من داخل محكمة المال العام الاختلاس، خيانة الأمانة والتزوير.. الجرائم الأكثر شيوعاً

تبدو الدولة وفقاً للشواهد والمعطيات أكثر جدية في محاربة الفساد خاصة ذلك المتمثل في الاعتداء على المال العام، ويتضح هذا الأمر جلياً لمن يحرص على حضور جلسات محكمة جرائم المال العام التي حسمت عبر القانون ملفات الكثير من القضايا، ورغم المجهودات العدلية المبذولة، إلا أن قانونيين يرون ضرورة البحث المتعمق عن الثغرات التي تؤدي إلى أن يمد البعض أيديهم للمال العام، وفي هذا التحقيق وبحكم متابعة “الصيحة” الدائمة لمحاكمات جرائم المال العام نستعرض نماذج فقط تؤكد استشراء هذا الداء، وتستنطق قانونيين عن الأسباب التي تكمن وراءه وكيفية علاجه.

تحقيق: سوزان خير السيد

أكدت منظمة الشفافية مؤخراً أن السودان يعد من أكثر الدول التي ينتشر فيها الفساد بصورة كبيرة، وأشارت المنظمة الى أن ذلك يتطلب الكثير من العمل لحل المشكلة مستندة على تقارير المراجع العام التي ظلت تتحدث سنوياً عن «تعديات على المال العام» لم تتخذ بشأنها أي إجراءات قانونية فعالة، ولكن هذا الجدل يستند إلى فهم محدود لقضايا الفساد وآليات الفساد والإفساد، ذلك أن ما يسجله المراجع العام يقتصر على ما تكشفه الوثائق الرسمية، أي التجاوزات المعترف بها وغير المأذون بها من النظام، وهذه مشكلة إجرائية فقط، تتعلق بتفعيل الإجراءات القانونية، خصوصاً أن الفساد أصبح ظاهرة عالمية ارتبطت بنشأة البشر، فالسلوك القويم النموذجي أمر بعيد المنال عن طبيعة الناس، ولذلك فالمطلوب ابتداء هو العمل على تزكية النفس وتحرير الإرادة من بواعث الشر والانحراف، وهو ما لا يكون بغير الدين القويم وبغير الأخلاق السوية، وكلاهما تربية مرتبطان في النهاية بسلامة الحكم والإدارة، بل من دواعي نهايتهما، والخطوة الأمثل في مقام ما يحدث من فساد ممعن، هو اعتباره جريمة خيانة عظمى على الأقل حين يرتبط بنتائج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وخيمة تؤدي إلى تآكل الدولة من داخلها أو إلى عدم الثقة فيها وأسوأ من ذلك تماماً أن تغيب إرادة الدولة في تحقيق آمال المواطن العادي، في قطع شأفة الفساد بعقاب جاد.

غياب الشفافية

يشير المحامي محمد الطيب إلى أن أكثر المؤسسات عرضة للاعتداء على أموالها هي المؤسسات التي لا تتوفر فيها الضوابط التي تحمي المال العام من التعدي عليه أو التي لا تنفذ فيها هذه الضوابط بصورة محكمة معتبراً أن كل مؤسسة تغفل عن إعمال مبادئ الشفافية والضوابط والقوانين بالتأكيد ستكون عرضة للطامعين وللاعتداء على أموالها، وقال إن ذلك أمراً متوقعاً بديهياً مضيفاً بأنه ليس بالضرورة أن يكون هناك طامعون أو فاسدون لتوفر الشفافية، ففي كل الأحوال لابد من الوضوح الكامل وسيادة حكم القانون في كل ما يتعلق بالمال العام، وبرأيه فإن هذه الضوابط تشمل دون حصر نظام العطاءات والمشتريات وكل الأعمال الحسابية والمالية سواء كان الأمر متعلقاً بالمال العام أو الخاص، وأضاف مفسراً إجراءات فتح بلاغات الاعتداء على المال العام وكيفية معاقبة المعتدين قائلاً إن الدعوى الجنائية تفتح لدى النيابة بناء على التقارير المعدة بواسطة ديوان المراجعة القومي أو المراجعة الداخلية أو بناء على الشكاوى التي تقدم إليها من الوحدات الحكومية أو من غيرها أو بناء على أي معلومة تشير إلى أن هناك فساداً مالياً، ففي بلاغات الاعتداء على المال العام تختص نيابة الأموال العامة بتلقي الشكاوى من أي شخص مكلف بحفظ الأمن والنظام العام أو من أي شخص على صلة بالجرائم التي تتعلق بالفساد المالي.

حرمة المال العام

وغير بعيد عنه تذهب الأستاذة انتصار عبد الله بالقول إن للمال العام حرمة كبيرة تحتم على الفرد الحفاظ عليه وتنميته وعدم المساس به، لهذا نجد أن قانون المراجعة الداخلية اكتسب أهمية كبرى لما يثيره من تقارير خاصة بمراجعة المؤسسات الحكومية ويهتم الرأي العام بالحالات التي توردها التقارير بالأرقام لحالات الاعتداء على المال العام، وكذلك الجهات الحكومية التي تتهرب من المراجعة العامة بل تمتنع عن كشف حساباتها التي من المفترض أن يضع القانون الملامح الرئيسية للمراجعة الداخلية بمعاييرها وأهدافها وأساليب العمل وآليات التنفيذ، وتضيف: لكن من الملاحظ في السودان أن القوانين الاقتصادية لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة مع القوانين ذات التأثير السياسي المباشر مثل القانون الجنائي الأمني والصحافة، وأشارت الى أن المراجعة الداخلية تشكل أهمية حاسمة من ناحية تأثيرها على السياسات الاقتصادية وانعكاس ذلك على النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين ومصادر كسب عيشهم، وقالت إنها مهمة أيضاً في ضبط الممارسات على مستوى السلطة التنفيذية، لذلك يجب تشديد العقوبات على المختلسين أموال الدولة على حسب المنشور الذي أصدره رئيس القضاء بتشديد العقوبات في جرائم المال العام خصوصاً أن عقوبة المال العام تصل الى المؤبد وأحياناً السجن ودفع غرامة مالية تحددها المحكمة.

قرارات صارمة

ولا بأس من استعراض نماذج يسيرة من الجرائم الكثيرة التي حسمت ملفاتها المحكمة التي ما تزال تنظر في أمر جرائم أخرى، وكانت محكمة المال العام بالخرطوم شمال أصدرت في وقت ماضٍ قرارات في أكثر من بلاغ لجرائم المال العام منها الحكم على مدير شركة سابق بتهمة تبديد مبلغ (4) ملايين جنيه، وجاء قرار المحكمة التي يترأسها القاضي صلاح الدين عبد الحكيم السجن عامين ودفع غرامة مالية (20) ألفا وفي حالة عدم الدفع السجن (6) أشهر، وقال شاهد الدفاع وهو مدير الشراء والتعاقد بوزارة اتحادية الذي تحدث عن القروض التي أخذتها شركة (…..) من الدولة وقال أنها لا تتناسب مع رأس مالها، مضيفاً أن الشركات من الممكن أن تقترض لتمويل أنشطتها، وقال إن هذا الحديث يعني أن مساهمة الحكومة في هذه الشركة واحد سهم، وقال إنه عندما تكون الأسهم بنسبة أسهم الحكومة هي 100% فإن الشركة تصبح شركة حكومية وأضاف شاهد الدفاع أن الشركة تخضع للمراجعة إذا كانت نسبة الحكومة فيها تبلغ 20% فأكثر وهنا تخضع لكل اللوائح والقوانين المالية المتعلقة بالمال الحكومي ولا يوجد استثناء ويمكن الشركة أن تخالف اللوائح والقوانين من أجل تحقيق الأغراض الاستراتيجية التي نشأت لها وقال إن هناك جهات الحكومية لا يجوز الاقتراض منها بغرض التمويل بخصوص فتح الحسابات. وقال الشاهد إن فتح الحساب لا يتم إلا بموافقة وزير المالية الذي يخاطب ديوان الحسابات بوزارة المالية وبعدها مخاطبة بنك السودان من أجل مخاطبة البنك الذي يفتح فيه الحساب. وحتى عام 2012م كان الحساب مفتوحاً بدون موافقة وزير المالية، وذكر أنه علم من ممثل بالوزارة أن هناك وديعة من قطر أودعت في حساب شركة (…..) وأن سقف شراء الأثاثات بـ(100) ألف وبدون الرجوع الى الوزارة المعنية، وهذا الأمر يعتبر مخالفة، وأوضح شاهد الدفاع الثاني مستشار بالمسجل التجاري بوزارة العدل أن شركة (…..) حسب شهادة التأسيس شركة خاصة محدودة المسؤولية، وقال إنه لا يجوز تسجيل أي شركة حكومية من مال الدولة إلا بموافقة من مجلس الوزارء، وبالفعل أحضرت شركة (…..) الموافقة من مجلس الوزارء باستثنائها حتى تسجل كشركة خاصة وأن حكومة السودان لديها 99% سهم ووزارة المالية وبنك السودان 1% سهم، وقال إن الشركة الخاصة ليس لديها طرح انتداب للجمهور وإن هذه الشركة تعمل بدون إذن تأسيس، ولا يوجد مدير مكلف لشركة (…….) وفي 30/4/2013م تعاقد المتهم مع شركة (……) كمدير عام وتم اعتماده عند المسجل العام في 6/5/2013م وفي 27/11/2013م تم إنهاء تكليف المتهم من المدير العام حتى يتم تنفيذ القرار الجمهوري بتعيين مدير عام جديد، وشركة سوداميت لم تحول اسمها وهي مملوكة لجهات حكومية من المفترض أن تدفع رأس المال ومنذ تأسيسها كان المتهم المدير العام، مشيراً إلى أن وزير(…..) قدم طلبا للمسجل التجاري لإكمال إجراءات تسجيل شركة (…..) خلال 30 يوماً.

تزوير التوقيع

أما في قضية خيانة الأمانة وتزوير توقيعي رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمنظمة مجذوب الخليفة فقد جاء قرار المحكمة بالسجن (12) عاماً على المدير المالي السابق لمنظمة مجذوب الخليفة بتهمة تزوير وخيانة الأمانة من القانون الجنائي لاصطناعه وتزويره توقيعي رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمنظمة وحصل بموجب ذلك على أموال طائلة وألزمت المحكمة المدان بدفع غرامة مالية قدرها (30) ألف جنيه، وفي حالة عدم الدفع السجن عاماً وإعادة مبلغ (5،1) مليار للمنظمة الشاكية، وحسب تفاصيل القضية فإن المتهم قام بتسييل الوديعة لصالح المنظمة بمبلغ (5،1) مليار خاصة أنها اودعت في بنك الاستثمار المالي، وقالت حيثيات الحكم إن المتهم قام بتحرير شيكات من حساب المنظمة بعد تقليده توقيعي رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمنظمة وسحب المبلغ من بنك الاستثمار المالي وتحويله الى حساب المنظمة ببنك التضامن الإسلامي، ومن ثم استلام جزء من المبلغ للاستفادة منه في التجارة. وقالت الحيثيات إن المتهم تسبب في خسارة غير مشروعة للمنظمة وأدانت المحكمة المتهم تحت المواد (123) تزوير و (177) الفقرة (2) خيانة الأمانة من القانون الجنائي، وقال القاضي إنه أوقع الحكم بناء على منشور رئيس القضاء في تشديد العقوبات في جرائم المال العام.

خيانة أمانة واحتيال

وفي نموذج ثالث لقضايا المال العام التي تم حسمها أصدرت المحكمة قراراً على المتهم بالسجن ثلاث سنوات ودفع غرامة قدرها (500) ألف وفي حالة عدم الدفع السجن ستة أشهر على المتهم الأول بتهمة خيانة الأمانة وعلى المتهم الثاني السجن ثلاث سنوات ودفع غرامة (500) ألف، وفي حالة عدم الدفع السجن ستة أشهر بتهمة استلام مال مسروق فيما برأت المحكمة المتهم الثالث لعدم وجود بينة كافية لإدانته، وحسب تفاصيل القضية أن المتهم الأول يعمل فني (مؤسسة حكومية كبرى) ومهمته شراء الكهرباء لعدد أربعة عدادات عبر شيكات، وكان المتهم قام بشراء كهرباء بمبلغ (93،39) ألفا لعدادت ليست لها علاقة بالمؤسسة، وتبين أنه قام بشرائها لمنزله وأخرى لمحطة (…..) وأن المتهمين الثاني والثالث يعملان بالمحطة والمتهم الثاني استلم تذاكر شراء كهرباء من المتهم الأول، ووجهت لهم النيابة تهماً تحت المواد (177،178) خيانة أمانة واحتيال للمتهم الأول (21،181) اشتراك واستلام مال مسروق للمتهم الثاني .

جريمة خطرة

يشير المحامي الحاج آدم عمر إلى أن الاعتداء على المال العام يعد من أخطر الجرائم على المجتمع حيث أوضح أن المال العام يخص المجتمع وهو صاحب المصلحة العامة فيه، وهذه الجريمة دائماً تقع من موظف عام يعمل في مصلحة عامة، ويكون لديه سلطة الإشراف والأمانة على المال الذي يكون تحت سيطرته، ويفتح البلاغ في جريمة المال العام تحت المادة (177) من القانون الجنائي لسنة 1991م سواء كان بالاشتراك أو غيره، وأضاف أن هيئة الاتهام يمثلها مستشار قانوني يتبع لوزارة العدل أو من أي محامٍ بعد أخذ الإذن من وزارة العدل ويمثل الدفاع فيها أي محامٍ بغض النظر عن خبرته فقط يشترط حصوله على رخصة مزاولة المهنة يحق له أن يدافع عن أي متهم وفقاً للقانون ويلعب القضاء بالسودان في جرائم المال العام دوراً كبيراً ولديه استقلالية كاملة ويفصل في أي جريمة بما فيها جريمة المال العام، بكل حياد واستقلال وفقاً للقانون والمادة المفتوحة تجاه المتهم عند اكتمال عناصرها دون التأثر بأي عوامل خارجية سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية لأن القضاء رسالة عدلية لا يمكن ان تتحاز لأي طرف أو جهة، فقط تطبق حكم القانون كما جاء في دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م ولا خرق في تطبيق القانون بين حاكم ومحكوم، وأشار الحاج الى عقوبة خيانة الأمانة إذا كان الجاني موظفاً عاماً أو مستخدماً لدى أي شخص وإذا أؤتمن على المال بتك الصفة يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز أربعة عشر عاماً مع الغرامة أو الإعدام، وسبب انتشار هذه الجريمة خلال السنوات الماضية يرجع الى عدم الأمانة عند الموظف وتحقيق مصالح شخصية وعدم المراقبة الإدارية أو الدورية من المؤسسة العامة بصفة عامة .

 

صحيفة الصيحة

تحقيق: سوزان خير السيد

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *