جعفر عباس : معقول؟ أربع عشرة سنة؟ (3)

تحدثت على مدى اليومين الفائتين، عن دهشتي عندما اكتشفت أنني ظللت أكتب مقالا يوميا في أخبار الخليج منذ 14 سنة، لأنّ السائد في علاقات الصحفيين والكتاب بالصحف تكون في غالب الأحوال ترانزيت، اي ان الواحد منهم يتوقف عند محطة صحيفة معينة لسنوات معدودة ثم ينتقل إلى أخرى لسبب أو لآخر.
وقلت إن أخبار الخليج ظلت تفي بالتزاماتها المالية نحوي بانتظام يجعلني أشك في «عروبتها»، وإن إدارتها ظلت تعاملني وغيري من العاملين بها أو المتعاملين معها باحترام ومهنية عالية، فكان أن ظللت بدوري وفيّاً لها وسأظل كذلك بإذن الله ما دمت أحتفظ بشيء من قواي الجسدية والعقلية: يعني هي تطالب بالخلع بكيفها وعلى كيفها (واستبعد ذلك)، أما أن أطلقها أنا فلما «تشوف حلمة ودنها».
وثمة أمر آخر حببني في هذه الصحيفة وهم قراؤها، فقد كنت وقبل أن يظهر الواتساب ويفرق بين الأخ وأخيه وصاحبته وبنيه، أتلقى منهم/ منهن رسائل تنضح تهذيبا وفهما لما بين سطور مقالاتي، فما من شيء يضايقني مثل وصفي بأنني كاتب «كوميدي» غايتي إضحاك الناس أو حملهم على الابتسام، واعترف بأنني كتبت مقالات خسارة فيها دقيقة قراءة واحدة، ولكنني وبوجه عام أحاول الخوض في قضايا عامة بأسلوبي الخاص مع ترك مساحة كبيرة لذكاء القارئ ليقرأ بين السطور ويدرك ما أرمي إليه.
وثمة أمر ثالث وهو أن البحرين على بعضها ارتبطت في ذهني بكل ما هو جميل: تضاريسها جميلة وقراها ومدنها جميلة، وأجمل من كل ذلك أهلها، فهم قوم على درجة عالية من التهذيب وحسن الأدب، وكتبت أكثر من مرة عن أن الأقدار شاءت أن تكون البحرين – وقبل أن انتمي لأسرة هذه الصحيفة – نقطة تحول مهمة في مساري المهني، ففي أحد فنادقها وخلال أول زيارة لي لها تم قبولي في قناة بي بي سي التلفزيونية، ورفع ذلك من قيمتي المهنية في سوق الإعلام.
خلال نفس تلك الزيارة استأجرت سيارة تاكسي لتطوف بي أرجاء المنامة، شريطة ألا تذهب بي إلى «مول»، ثم استقللت سيارة ثانية طافت بي بعض المناطق الشاطئية، ثم ثالثة أخبرت سائقها أنني «غريب» عن البلاد وأريد رؤية بعض المناطق خارج المنامة، وليس من رجاحة العقل أن تعطي سائق سيارة تاكسي الانطباع بأنك «غريب» لأنّ المعتقد السائد هو أنه في هذه الحالة سيلف ويدور حتى ينشف جيبك.
عندما ركبت سيارة التاكسي الثالثة كانت الساعة تزحف نحو الثالثة، وبعد وصولنا أطراف المدينة توقفت السيارة في منطقة تضم متاجر متفرقة، وقال السائق: الحين موعد الغداء، وهنا مطعم مشهور في إعداد الأسماك، فقلت له: تفضل تناول غداءك وسأتجول قليلا إلى حين عودتك، فإذا به يصيح بما معناه: يا زول أنا أدعوك للغداء بوصفك ضيفا علي وعلى بلدي.. أي والله العظيم، أصر الرجل على أن أتناول الغداء على نفقته، ثم طاف بي في الرفاع ومناطق أخرى وأعادني إلى الفندق، وما أن نزلت من السيارة وشرعت في إدخال يدي في جيبي لأدفع له أجرة الجولة حتى انطلق ملوحا لي بيده. ركضت خلف السيارة لبضع ثوان ولكنه واصل التلويح بيده بإشارة الوداع، وكان ذلك الرجل أول من فتح قلبي لأهل البحرين وأكّدت زياراتي التالية للمملكة أن أمثاله كثيرون.
وسبحان الله ففي البحرين جالية سودانية تملأ العين وترفع الرأس، سودانيون وسودانيات من كل الطبقات، يمتازون بالمهنية العالية ويشاركون بحماس صادق في الفعاليات الثقافية والاجتماعية وتربطهم بأهل البحرين علاقات ود صادق، فلا تملك كسوداني إلا أن تحب تلك الجالية الجميلة وتزداد حبا للبلد الجميل طبيعة وشعبا الذي يقيمون فيه.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *