عَجِّل بالنَصْرِ وبالفَرْجِ .. (وثائق بنما) تنبش أموال المراغنة المخفية

ظهرت أول أمس الأحد، نتائج أكبر تحقيق في تاريخ الصحافة الاستقصائية بعنوان (وثائق بنما). حيث عكف 300 صحفي ينشطون في موقع الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين على دارسة تغطي جميع دول العالم، وتعنى بموضوعات التهرب الضريبي وإخفاء الثروات وتفادي العقوبات لكبار الشخصيات العالمية، ولكن ما شد أنظار السودانيين، ويتوقع أن يشد الناس إلى جدالات قد تنتج خلافات عالية الوتيرة، هو ورود اسم رأس الدولة السابق الراحل أحمد الميرغني ضمن عتاة المتنفذين – بينهم رؤساء دول عربية- في مخالفات مالية جسيمة ترقى إلى مرحلة الجريمة الدولية المنظمة.

آل الميرغني حضوراً

الوثيقة التي ترفع قرون الاستشعار السودانية، تتحدث عن امتلاك الميرغني الراحل شركة حدد موقعها في جزر الكاريبي على طريقة ” الأوفيشور “. يحدث ذلك في وقتٍ أشارت محطة “بي بي سي” إلى تسريب 11 مليون وثيقة من شركة “موساك فونسيكا” للخدمات القانونية التي تقع في دولة بنما، وتعتبر إحدى كبريات الشركات التي تحيط أعمالها بسياج متين من السرية، غير أن الوثاق المسربة كشفت أن الشركة المنسوبة إلى رأس الدولة أسهمت في عمليات غسيل الأموال وتفادي العقوبات والتهرب من تسديد الضرائب.

وذهبت الوثيقة المسربة إلى أبعد من ذلك عندما أوردت في وثيقة تحمل تاريخ الخامس من نوفمبر 1995م، وفيها أن مكتب محاماة في بريطانيا أرسل خطاباً للشركة باللغة السرية “موساك فونسيكا”، وورد في الخطاب طلب بتأسيس شركة لأحمد الميرغني حملت اسم ” أورانج ستار كوربريشن” وهي شركة يملكها بالفعل أحمد الميرغني وضمنت عنوان منزله الكائن بشارع مصطفى أبو هيف بالإسكندرية، فيما أشار خطاب آخر الى فتح حساب بنكي باسم أحمد الميرغني وهو الوحيد الذي يحق له التصرف في هذا الحساب وورد توقيعه مذيلاً بالخطاب .

انقداح الجدال

أثار الموقع العديد من الأسئلة الشائكة حول حقيقة وصحة ما أورده عن رأس الدولة السابق، وعطفاً على الصورة النمطية المرسومة عن الزعيم الاتحادي الراحل الموسوم بالزهد في الحياة وبهارجها، وأنه لم يكن في يوم ما ممن يكنزون المال أو يلقون له بالاً، فإن الوثيقة المسربة ستحدث تغييراً كبيراً في هذه الصورة، إن لم يكن إضراراً بها، لا سيما وأن الموقع أفاد بأن أسرة الراحل رفضت التعليق علي ما ورد بشأن الوثيقة وهو تلميح يفهم منه ضمناً أن الوثيقة عرضت على الأسرة، بيد أن الأخيرة لم تبد رغبتها في التعليق عليها مما جعل الموقع يسربها مع هذه الملحوظة.

يرى القطب الاتحادي الشيخ حسن أبو سبيب أن ما ورد بالوثيقة المشار إليها أمر مشكوك فيه، مؤكداً استحالة الأخذ بما ورد في الوثيقة باعتباره حقائق مسلماً بها، وقال أبو سبيب لـ “الصيحة” إنهم لا يعلمون شيئاً عن حقيقة هذه الشركة التي يزعم الموقع أن الراحل أحمد الميرغني أسسها بجزر الكاريبي. لافتا إلى أن الراحل عهد عنه زهده في المال بشكل عام. وقال: لم يكن المال همه في يوم من الأيام بالرغم من خلفيته الاقتصادية نافياً علمهم كقيادات اتحادية بأمر هذه الشركة المنسوبة للميرغني.

ومن ثم وصف أبوسبيب إدارة أحمد الميرغني للمال بأنها شفافة ولا تدار في الخفاء، ليخلص بعدها الشيخ أبوسبيب إلى القول: (من يعمل بشكل مكشوف ويشهد له الجميع بالنزاهة خاصة في التعاملات المالية لا يمكن أن يتورط في أي نشاط مشبوه) وزاد: (خبر الوثيقة لا يحمل وجاهة من حيث المبدأ لذا ليس من المفيد التعويل عليه).

تقاطعات

الثابت أن الراحل أحمد الميرغني كان رجلاً ذا استثمارات عديدة وينشط في أكثر من اتجاه تجاري عبر عدد من الشركات كما أنه صهر لعائلة الشبراوية التي تعد إحدى أشهر العائلات المصرية ولها نشاط تجاري واسع بمصر وهو ما أسهم في إحداث بعض البلبة عند توزيع ورثته بعد وفاته حيث يشير البعض إلى أن ورثته لم يتم تقسيمها حتى يومنا، هذا نظراً للتداخل الشديد بين أمواله وأموال الحزب من جهة، ومن جهة أخرى مع أموال أصهاره المصريين، ويعزز هذا القول إن الراحل لم يكن يتعامل بحسابات مضبوطة وينفق بلا تقييد على أعماله التجارية وأسرته وعلى الحزب كذلك.

خلافات قديمة

تفتح هذه الحادثة قضية لطالما شكلت لغطاً كبيراً عند عديد من الأحزاب وتتمثل في الخلط بين أموال الحزب وأموال الأفراد المؤسسين، خصوصاً مع وجود أحزاب ذات ثقل تعتمد في تصريف شؤونها على مكتسبات قياداتها التاريخية، والحالة تنطبق على الحزب الاتحادي كما تنطبق على حزب الأمة القومي، وبالنسبة للأول يرجع مراقبون أسباب الخلاف بين نجلي المراغنة، وأبناء العمومة “الحسن وإبراهيم الميرغني ” يرجعون الخلاف لأسباب مالية تتعلق بتحديد أموال الحزب ومصدرها وكيفية التصرف فيها. بيد أن خلافات الأسرة الاتحادية في هذا الجانب ليست جديدة، حيث تشير الوقائع إلى قيام أحمد الميرغني جد القيادي الحالي بالاتحادي إبراهيم الميرغني بشكوى ضد السيد علي الميرغني بالمحكمة تتعلق بحقوقهم ونصيبهم في ورثة أسرة المراغنة وبناء على هذه المعطيات فليس جديدًا في شيء أن يتشاكس الحفيدان ” إبراهيم والحسن ” لحد الخصومة سواء تعلق الأمر بقضية أموال الأسرة او في طريقة إدارة الحزب الطائفي العريق .

مسألة شائكة

قضية أموال السياسيين وتماهيها وامتزاجها بالمال السياسي -إن جاز لنا التعبير- لا تبدو جديدة على المشهد السياسي إذ ما تزال قضية أموال الراحل الشريف حسين الهندي عصية على الفهم، ولم تفك طلاسمها بعد، حيث يؤكد عدد من القيادات الاتحادية أن اموال الهندي تبعثرت بين كثير من الأفراد والجهات بعد وفاته، فيما يذهب آخرون للتأكيد على أن هذه الأموال لم تكن تخص الشريف حسين بل هي للحركة الوطنية المعارضة للرئيس الأسبق جعفر نميري، لكن الثابت أن كثيرا من الدعم كان يأتي للحركة ويتسلمه الشريف حسين تارة كما يتسلمه آخرون دونه من دون اهتمام بالضبط المالي جراء الاشتغالات السياسية، وكما يقول العارفون بالشريف إنه كان يمنح المال لكثير من الأفراد لتأدية مهام أو من باب بر وإحسان وضمن أبواب أخرى كما تداخلت أمواله مع أموال الحزب، لذا بعد وفاته اختفت هذه الأموال ولم يعرف لها مصير على وجه الدقة، أين ذهبت .

وغير بعيد عن هذا الاتجاه تلوح قضية أملاك صنو الاتحادي”حزب الأمة القومي”. فمن المعروف أن للحزب ممتلكات عديدة موروثة، وبرغم تطاول أمدها إلا أنها لم تحسم حتى الآن وما يزال السؤال حولها قائماً: هل هي ممتلكات تتبع للحزب وجماهيره بشكل عام أم إنها حقوق للورثة حصراً، وهنا يصف عضو المكتب السياسي ورئيس اللجنة الاقتصادية بالأمة القومي الصديق المهدي أموال الحزب بأنها “متداخلة وشائكة” وقال الصديق: لـ (الصيحة) إن أموال الحزب من الصعب تحديد مالك محدد لها حتى ولو اقتضى الأمر معرفة لمن تتبع، لافتاً الى أن للحزب ولوائحه تحدد كيفية التصرف في أمواله، وأكد على وجود مجلس استشاري يتولى هذه المهمة، مذّكراً بمقولة السيد عبد الرحمن المهدي التي قالها فيها (إن أمواله وأبناءه وممتلكاته هي ملك للأنصار)، مشيراً الى أن تلك المقولة شابها نوع من الالتباس في تطبيقها وموضحاً أن أموال السيد ذهب جزء منها للحزب وجزء منها للورثة، وتابع القول إن أصول الحزب تعد في حكم الموارد التي لا تتبع لشخص بعينه ولا يحق لأحد ادعاء ملكيته لها بمفرده، بيد أنه أشار الى أن الحزب يتصرف فيها عند الحاجة كتمويل حملات الحزب الانتخابية أو الصرف على قيام مؤتمر عام وما إلى من ذلك .

فوضى

يمضي المحلل السياسي د. صلاح الدومة في اتجاه يؤكد على وجود شرخ ما في إدارة المال العام داخل عديد الكيانات السياسية بالسودان منبهاً في حديثه مع (الصيحة) بأن الأصل في الحزب أن يتبنى نظاماً مالياً يفصل فيه بوضوح بين موارد الحزب وأمواله وأموال السياسيين، بيد أنه عاد وأشار الى أن الواقع يدعم فرضية وجود إلتباس بائن في الجوانب المالية للأحزاب مستصعباً إمكانية معرفة وتحديد أموال الحزب بشكل دقيق وقاطع في ظل عم اهتمامها بالفصل بين أموالها وأموال القيادات المؤسسة .

 

صحيفة الصيحة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *