مستوردة إلى الأسواق ظل يدور حولها جدلا كثيفا منذ العام 2010 فيما يتعلق بأنواعها ومدى مطابقتها للمواصفات المعيارية المحددة والدول الواردة منها، وفي الوقت الذي يؤكد فيه مختصون وتوضح تقارير وجود دهون بأنواع من الأسماك المستوردة تتجاوز النسبة المحددة، وبأن بعضها يحتوي على رصاص وبكتيريا وهي بذلك حسب وجهة نظرهم غير صالحة للاستعمال ويجب إيقاف عمليات استيرادها، فإن شركات تؤكد حصولها على التصاديق المطلوبة من الجهات الحكومية ذات الصلة لاستيراد الأسماك موضع الخلاف، “الصيحة” وللمرة الثانية تتقصى عن الحقيقة عبر طرقها لأبواب عدد من الجهات لمعرفة التفاصيل الكاملة عن الأسماك المستوردة.

فلاش باك

قبل الخوض في تفاصيل المستجدات الأخيرة لا بأس من إلقاء الضوء على جزئية تشرح القضية بأبعادها المختلفة كانت قد وردت في الحلقة الأولى، ويومها يممنا صوب السوق المركزي بالخرطوم حيث مكتب رئيس شعبة منتجي وتجار الأسماك آدم نصر، الذي أكد امتلاك السودان لمخزون سمكي ضخم بالبحر الأحمر وببحيرتي النوبة بحلفا القديمة وسد مروي، بالإضافة إلى الكميات الكبيرة الموجودة في مختلف الأنهار، لافتا إلى أن ما يمتلكه السودان من مخزون سمكي يتيح له إذا تم استغلاله الاكتفاء الذاتي والوصول إلى مرحلة غزو الأسواق العالمية، مبينا عن حدوث متغيرات في الثقافة الغذائية لدى السودانيين فيما يتعلق بالأسماك التي كانت تفضل النيلية، ولكن مؤخرا باتت تتقبل البحرية، وأكد ارتفاع تكلفة إنتاج السمك المحلي بداعي تضاعف أسعار مدخلات الإنتاج من ماكينات لنشات ومراكب وغيرها بالإضافة إلى غياب مشروعات الاستزراع السمكي.

الباسا والاختلافات

ثم انتقل آدم نصر بحديثه عن أسماك الباسا التي كانت مثار قضيتنا في الحلقة الأولى وقال: الباسا يتم استيرادها من دولة فيتنام وفي عام 2010، تلقينا معلومة تفيد بعدم صلاحيتها وانطلاقا من شعورنا بالمسؤولية بوصفنا جهة مسؤولة أخذنا عينة من الباسا وخاطبنا المعمل الجنائي لإخضاعها للتحليل، وكشفت النتيجة عن وجود أنواع خطيرة من البكتيريا التي يمكن أن تسبب للمستهلكين أمراضا كثيرة، بل أكد أحد المسؤولين بالمعمل أن دخول هذه الأسماك إلى السودان يعد جريمة وذلك لخطورتها، وبعد استلامنا النتيجة توجهنا نحو نيابة حماية المستهلك وقد تم التحري معنا على إثر بلاغ تم تدوينه بسبب الباسا من قبل أحد المواطنين وتعاملت النيابة بمسؤولية تامة وسجلوا زيارة إلى مخازن الشركات التي تستورد أسماك الباسا وأصدروا قرارا فوريا بإيقاف استيرادها وخاطبوا الجهات ذات الصلة حول القرار، ولكن الشركات المستوردة للباسا استأنفت قرار نيابة حماية المستهلك لوكيل النيابة الأعلى الذي أيد قرار وكيل نيابة حماية المستهلك وأكد صحته، ثم دفعت ذات الشركات باستئناف للنائب العام الذي ألغى قرار نيابة حماية المستهلك، وبدورنا لم نتوقف عن مراحل التقاضي ووصلنا حتى مكتب وزير العدل غير أنه حفظ الملف دون توضيح أسباب وحتى اليوم فشلنا في تحريك الملف في ذات الوقت ولمدة خمسة أعوام ظلت عمليات استيرادها مستمرة للأسف الشديد رغم أن التقارير المعملية أثبتت تأثيرها على صحة الإنسان، وكشف عن وصول الباسا إلى السودان من الإمارات والمملكة السعودية وليس من فيتنام مباشرة، وقال إن ديباجتها تحمل اسم بياض وهامور، ولفت إلى أن السعوديين يستوردون أسماك الهامور من بورتسودان رغم أن سعرها أغلى كثيرا من أسماك الباسا القادمة من فيتنام التي يتم شحنها من السعودية إلى السودان، مؤكدا استمرار عمليات استيرادها والإقبال عليها بداعي انخفاض أسعارها رغم صدور قرار من قبل يحظر دخولها السودان، وطالب رئيس شعبة الأسماك بإخضاع الباسا لتحليل معملي دقيق من قبل معامل الدولة، مؤكدا أن المعمل الجنائي هو معمل الدولة الأول ويتمتع بإمكانيات عالية ولكن حتى لا يتم تفسير مطالبهم خطأ أن تخضع الباسا للتحليل في معمل آخر، وقال إن وزارة الزراعة والثروة السمكية ظلت تؤكد حظر استيراد الأسماك من فيتنام ولكن رغم ذلك تدخل البلاد.

مستجدات على السطح

إذن كان ذلك حديث رئيس شعبة منتجي وتجار الأسماك آدم نصر حول أسماك الباسا، ورغم مضي أشهر على حلقتنا الأولى إلا أن هذا الملف ظل يشهد تطورات لافتة وانتقل الحديث إلى أنواع من الأسماك المستوردة متجاوزا محطة الباسا، وفي هذا الصدد تشير مصادر إلى شن شرطة حماية المستهلك لحملة واسعة على عدد من محال بيع الأسماك المستوردة ووضع يدها على أكثر من ثمانية أطنان من الأسماك كما أشار المصدر، الذي ارجع الحملة إلى تحري الشرطة وتقصيها في بلاغ تم تدوينه ضد شركات تستورد الأسماك، يتهمها البعض بتوزيع أسماك مستوردة بدعوى أنها هامور، وأضاف المصدر: الشكوى تؤكد أن الأسماك التي توزعها الشركات ليست من أنواع الهامور، ويشير الشاكي إلى أن الأسماك تدخل البلاد بشهادات رسمية توضح أنها أسماك من نوع البياض، وأن الشاكي أكد أن الأسماك المستوردة ليست بياضا ولا هامور، مرتكزا في دعواه على تحاليل أجرتها معامل تابعة لجهات حكومية أوضحت أن بعض أنواع الأسماك المستوردة ليست بياضا ولا هامور وأنها تحوي نسبة عالية من الرصاص والدهون، وقد أشار المصدر أنه وبحسب عدد من أصحاب المطاعم إلى أنهم يشترون الأسماك من شركات تضع ديباجة تؤكد أن أسماكها من نوع الهامور، وتتحرى شرطة حماية المستهلك حول الأمر.

من المستهلك إلى المواصفات

من ناحيتها فإن نيابة حماية المستهلك وبتاريخ السادس عشر من شهر مارس خاطبت مدير الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لعناية مدير قسم الرقابة وتوكيد الجودة بخصوص فحص اثنين من سمك هامور فيليه وذلك على إثر تلقي النيابة بلاغا تحت المادة 31 من قانون المواصفات والمقاييس ولأغراض التحري، وطالبت نيابة حماية المستهلك بتحليل العينة وذلك لمعرفة هل المعروض صالح للاستعمال الآدمي وهل به نسبة من الرصاص أو المواد الثقيلة بالإضافة إلى أي تقرير فني يفيد التحري.

بكتيريا ضارة

حرصنا على الحصول على التقرير الذي أشار إليه رئيس شعبة الأسماك ورغم أننا وجدنا صعوبة بالغة في الوصول إلى المستند الذي أصدره المعمل الجنائي الذي اخضع الأسماك المستوردة التي طالبت شعبة الأسماك بتحليلها، إلا أن جهودنا كللت بالحصول عليه، حيث خلصت نتيجته إلى أن التحليل لم يبين احتواء الأسماك المذكورة على أي مادة حافظة ومضادات حيوية وأصباغ ملاكايت، وخلص التقرير إلى أن التحليل الذي تم إجراؤه على الأسماك أوضح وجود بكتيريا “اي كولاي” الضارة “بكتيريا القولون”، بالإضافة إلى بكتيريا “السالمونيليا” الضارة، وأشار إلى أن بكتيريا اي كولاي توجد بمياه الصرف الصحي مما يعني تلوث الأسماك بمياه الصرف الصحي.

نسبة دهون عالية

وفي إطار تقصينا عن قضية الأسماك المستوردة حصلنا على تقرير آخر صادر من معمل التحاليل بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم، وذلك في الخامس عشر من شهر نوفمبر من العام 2015 حيث كشفت نتيجة تحليل نسبة الدهون في عينتي سمك، إلا أن العينة الأولى التي رمز لها بالحرف (أ) تبلغ 0775،12%، أما العينة (ب) فقد بلغت 491،20%، وأشار التقرير إلى أنه ومن خلال الإجراءات المعملية الفنية والعملية والإجرائية والتقييم الحسي لسمكة الهامور فيما يتعلق بلحمها فإن بعد النسيج الرابط للقطعة اللحمية من هذه السمكة يبدأ متقارب من الأطراف في أسفل الجسم ويتباعد تدريجيا كلما تم الاتجاه نحو المنتصف، ثم إلى أعلى على امتداد الظهر في القطعة اللحمية الطبيعية، وأن لون الأنسجة أحمر فاتح في بعض الأنواع وغامق أحيانا في القطعة الطبيعية، أما فيما يتعلق بالدهون فقد أشار التقرير إلى أن القطعة اللحمية من سمكة الهامور الطبيعية فإن النسيج الدهني الذي ينتشر بين الأنسجة اللحمية عبارة عن أنسجة دهنية واضحة يمكن رؤيته بالعين المجردة، وتظهر باللون الأصفر الداكن وتتراوح نسبة الدهون بين 21% إلى 13%، ويشير التقرير إلى أن الاختبارات المعملية للعينة (أ) وهي تمثل سمكة الهامور المحلي وارد بورتسودان هو الذي تجري عليه المواصفة والقياس (عينة تحكم) باعتباره يعامل كاملا قبل مرحلة المعالجة (فيليه) ونسبة الدهون حسب تقرير المعمل 0775،12% وهو المعدل المذكور أعلاه والمتوافق عكس العينه “ب” المرسلة من قبل الجهة التي طالبت بتحليلها، وخلص استنتاج التقرير إلى أن كل اختبارات التقييم الحسي التي اجريت على العينة المرسلة من قبل الجهة التي طالبت بفحصها والتقييم الحسي لا ينطبق عليها، وإن المعمل يؤكد ما ذهب إليه من خلال الوصف الحسي بالنسبة لمقدر الدهون للعينة (أ) الأصلية، وإنه بهذه الشاكلة فإن العينة (ب) لا تنطبق عليها ما ينطبق على سمكة الهامور.

ارتفاع نسبة الرصاص

تحاليل عينات من الأسماك المستوردة لم يكن قاصرا على المعمل الجنائي وذلك التابع لوزارة الزراعة بولاية الخرطوم، واللذين كشفا عن وجود بكتيريا ضارة وارتفاع نسبة الدهون فوق المعدل الطبيعي، حيث تم إجراء تحليل على عينة من سمك مستورد بالمعمل المركزي رقم واحد بجامعة الخرطوم “مجمع شمبات”، وكشف التقرير الصادر في شهر فبراير عن أن نسبة الرصاص في العينة تبلغ ،6748،1، وأوضح أنها فوق المعدل الطبيعي، وكشف عن أرقام أخرى، وما خلص إليه تقرير جامعة الخرطوم مقرونا بتقريري المعمل الجنائي والتابع لوزارة الزراعة بولاية الخرطوم جميعها تؤكد أن أنواعا من الأسماك المستوردة تحوي على أضرار صحية جسيمة أبرزها وجود بكتيريا وارتفاع نسبتي الدهون والرصاص.

أسئلة وإجابات

إذن واستنادا على تحاليل ثلاثة معامل تابعة لجهات حكومية معترف بها، فإن ثمة ملاحظات على الأسماك المستوردة وتضارب في تحديد أنواعها والدول التي تم استيرادها منها، وهذا جعلنا نطرق مزيدا من الأبواب الحكومية، وذلك لأن تقارير المعامل تحمل بين ثناياها خطورة بالغة على صحة المستهلكين، وفي إطار تقصينا وضعنا العديد من الأسئلة والاستفسارات منضدة الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس ووزارة الثروة الحيوانية والسمكية وكذلك عدد من شركات الأسماك ومحال البيع، وسنستعرض ما توصلنا إليه في الحلقة الثالثة من تحقيقنا هذا.

 

صحيفة الصيحة

تقرير : صديق رمضان

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *