اسحاق الحلنقي : خمسون قرشاً في اليد ولا جنيه طائر

٭ بعد أن لاحظت والدة الفنان عبد الكريم عبد الله الشهير بـ (كرومة) الحشود الهائلة التي خرجت لاستقبال اللورد (كرومر) المندوب السامي للعرش البريطاني أثناء زيارة قام بها للعاصمة الخرطوم، تمنت أن يجد ابنها الفنان شهرة مثل شهرته، فأطلقت عليه لقب (كرومة) حتي يكون اسمه متماشيا مع اللهجة العامية، قال عنه الموسيقار الكبير إسماعيل عبد المعين إن ـ (كرومة) فنان كبير، وإنه سيحدث ثورة ضد الأغنيات التقليدية الشائعة في تلك الأيام، وقد أثبتت الأيام صدق ما قاله الموسيقار الكبير.
٭ من يصدق أن العالم الفيزيائي الكبير (البرت إنشتاين) كان طالباً بطيء في الكلام، بطيء في تحصيله الدراسي، إلا أنه جاهد وثابر إلى أن تمكن من وضع نظرية جعلت العالم كله مجرد كرة على اليد، وأنا من هنا أقول لأبنائي وبناتي من الذين لم يتمكنوا من الحصول على مجموع يؤهلهم للإلتحاق بالمدارس العليا، أقول لهم تذكروا دائماً أن هناك فرصة أخري تنتظر، فخذوها وأجعلوا منها جوهرة لنجاح قادم، وعليكم أن تعلموا أن الفشل ما هو إلا محطة عبر من خلالها كثيرون من عباقرة توقف عندهم التاريخ تعظيماً.
٭ تفاجأت بالشاعرالكبير عبد الرحمن الريح يجلس بمكتب الموسيقار الراحل برعي محمد دفع الله بالإذاعة، قال له برعي حين رآني: أعرفك بالشاب الشاعر القادم من مدينة كسلا، دخلت في حالة من التوهان وأنا بين مكذب ومصدق أن أكون جالساً في حضرة شاعر تعلمت منه الكلمات أن تصبح شعراً، فجأة طلب مني قيصر الغناء أن أقرأ عليه كلمات أغنيتي (إنت يا الأبيض ضميرك) وحين وصلت إلى المقطع الذي يقول : (الدموع السايلة مني .. يا ما سالت حرقتني) ، قال يسألني : كم عمرك الآن؟ فقلت له أنا علي أبواب العشرين، فعلق باسماً: حين تصل إلى الأربعين فإن على الخرطوم أن تستعد للغرق في دموع من كلماتك.
٭ قاد الفنان إبراهيم الكاشف مع عدد من زملائه الفنانين ثورة بيضاء ضد مدير الإذاعة السودانية الأسبق (الخانجي) طالبوا من خلالها أن تعمل الإذاعة علي رفع أجورهم من خمسين قرشاً إلى جنيه، وهددوا إن لم تستجب الإدارة إلى ما يطلبون فإن أثير الإذاعة سيتحول إلى مجرد نشرات أخبارية باردة، بالطبع رفض مدير الإذاعة ما وصفه بـ (دلع الفنانين) وأصر على استقدام فنانين جدد من كافة أنحاء البلاد ليحلوا محلهم، حينها شعر الكاشف ومن معه أن الأمر سيكون فيه عملية لإحلال وإبدال قد تطيح بالخمسين قرشاً التي كانوا يتقاضونها، أعلنوا تراجعهم ولسان حالهم يقول: (خمسون قرشا في اليد ولا جنيه طائر).
٭ لن أنسى الدعوة التي وجها لي الشاعر الجميل الفاتح حمدتو إحتفالاً بعودتي النهائية للبلاد، وقد حضر الحفل عدد من أحباب تم إختيارهم بعناية جعلت من الجلسة سهرة كأنها مقطوعة موسيقية اسمها (لمة أحباب)، صدقوني لم أكن أتوقع أن أجد الشاعر سيد أحمد الحاردلو ضمن الأحباب، كان (عليه الرحمة) يجلس في زاوية بعيدة عن المكان يتأملنا عن بعد، كان يجلس كأنه بسمة على طرف من دموع، كان الحبيب يحاول أن يعكس لي فرحته بعودتي، إلا أن حالته الصحية لم تكن تسمح بذلك، إنتهت السهرة وأحسست أن في قلبي آهة على مبدع كتب (يا بلدي يا حبوب) .
هدية البستان
يلا وتعال يلا ..
نهاجر في بلاد الله
ننسي الناس وينسونا
فوقنا الطيبة تتدلا

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *