محجوب عروة : الاقتصاد السوداني بين ثلاثة تيارات

محجوب عروة : الاقتصاد السوداني بين ثلاثة تيارات

ظاهرة الارتفاع الكبير للعملات الحرة مقابل الجنيه السوداني مثل الحمى العالية في جسم الإنسان حين يصيبه مرض، فهذا الانخفاض
ليس هو المرض ولكنه انعكاس لأمراض كما يؤكد الأطباء.
إن أمراض الاقتصاد السوداني ظلت عديدة منذ عقود ولكنها تفاقمت بشدة في الفترة الأخيرة كما ذكرت أمس لأسباب عديدة منها ما هو اقتصادي مثل ضعف الإنتاج والإنتاجية وارتفاع التكلفة ومن ثم قلة عائد الصادرات مقابل الزيادة الهائلة في الواردات، ثم هناك السياسات الخاطئة وفشل كل خطط التنمية الاقتصادية، فالمرض الهولندي (لعنة الموارد) بعد عائدات البترول وهناك أسباب سياسية مثل ازدياد الإنفاق العسكري والأمني بسبب الحروب الأهلية والتضخم والترهل في الجهاز الإداري والسياسي مركزياً وولائياً وأيضاً، كما هو معروف بسبب المقاطعة والحصار الدولي..
في تقديري المتواضع هناك الآن ثلاثة تيارات أو لنقل مدارس أو مفاهيم اقتصادية بشكل عام الأولى طبقها نظام مايو لستة عشر عاماً وهو الفكر والنظام الاشتراكي والثاني سياسة التحرير التي طبقها حمدي والثالثة نوع من الاقتصاد المزدوج طبقها الراحل د. عبد الوهاب عثمان.. والذي يبدو لي أن الذي هزم جميع هذه السياسات والمناهج ولم تؤدِّ إلى النتائج المرجوة في الخروج بالاقتصاد السوداني من كبوته وأدت الى ما نحن فيه من ارتفاع كبير في حمى سعر الصرف وعدم الاستقرار الاقتصادي الجاذب للاستثمارات الضخمة؛ أنها جميعاً طبقت بطرق غير مواتية منها – كما حدث في الفترة المايوية – تعرضت لعدم الاستقرار السياسي والتقلبات ثم عودة حرب الجنوب أشد ضراوة عام ۱۹۸۲ رغم عشر سنوات من السلام عقب اتفاقية أديس أبابا عام ۱۹۷۲ كانت كافية لتجعل الاقتصاد ينطلق ولكن حدث العكس فقد وقع الاقتصاد السوداني منذ العام ۱۹۷۹ في قبضة روشتة صندوق النقد الدولي ومصيدة الديون ومعروف الأثر الاقتصادي السالب لذلك. وفي ۱۹۸۹ لم يكن للحكومات المتعاقبة – فترة الديمقراطية الثالثة ۱۹۸٥ سواء كانت انتقالية أو حزبية أي تصور اقتصادي واضح فلا داعي للتحليل هنا. وعندما جاءت الإنقاذ ۱۹۸۹ بدا واضحاً تأثرها في العامين الأولين بسياسة التحكم والقبضة الاقتصادية لدرجة التعسف وإعدام من يحوز الدولار، ولكن بمجئ السيد حمدي وسياسة التحرير الاقتصادي حاول جاهداً أن يحول السياسات الاقتصادية مائة وثمانين درجة ولكنه اصطدم بعدة عوامل فلم تؤدِّ سياسته إلى نجاح منها الفكر الاقتصادي الذي تأثر بالفكر الاشتراكي لثلاثة عقود منذ ثورة أكتوبر حتى نهاية مايو ظل مقاوماً لأي فكر اقتصادي حر، ثم تطبيق سياسة التحرير في حاضن وإطار سياسي غير حر وغير ديمقراطي ومعروف أن الحرية لا تتجزأ، فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة فقد أدت سياسة التمكين المعلنة من الإنقاذ إلى عدم توفر العدالة والمساواة الاقتصادية حيث كان أهل الولاء للنظام انطبق عليهم المثل (كل الناس متساوون مساواة من غيرهم)، فقد كثر عدد الذين يتمتعون « أكثر » ولكن بعضهم بالإعفاءات الجمركية والضرائبية في تلك الفترة لدرجة مخيفة بسبب مبدأ التمكين، ومعروف أن العدل والتساوي في الفرص وعدم الاحتكار في إطار الحريات العامة ودولة سيادة القانون هي الضامن لإطلاق الطاقات الاقتصادية، يضاف لذلك بطبيعة الحال أن استمرار الحرب في الجنوب أجهض أيضاً سياسة التحرير كما أن المرض الهولندي أدى لتبديد الموارد وصاحبه حجم كبير من الفساد المالي والإداري.. وقدحاول د. عبد الوهاب عثمان معالجة الأمور بعدة سياسات وقرارات اقتصادية عرفت بمحاولة الضبط المالي واستقرار العملة وخفض نسبة التضخم والاعتماد على عمليات السوق المفتوحة مثل شهامة وأخواتها إضافة لمحاولة إيقاف نزيف الإعفاءات الجمركية للشركات الموالية للنظام تحت مسمى التمكين وغير ذلك من سياسات وقرارات كان واضحاً أنها أضرت بأصحاب المصالح ولكن مراكز القوى لم تسمح له واستطاعت إقصاؤه كما ذكر لي شخصياً في أواخر أيامه وكان متألماً جداً، عليه الرحمة..
ربما يمكننا أيضاً رصد مدرسة اقتصادية أخرى تقوم على السياسة النقدية فقط قوامها تطبيق سعر الصرف المزدوج والمدار ومن أبرز مفكريها د. صابر محمد الحسن وذلك عبر تحديد سعرين للعملة ولعلها هي السائدة الآن.. ولكنها لم تنجح وقد ظهر ذلك في الانخفاض المخيف لسعر الجنيه إزاء الدولار الذي تحاول الحكومة جاهدة معالجته بوسائل أمنية فقط ربما تخفضه قليلاً كما نشاهد الآن ولكن إلى حين فالمستفيد منها هم تجار العملة والمرتشين من المسؤولين الذين تعودوا على تجاوزها بوسائل عديدة منذ الفترة المايوية عام ۱۹۷۹ فلم يتوقف الجنيه عن الانحدار!!؟؟
إنه اقتصاد (توم آند جيري) أو لعله (الاقتصاد السري).. فماذا نحن فاعلون؟ هل نلغي الثلاثة أصفار ليصبح الدولار أربعة عشر جنيهاً فقط كما فعلت دول أخرى فلا يصل إلى عشرين جنيهاً فنحقق لأحدهم تلك الطرفة في بواكير الإنقاذ الذي صرح أنه لولا الإنقاذ لوصل الدولار عشرين جنيهاً؟ يا لها من طرفة مضحكة مبكية في آنٍ واحدٍ

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *