حسين خوجلي : وريقات قديمة من دفتر السبت الأخضر..

(1)

< لو سرتَ راجلاً في ولاية من ولايات بلادي لسرتَ العمر كله.. ولو امتطيت سيارة مهما كانت سرعتها، لأمضيت حتى إكمالها أياماً.. نحن للأسف لا نعلم أن الأرض قد صارت أغلى ثروة في الألفية الثالثة.. فما بالك بأرض مترعة بالخيرات من فوقها ومن تحتها.. ثروات سارية ومياه جارية.. ولذلك فإن الأمم المتحدة مصرة على أن تتجول في بلادنا شرقاً غرباً وجنوباً، حتى تكمل دراسات الجدوى لأسيادها من اليانكي والأشباه.. ما رأيكم في أن نطلق الاقطاع الوطني في بلادنا حتى يكون للفلاح في بلادنا طائرة هيلكوبتر ومسلخ ومصنع ألبان في ضيعته «الحدادي مدادي» ونخيل ومناحل، آهـ .. فحتى الإقطاع في بلادنا أقل قامة من حلم التمليك. ولم يبق لنا غير الشعار الدامع: «كلما أبصرت ربعاً خالياً فاضت دموعي». (2) < عندما قرروا أن يشتروا ذمته رفض المليون دولار في إباء، وعندما أراد أن يبيعه لم يجد مشترياً بمائة دولار. كلمات سليم اللوزي التي تشوي قلوب الصحافة المشتراة. (3) < البلاد امتلأت بالمباني الخرصانية التي لا تحوي إنتاجاً ولا كوادر ولا مهارات، لأول مرة تمنيت أن تكون مؤسسات وبيوت بلادي من الزجاج، فإننا على الأقل يمكن أن نمارس الشفافية ببعدها الشكلاني. (4) < لم يجد أي عمال لمبانيه الممتدة، ولا شغيلة للعمل الشاق في الحفريات والردميات والسهر على السقيا رغم أجره المضاعف. وعندما دخل قلب الخرطوم وجدها مترعة بالشحادين والعطالة المقنعة. سواعد الصبيان للأسف صارت أرففاً للمساويك ومناديل الورق والنڤتالين «والمرايات» والبشاكير المزيفة، وإيجار الصحف .. ومرت حافلة عليها عبارة «جيلي أنا». (5) < قهوة شديد بأم درمان كانت تبيع الشاي باللبن بكبابي «الشوب» وتعطي كرتون الكبابي الفارغة للراحل الشاعر عوض جبريل. كل كرتونة يخرج معها قلم الرصاص من أذنه ويكتب قصيدة ويقوم بتلحينها ومن هناك خرجت: الجميل السادة وضاح المحيا التفت يوم شفتو ما رضيان تحية من دلالو ولا مالو؟ ويضحك العمال متفقين على الاجابة، طبعاً من دلالو يا مسكين «الطين نعلاتك والزبالة شرباتك» ويموت. عوض من الضحك. (6) < قال لي عتيق عليه الرحمة، ذهبت يوماً لأصرف شيكاً من بنك النيلين، فطالبوني ببطاقة شخصية وما كنت أحملها، فاستأذنتهم في وريقة كتبت فيها: من يوم ما نشيت أنا للفضيلة زميل لا خداع ولا قطاع ولاني عميل للخلق الكريم ارتاح وقلبي يميل زي المغنطيس اجذب لكل جميل وبعدها صرفوا لي الشيك، وعرف الجميع (عتيق).. قلت له ممازحاً بل أعادوا اكتشافك.. ومن يومها صار لي كرسي متميز في البوفيه وصحبة كرام وونسة حسان عفيفات ويضحك كالطفل. قلت له ليت الوزارات والولايات والأحزاب والمؤسسات استفادت من ذكائك التلقائي، وصنعت لها شعارًا يكتب جهدًا ويتداوله الناس، ولكنهم لن يفعلوا فمن يجرؤ أن يقول: «لا خداع ولا قطاع ولاني عميل» لن يستطيعوا يا عتيق إلا من رحم ربي. (7) < كان الراحل الدكتور محمد عبد الحي يقول لخلصائه بمثلما القاصين وأهل الرواية يتمرنون بالقصة القصيرة جدًا، فإنني أتمرن على القصيدة القصيرة جدًا وكان يقرأ لأمل دنقل: من أين ترفع السنابل الخضراء في القرى أعناقها والجند يسحقونها في زحفهم للشام كي يدخل الفرعون في المركبة الحربية ليخطب الوعاظ باسمه وتدفع الجزية وتعول النساء في قرانا قرية.. قرية وتملأ البيوت بالأيتام والأتيام الجمال الطليق والفصاحة المفيدة (8) < ومن لطائف الفاروق الشهيد غير قوته في الحق وعدله، معرفته بالحكمة والشعر. وقالوا في أحاديث العرب ولياليهم إن بني عجلان استعدوا على النجاشي عمر بن الخطاب، لما قال شعراً ظنوا إنه قد هجاهم به، فأقعدهم عمر وقال وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله: إذا الله عادى أهل لؤم ورقة فعادى بني العجلان رهط ابن مقبلِ فقال: إن الله لا يعادي مسلماً قالوا فقد قال: قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردلِ فقال : وودت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا فقد قال: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل فقال: كفى ضياعاً من تأكل الكلاب لحمه قالوا فقد قال: ولا يردون الماء إلا عشيةً اذا صدر الوُرّاد عن كل منهل فقال: ذلك أصفى للماء وأقل للزحام قالوا فقد قال: وما سمي العجلان إلا لقوله: خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل فقال: سيد القوم خادمهم. ومن بعد عقَّب صاحب زهر الآداب مبتسماً: كان عمر رضي الله عنه أعلم بما في هذا الشعر، ولكنه درأ الحدود بالشبهات. (9) < وما ذكر الفرزدق إلا ذكر الهجاء، وكان خالص هجائه للحكام والولاة ولو جاء في زماننا هذا لتم تعيينه مستشاراً إعلامياً بالحكم الاتحادي خوف لسانه ومرافعاته التي تذهب بين الناس مسرى الرياح، وقد هجا الفرزدق ابن هبيرة وحرض عليه يزيد بن عبد الملك الأمير. أمير المؤمنين لأنت مرء أمين لست بالطبع الحريص أوليت العراق ورافديه فزارياً أحذَّ يد القميص ولم يك قبلها راعي مخاضٍ ليأمنه على وركي قلوص تفيهق بالعراق أبو المثنى وعلَّم قومه أكل الخبيص (10) < كثر الهجاء في النميريين مثلما أكثر اليمين واليسار النميري والمايويين، فما نالوا منهم إلا بقدر ما تطاول بهم الزمان، وحكموا كيفما أرادوا حتى استرد الله الأمانة. وقد قال بعض النميريين يجيب جريراً عن شعره: غير جمرة العرب التي لم تزل في الحرب تلتهب التهابا وإني إذ أسب بها كليباً فتحت عليهم للخسف بابا ولولا أن يقال هجا نميراً ولم يسمع لشاعرهم جوابا رغبنا عن هجاء بني كليب وكيف يشاتم الناس الكلابا

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *