عبد الله الشيخ : لِنفترِض أنّهم يَشْرَبونَ الشَّاي..!

لن تصدّق نفسك، إذا حادثتها على انفراد، كيف انتهى الشهر وأنت تُنفق ما يتجاوز دخلك بما لا يُقاس.. قد يمضي الشهر دون أن تجد من تستدين منه، وقد تجد من يفعل ذلك، وفي الحالتين، فأنت لن تصدّق أنّك بطل هذه الحكاية، التي لا تحدُث إلا في السودان، حيت الحياة (مُدردِقة)، والميزانية (مُطرشِقة) منذ الاسبوع الأول من الشهر.. ولا نقصد هنا، ميزانية الدولة التي لا نعرف تفاصيلها ولا أصول تجنيبها، وما إلى ذلك، ممّا يختص بعلمه الاخوان..!
فهل هذه حقيقة أم وهم، إذا كنت من المحظوظين في هذه الحياة، وتحصّلت فيها على فرصة عمل في الحكومة، في الخدمة العامة أو النظامية..؟ الأرقام الرسمية لجمهورية السودان، تقول إن الحد الأدني للأجور، ستمائة جنيه.. ودون الدخول في مغالطة، فكون أنك (شغّال) فتلك محمدة، إذا ما قارنت نفسك بالعاطلين، الذين لا يجدون من يُكلّمهم أو يُشفِق عليهم.. إذن هي ستمائة جنيه، قد يكون تواجدك في مقر العمل أو خلافه، وسيلة من وسائل التحايل لزيادة هذا المبلغ.. لنقل أن العامل أو الموظف يستغِل حظّه ويتّخِذ كافة السبل المتاحة ليقفز بدخله الشهري إلى ألف جنيه، أي مليون جنيه بالقديم ..!
من هذا المليون يدفع مائة جنيه، هي فاتورة دفع مُقدّم، للماء والكهرباء، ومائة جنيه أخرى لأنبوبة الغاز.. وبما أن الانبوبة قد تصبُر لأكثر من شهر على اعتبار استخدامها عند ضرورة الطبخ!، فيمكنك أن تحسب ضمن المائة جنيه المخصصة للغاز، رصيد الموبايل، وهو موبايل لا غيره، لكل أفراد الأسرة التي نفترض أّنّها مكونة من زوج وزوجته، بثلاثة أبناء.. ليس لهم ضيوف، ولا زيارات، ولا أهل، ولا حبّوبة ولا خال، ولا يتواصلون مع معارف أو جيران، و لا يدفعون إيجاراً، مع أن ذلك أمرٌ مستحيل..!
لا يدفعون أي شيء من هذا أو ذاك، لكنّهم يضطرون إلى ركوب المواصلات.. تكلفة الذهاب مِن وإلى المدرسة، مائة جنيه، تتضمّن رسوم الدراسة ورسوم تحفيظ القرآن التي تُدفع للشيخ أو الشيخة، وحق الكراسات والكتب والاقلام، على أن لا يتناول الطالب وجبة الافطار في المدرسة، لأنهم كاُسرة (متماسكة)! يأكلون (بوش كارِب) في المساء، بتكلفة قدرها عشر جنيهات فقط..!
الجملة في نهاية الشهر، ثلاثمائة جنيه لأبناء الأسرة الثلاث، فكم بقي من المدخول..؟
بقيّ مائتي جنيه، لنقُل أن رب الأُسرة يدفع نصفها للمواصلات، لكونه يركب الحافلات وبصّ الوالي، ويتجنّب الهايسات، أما المائة جنيه الأخيرة، فهو يعطيها لزوجته كمصاريف شهرية.. كِدا نكون انتهينا من حساب المليون جنيه، دون أن نتحدّث عن اقتصاد المعاش، عدا ضروريات (النّفَس الطّالِع والنّازل)، من ماء وعيش وموية فول..!
فهل أنت العاقل، أم الحكومة التي تعمل فيها، إذا وصلتما سوياً إلى نهاية الشهر، ودخلتم كذلك في الشهر الجديد..!؟
لعل أول سؤال يدور في ذهن من يقرأ هذا الكلام هو : ما جدوى شراء الأسرة لأنبوبة الغاز، فهي لا تحتاجها..! لكن دعنا نفترض، أنهم يشربون الشاي، دون أن يدخل حق الشاي والسُّكّر في الحساب، وكذلك دون حساب، ثمن حبّة الاسبرو أو البندول، أو أي حاجة لها علاقة بالعلاج في مستشفيات أو صيدليات مامون حميدة..!
هل أنت العاقل أم أن العاقل هو ساكِن كَدَباس،الذي-للمفارقة- أدخلوه حوبة القادرية الكبرى غربي بربر، متّهماً بالجنون..! ذاك العاقل أول ما دخل الى كدباس، تأمّل في الحال وقال مخاطباً النّاس العاقلين، الذين هُم مثلي ومِثلك:ــ (أكان نضمنا تقولوا مجانين، وأكان سَكتنا، نسكُتْ على الأعوّج)..!
وسيبك من كدباس ومن يسكنون مسيدها..! ألا يستحق رب أسرة مثل هذه، وسام النيلين من الطبقة الأولى، لكونه يعول أُسرة، دون أن يضع حساباً، لصابون الغسيل..!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *