جعفر عباس : تفادي السودانيين خوف الهلاك

جعفر عباس : تفادي السودانيين خوف الهلاك

علمتني التجربة ألا أشكو من مرض أمام سوداني, لأنّ ذلك كاد يوديني في ستين داهية أكثر من مرة, ولولا أن أدركتني رحمة من ربي لكانت النصائح التي تلقيتها من أصدقائي وأقاربي السودانيين, قد جعلتني من قوم «حضارات سادت ثم بادت».
ومنذ سنوات توقفت عن مناقشة الشؤون السياسية مع أي سوداني, صونا لأذني التي تنتج الشمع بكميات تجارية, كوسيلة دفاعية في مواجهة طوفان النظريات العرجاء يتم تداولها يوميا في سوق الجدل السياسي السوداني, وتوقفت أيضا عن إزالة الشمع من أذني, أي تعمدت أن أصيب نفسي بالصمم الجزئي حفاظا على أعصابي وما تبقى من قواي العقلية, لأنّ السياسة مجال «مشاع» والكلام فيها ببلاش, وعندنا سياسيون يقولون ما لا يفعلون وحلاقيمهم مواسير بها تسرب لا تكف عن الضخ, ولكن أن أجعل صحتي مضع نظريات تجعلني فأر تجارب؟
يفتح الله!
مثلا كلما عانيت من اضطراب هضمي نصحني اختصاصيون بتاعين كله: عليك بالروب والزبادي.. وبطنك تشتغل زي المرسيدس, واتبعت النصحية وانتهى بي الأمر نزيلا للمستشفى, والله لا وراكم منظار القولون, ورجح الأطباء إصابتي بمرض اسمه السراتيف كولايتس, وقال لي الطبيب: إن ذلك المرض يصيب عادة اليهود الغربيين, وإنه لا شفاء منه.. يعني «يودي وما يجيب!!» صحت: الدوام لله يا أبوالجعافر.. جيت الخليج «تكوّن نفسك» لقيت نفسك مكوّم في مستشفى.. والتقطوا من قولوني عينة وبعثوا بها إلى مختبر في كندا. ويا للسعادة: طلعت براءة من الالسراتيف كولايتس, وعرفت في ما عرفت أن أساس كل المصائب التي أعاني منها هو أنني أعاني من حساسية اللاكتوز, أي أن أمعائي لا تحتمل سكر اللبن ومشتقاته. (كل العرب سيم سيم في مجال التشخيص والعلاج بالفهلوة).
تسمى موريتانيا بلد المليون شاعر, والجزائر بلد المليون شهيد وهناك إربد في الأردن التي يعمل جميع سكانها في الجيش, ويسميها الأردنيون بلد المليون عريف, أما السودان فبلد الثلاثين مليون سياسي. سعيد ومبارك عليكم, فلم يعد الجدل السياسي يستفزني, ولم أعد أتنرفز إذا سمعت للمرة الألف أن حال البلد لن ينصلح ما لم «يمسكها» الصادق المهدي, أو أن التنمية الاقتصادية لن تتم ما لم يصبح كمال ترباس محافظ بنك السودان المركزي, وأن البشير هو الذي سيقودنا نحو وحدة الصف ويمنحنا الحريات بالدش وليس بالقطارة.
ولكن أن أشكو من ورم أو خراج في اللثة فيتطوع أحدهم بنصحي بأن اشرب ملعقة زيت خروع مخلوطة بلبن تيس, ويقاطعه آخر, بأن أمسح موضع الورم بفيكس مخلوط بالثوم.. هذا ما لا أطيقه!! بعضهم يمضي إلى أبعد من ذلك ويأتيك بقرص دواء هو يقول: ابلع هذه وستشعر بتحسن فوري وبالفعل يختفي الألم, بل يختفي الإحساس بكل شيء حولك, لأنه أعطاك قرص بنسلين وأنت لا تدري أنك تعاني من حساسية البنسلين وتدخل في غيبوبة قد تجيب أجلك, ما لم ينتبه أحدهم إلى حالتك ابتداء بهرش وحك الجلد وصولا إلى انقطاع النفس (بفتح النون والفاء).
ويذكرني التنظير السوداني العشوائي في مجال التداوي, بفلاح تركي (كتبت عنه كثيرا) كان يعاني من ألم شديد في أحد أضراسه, وكما عند بعض الشرائح الاجتماعية عندنا فقد نصحه أحدهم بشرب الخمر البلدية – العرق, والمعروف أن جماعة العرق يتعصبون له أكثر من تعصبهم للأحزاب السياسية وأندية كرة القدم, فهو عندهم علاج للإمساك والإسهال والسكري وارتفاع ضغط الدم, وهو أفضل من الفياقرا ويحتوي فيتامين بي, وسي و«دبليو سي», وهكذا أتى الفلاح التركي بزجاجة عرق وشفط محتوياتها بالكامل ولكن ضرسه ظل ينبح وينقح, ومن ميزات الخمر أنها تجعل الشارب ميالا إلى الخلق والإبداع والابتكار, واهتدى الرجل إلى طريقة ناجعة للتخلص من ألم الضرس: أتى بمسدسه, ووضع فوهته على الضرس الوقح و«بم» فارتاح من آلام الضرس والحياة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *